أحدث الاخبارمقالات

الإمامة وصنّاعة الأمية.. استراتيجية احتكار المعرفة والتجهيل الممنهج

 

سبتمبر نت: العميد/ عبد الحكيم الصبري

كانت العلاقة بين الإمامة في اليمن والتعليم علاقة عداء جرفي وجودي تتجاوز مجرد التقصير الإداري أو شحة الموارد لتصل إلى كونها استراتيجية تجهيل منظمة وممنهجة اعتمد عليها النظام الإمامي لضمان بقائه واستمراره ، حيث أدرك الأئمة أن نور العلم هو المهدد الأول لظلمة خرافاتهم وطغيانهم.

الهادوية وخضوع الرعية

لقد قام الفكر الإمامي الهادوي الزيدي على ترسيخ فكرة الحاكم المصطفى الذي يستمد مشروعيته من نسبه وحسبه ، ولتحقيق الانقياد الأعمى لهذه الفكرة كان لا بد من إبقاء الجماهير العريضة في حالة من الجهالة والفقر والرضوخ.

تطوير مناهج الطاعة المطلقة

ويمكن قياس هذا العداء الممنهج من خلال النظر إلى واقع التعليم في عهد المملكة المتوكلية الإمامية ، حيث كان المشهد التعليمي غارقا في البدائية واقتصار التعليم لعامة الشعب على ما يسمى (الكتاتيب) أو (معلامات المكتب) وهي أماكن بسيطة تفتقر إلى أدنى المرتكزات التعليمية الحديثة وكان المنهاج فيها يقتصر على تحفيظ القرآن الكريم وتلقين مبادئ القراءة والكتابة والحساب الأولي ، مع التركيز المكثف على زرع الطاعة المطلقة للإمام وتحريم الخروج عليه واعتبار ذلك فرضا دينيا لا يكتمل إيمان الفرد إلا به.

احتکار المعرفة

ولم يتوقف الأمر عند حدود تدني مستوى التعليم ، بل تعداه إلى تكريس الطبقية والمناطقية الصارخة في إتاحة الفرص المعرفية ، إذ جعلت الإمامة من العلم المتقدم والمعرفة الفقهية والسياسية حكرا حاسما على أبناء الأسر الإمامية ومن يطلق عليهم (السادة) وبعض الأسر – (القضاة) – المقربة من سلطة الحكم ، مثل بيت حميد الدين وبيت شرف الدين وبيت الوزير وبيت الكبسي وبيت الشامي وغيرها من العائلات التي كانت تشكل العصب الأيديولوجي والإداري للنظام. وكان الغرض من هذا الاحتكار هو إعادة إنتاج النخبة الحاكمة ذاتها وضمان عدم خروج مقاليد السلطة والإدارة عن هذه الدائرة الضيقة. حتى عندما حاصرت الضغوط الداخلية والإقليمية الإمام يحيى ثم ابنه أحمد للقيام ببعض الإصلاحات ، كان إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج (مثل بعثة ال 40 إلى العراق وإيطاليا ومصر في أربعينيات القرن الماضي) يخضع لرقابة صارمة وانتقائية شديدة ، حيث جرى اختيار معظم أعضائها من أبناء العائلات الإمامية وحلفائها التقليديين، مع استبعاد دقيق لأبناء القبائل والعاميين ، خوفا من أن يعود هؤلاء بأفكار تنويرية أو تحررية تهدد العرش المتوكلي.

تغييب القبيلة

إن حرمان أبناء القبائل وجماهير الشعب اليمني من التعليم لم يكن صدفة إدارية ، بل كان هدفا استراتيجيا جوهريا تعمدت الإمامة تطبيقه عبر عقود طويلة ، فقد انطلقت الإمامة من قاعدة سياسية وأيديولوجية مفادها أن الجهل أطوع للرعية وأنه كلما زاد وعي القبائل والشعب كلما تراجعت قدرة الإمام على التغرير بهم واستخدامهم كوقود لحروبه وأطماعه وسياسته القائمة على الجباية والنهب.

حظر المدارس وبث الخرافة

لقد كانت الإمامة تنظر إلى القبيلة اليمنية كمخزون مقاتلين ومصدر للضرائب والإتاوات فقط وأدركت أن التعليم سيفتح أذهان أبناء القبائل على مفهوم الدولة الوطنية وسيادة القانون والحقوق الفردية وسيحررهم من الوهم الذي يصور الإمام كوليّ أمر معصوم يجب القتال تحت رايته.
لقد تم حظر إنشاء المدارس الحديثة في المناطق القبلية والأرياف وتُركت أجيال متعاقبة تحت وطأة الأمية والفقر والنزاعات الجاهلية ، ليظل أبناء الشعب مرتهنين لأحكام القطران والخرافة وعاجزين عن المساءلة أو التمرد على الجباة العكفة الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب.

العداء للقلم

وقد تجلى هذا الواقع التعليمي البائس في شهادات تاريخية ووثائق متعددة ، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن نسبة الأمية في اليمن عشية ثورة 26 سبتمبر 1962 تجاوزت 98% وكانت المدارس الثانوية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في صنعاء وتعز وإب ، مع انعدام تام لأي جامعة أو معهد عال. كما كتب معاصرون لتلك الفترة ، كالقاضي محمد محمود الزبيري والأستاذ أحمد محمد نعمان ، مقالات وكتبا تصف كيف كان الإمام يرى في الكتاب والقلم عدوا مباشرا لحكمه وكيف كانت السلطات الإمامية تحظر دخول المجلات والكتب الحديثة من خارج البلاد وتطارد كل من يقتني راديو أو يقرأ صحيفة عربية ، معتبرة المعرفة التنويرية نوعا من الإلحاد والزندقة والخروج عن بيت الطاعة.

٢٦ سبتمبر ومجانية التعليم

وعندما اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة عام 1962 ، كان الهدف الأول للجمهورية الفتية هو هدم أسوار الجهل والتخلف التي ضربتها الإمامة حول اليمنيين. واعتبرت الجمهورية التعليم ليس مجرد خدمة حكومية ، بل شريان الحياة للوطن والحق الأساسي والمدخل الأهم لتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة بناء الإنسان اليمني واستعادة كرامته التي سلبت منه لقرون ، إذ نص الهدف الأول من أهداف الثورة اليمنية المباركة صراحة على “التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما وإقامة نظام جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات”، وهو ما لم يكن ليتحقق إلا بإتاحة التعليم المجاني والإنصاف المعرفي لكافة أبناء الشعب دون تمييز طبقي أو جغرافي وعليه فقد سارعت سلطة الثورة إلى فتح المدارس في كل مدينة وقرية واستقدمت المعلمين المبتعثين والخبراء من الدول العربية الشقيقة كـمصر ، وإرسال آلاف الشباب من أبناء القبائل والفلاحين والفقراء في بعثات علمية إلى مختلف دول العالم ، لتأسيس جيل يمني جديد متعلم ، قادر على بناء الدولة وإدارتها.
وهكذا تحول التعليم في العهد الجمهوري من إقطاعية حصرية بيد السلالة الحاكمة إلى حق دستوري مقدس لكل مواطن يمني ، أثبت من خلاله الشعب اليمني أن عداء الإمامة للتعليم لم يكن إلا محاولة يائسة لاستبقاء الليل وأن فجر المعرفة هو الذي دحر طغيان الإمامة إلى الأبد.

زر الذهاب إلى الأعلى