الوفاء لـ26سبتمبر هو استعادة الدولة

سبتمبر نت: د. عبده مكتف
إذا كانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م قد فتحت الطريق أمام اليمن نحو الجمهورية، فإن الوفاء الحقيقي لمبادئها اليوم لا يكتمل بمجرد الاحتفاء بذكراها أو استعادة شعاراتها، بل يتجسد في استعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وإنهاء جميع التموضعات الميليشياوية الخارجة عن النظام والقانون، أيًّا كان حجمها أو مصادر دعمها الداخلية والخارجية.
فالدولة التي بشّرت بها ثورة 26 سبتمبر ليست دولة تُدار بموازين القوة المسلحة، ولا دولة تتعدد فيها مراكز القرار العسكري والأمني والسياسي، ولا دولة تستطيع فيها جماعة مسلحة أن تفرض إرادتها على المؤسسات العامة أو أن تحتكر قرار الحرب والسلم خارج الأطر الدستورية والقانونية.
إن جوهر الجمهورية أن تكون الدولة صاحبة السلطة العامة، وأن تكون مؤسساتها المرجعية العليا، وأن يخضع السلاح والقرار العسكري والأمني للقانون وللسلطة الشرعية وحدها.
وهذا المعنى لا يمثل قراءة سياسية لاحقة فحسب، بل يجد سنده في مواقف وقرارات الأمم المتحدة التي صدرت عقب سيطرة مليشيا الحوثي الارهابية على مؤسسات الدولة.
ولم تتوقف مليشيا الحوثي الارهابية، المدعومة إيرانيًا، عند إسقاط مؤسسات الدولة، بل واصلت توسعها العسكري وتهديدها للمناطق والممرات الاستراتيجية على امتداد الساحل الغربي، بما في ذلك المناطق المتصلة بالمخا وباب المندب. وقد تطور هذا المسار إلى تهديد حقيقي لأمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية، من خلال استهداف السفن التجارية وتعريض حرية العبور في البحر الأحمر وخليج عدن للخطر.
إن ذلك لا يمس اليمن وحده، بل يهدد الأمن البحري وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية، ويفتح المجال أمام اتساع الصراع وتدويله.
ومن ثم، فإن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة لا يقتصران على إزالة آثار السيطرة المسلحة على مؤسسات الدولة، بل يرتبطان كذلك بحماية الأمن الإقليمي والدولي، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ومنع استهداف المدنيين والمنشآت والمقدسات.
وتقتضي هذه المسؤولية إخضاع كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات والجرائم للقانون والمساءلة القضائية العادلة، وفق الضمانات الوطنية والقواعد القانونية الدولية، بما يحول دون الإفلات من العقاب ويؤسس لسلام مستدام.
ومن هنا، فإن إنهاء الانقلاب الحوثي وهو استعادةً لوظيفة الدولة ذاتها: مؤسسات موحّدة، وسلطة قانونية واحدة، وجيش وأمن وطنيان، وقرار سياسي لا تفرضه القوة المسلحة، ومواطنة متساوية لا تمنح أي جماعة أو فرد حقًا سياسيًا أو قانونيًا استثنائيًا بسبب السلاح أو النسب أو الانتماء أو الدعم الخارجي.
ان المعيار الذي تفرضه فكرة الجمهورية ينبغي أن يكون واحدًا على الجميع: لا دولة مستقرة مع تعدد مراكز القوة المسلحة الخارجة عن مؤسساتها، ولا جمهورية مكتملة مع وجود جماعات أو تشكيلات تحتفظ بقرار عسكري أو أمني مستقل عن الدولة. ولذلك، فإن إنهاء جميع التموضعات الميليشياوية الخارجة عن النظام والقانون، وإعادة تنظيم القوة العسكرية والأمنية داخل مؤسسات الدولة وفق الدستور والقانون، يمثلان جزءًا أصيلًا من استعادة المعنى الجمهوري نفسه.
وهنا تتجاوز ثورة 26سبتمبر كونها ذكرى تاريخية إلى كونها مرجعية وطنية لفكرة الدولة. فالانتصار لمبادئها لا يكون باستبدال مركز قوة مسلح بمركز قوة مسلح آخر، ولا بإعادة إنتاج منطق الغلبة تحت مسميات جديدة، وإنما بإقامة دولة واحدة تتساوى أمام قانونها جميع القوى والمكونات والمناطق، ويكون قرار الحرب والسلام فيها قرارًا مؤسسيًا وطنيًا، لا قرار جماعة أو تشكيل مسلح.
إن اليمن الذي يستحقه 26سبتمبر هو يمن الدولة، لا يمن الجماعات؛ يمن المؤسسات، لا مراكز النفوذ؛ يمن المواطنة، لا الامتيازات؛ ويمن القانون، لا الأمر الواقع.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تصبح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وكل مظاهر التمرد المسلح على مؤسساتها شرطًا للوفاء الحقيقي لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، لا شعارًا عاطفيًا يُرفع في مناسبة وطنية. فالثورات لا تُقاس فقط بما أسقطته في لحظة تاريخية، وإنما بما تنجح الأجيال اللاحقة في حمايته من مبادئها، وبما تبنيه من مؤسسات قادرة على صون الجمهورية ومنع العودة إلى الاستبداد أو الفوضى.
سلامٌ على 26سبتمبر، يوم كانت فكرةً تتحدى الاستبداد، وسلامٌ عليها وهي تظل وعدًا بدولة يمنية واحدة؛ جمهورية بالقانون، ومؤسساتها فوق الجميع.