مقالات

26سبتمبر.. من بندقية الثائر إلى أيقونة اليمني

 

سبتمبر نت: مقال/ د. علي عزي

لم تعد ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر مناسبة وطنية تستعاد كل عام فقط؛ فقد بدا هذا العام أن 26سبتمبر يستعيد حضوره بقوة في الوعي اليمني، بعدما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء واسع للاحتفاء بالثورة ورموزها وشعاراتها، ففي مختلف المنصات، اكتست صور اليمنيين بالألوان السبتمبرية، وتحولت الصور الشخصية إلى أيقونات تحمل العلم الجمهوري، فيما امتلأت الصفحات بصور الثوار والأناشيد والعبارات التي تستحضر يوم انتقال اليمن من نظام الإمامة إلى النظام الجمهوري، ولم يكن اللافت حجم الاحتفاء وحده، بل اتساع رقعته؛ فقد خرج سبتمبر من دائرة النخب إلى فضاء شعبي واسع، وأصبح كل حساب مساحة صغيرة لرفع راية الجمهورية، وهنا تتحول الصورة من مظهر بصري إلى موقف رمزي، ويصبح تغيير الصورة الشخصية إلى صورة سبتمبرية تعبيراً عن الانتماء إلى الفكرة التي مثلتها الثورة، وهذه الكثافة في الحضور الرقمي تحمل دلالات تتجاوز الاحتفال بالماضي؛ فالثورة السبتمبرية أسقطت نظام الإمامة وأعلنت الجمهورية وفتحت أمام اليمنيين أفق الدولة والمواطنة، واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، تعود أسئلة الماضي إلى الواجهة مع الحرب التي أعقبت سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، وفي الخطاب الجمهوري تُقدَّم الحوثية بوصفها امتداداً لمشروع الإمامة، وإن تغيرت الأدوات والظروف.

ومن هنا تأتي المفارقة الكبرى: الثورة التي أسقطت الإمامة بالأمس، يستعيد أحفاد ثوارها اليوم رموزها وهم يخوضون معركة جديدة ضد ما يرونه امتداداً لمشروعها، ولذا يستحق أحفاد ثوار سبتمبر وقفة إجلال وإكبار؛ أولئك الذين لم يرثوا أسماء آبائهم وأجدادهم فقط، بل ورثوا شجاعتهم وإرادتهم وشرف التضحية، إنهم يقفون في مختلف جبهات العزة والشرف والكرامة، يواجهون أحفاد الإمامة، ويبذلون أرواحهم وأنفسهم وأموالهم ودماءهم دفاعاً عن الجمهورية والدولة والكرامة الوطنية، وفي كل متراس وجبهة يكتبون بدمائهم فصلاً جديداً من فصول سبتمبر، ويثبتون أن الثورة ليست ذكرى محفوظة في الكتب، و إنما قضية حيّة يدافع عنها الرجال بالتضحيات.
وإذا كان الآباء والأجداد قد حملوا السلاح في وجه الإمامة، فإن أبناء اليمن اليوم يحملون، إلى جانب السلاح، الكلمة والصورة والرمز، هناك جبهات الميدان، وهنا جبهات الفضاء الرقمي؛ هناك من يحمي الجمهورية بدمه، وهنا من يحمي ذاكرتها بالكلمة والصورة، وفي الجبهتين تتكامل المعركة، فالمتراس يحمي الأرض، والمنشور يحمي الرواية، والصورة تحفظ الرمز، فتبرز أهمية المشهد الرقمي هذا العام؛ وتتحول آلاف الصور الشخصية إلى صور سبتمبرية، وتنتشر شعارات الثورة في مختلف الصفحات، وتصبح صور الثوار ورموز الجمهورية حاضرة في الحسابات والمنشورات، فيتجاوز الأمر استعادة الصور التاريخية إلى استدعاء معنى الثورة نفسها، والأكثر دلالة أن هذا الحضور امتد إلى صفحات وحسابات من داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث تضيق مساحة التعبير، فأصبحت الصورة والمنشور وسيلة للحفاظ على الذاكرة وإعلان الموقف.
إن انتقال سبتمبر إلى هذا الفضاء يؤكد أن المعركة ليست على الأرض وحدها، هي أيضاً معركة على الذاكرة والرواية والرموز، فكما يحاول الحوثيون تقديم نكبة الحادي والعشرين من سبتمبر بوصفها حدثاً تأسيسياً، يتشبث اليمنيون بالسادس والعشرين من سبتمبر باعتباره لحظة ميلاد الجمهورية ومرجعيتها التاريخية، ولهذا يحمل اكتساح الرموز السبتمبرية للفضاء الرقمي رسالة واضحة: الذاكرة الوطنية لا يمكن إعادة تشكيلها بقرار سياسي، ولا يمكن إلغاء حدث تاريخي بمحاولة استبدال رموزه، فما يُحاصر في الميدان يمكن أن ينتشر في الفضاء الرقمي، وما يُراد له أن يغيب من الذاكرة قد يعود بصورة أكثر حضوراً، وهكذا أصبحت مواقع التواصل امتداداً جديداً للميدان اليمني؛ فالصورة التي كانت تُرفع في الساحات أصبحت تُرفع على الحسابات، والشعار الذي كان يُكتب على الجدران أصبح يتصدر المنشورات، ودائما ما أقول: تغيرت الأدوات، لكن الفكرة بقيت حاضرة.
واللافت حقيقة أن هذا الاحتفاء لا يقتصر على جيل عاش الثورة؛ فكل من يضعون صور سبتمبر اليوم لم يولدوا عام 1962، ولم يشاهدوا الإمامة، ومع ذلك يتعاملون مع الثورة باعتبارها جزءاً من هويتهم الوطنية، وهذه من أقوى دلالات المشهد: أن سبتمبر انتقل من جيل الثورة إلى الأجيال التي جاءت بعدها، وأصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية لأبناء اليمن، ولهذا فإن الاحتفاء الكبير به هذا العام يعبر عن استعادة معنى الجمهورية في ظل واقع سياسي وعسكري شديد التعقيد، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى: أي دولة يريدها اليمنيون؟ دولة المواطنة المتساوية أم الامتياز؟ دولة يكون الحكم فيها حقاً عاماً أم حكراً على جماعة أو سلالة؟ دولة يكون القانون فيها فوق الجميع أم تكون القوة فوق القانون؟
ولذا يمكن فهم الاندفاع الشعبي نحو سبتمبر؛ أنه استدعاء لمعنى الثورة، وتأكيد لحضور الجمهورية في الوعي العام، ولعل أبلغ ما في المشهد أن سبتمبر لم يحتج إلى منصة رسمية لكي يعود إلى الواجهة؛ فقد أعاده اليمنيون بأنفسهم، حتى بدا الفضاء الرقمي اليمني ميداناً سبتمبرياً مفتوحاً، ولقد تغيرت الوجوه والأدوات والسنوات، لكن سبتمبر بقي حاضراً؛ في الجبهات بأرواح أحفاد الثوار ودمائهم، وفي الفضاء الرقمي بصور اليمنيين وكلماتهم وشعاراتهم، وإذا كان الثوار الأوائل قد أشعلوا شعلة الثورة في السادس والعشرين من سبتمبر، فإن أبناء اليمن اليوم يحملون شعلتها بطريقتهم: رجال يحمونها في الجبهات، ويمنيون يرفعونها على شاشاتهم، جميعهم يؤكدون أن الجمهورية ليست ذكرى من الماضي، وأن سبتمبر ليس تاريخاً منتهياً، فسبتمبر ذاكرة وطن، ورمز جمهورية، وراية تتجدد كلما حاول أحد أن يعيد اليمن إلى الوراء.

زر الذهاب إلى الأعلى