مقالات

مبدأ وحدة القوات المسلحة كمؤسسة سيادية

 

سبتمبر نت/ مقال – صلاح القميري

تمثل القوات المسلحة مؤسسة السيادة العليا للدولة، التي لا تنهض ولا تستقيم إلا على ركيزة واحدة هي وحدة القيادة ولا مرجعية لها البتة سوى القيادة العليا ووزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة. فهي ليست أداة طارئة في يد السلطة، بل هي عمود بناء الدولة والحارسة الأمينة للسيادة، والموحدة للقرار العسكري، التي تحول دون تمزق النسيج أو تعدد مراكز القيادة، مهما تنوعت أشكال التجزئة أو تعددت مسمياتها.اذ تجسد القوات المسلحة “الكيان المعنوي للدولة التي لا تتجزأ فالسيادة لا تقبل القسمة ومن ثمّ فإن أداة فرضها أي القوات المسلحة يجب أن تكون مظهراً لهذه الوحدة المطلقة.

أما قانونياً، فإن شرعية الدولة ذاتها ترتهن بقدرتها علي توحيد قرارها العسكري وإلا تحولت الدولة إلى مجرد ساحة لتنازع القوى الخاصة وتفككت وحدتها الموضوعية. ونص عليه الدستور اليمني في مواده (36–40 و111) أسس الدفاع الوطني، وجعل من رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، متجسدةً بذلك فلسفة “القرار الواحد في الحقل العسكري، إذ لا يعقل أن تتعدد الأوامر في ميدان الوغى أو داخل الثكنات.

وأحكم قانون الخدمة في القوات المسلحة رقم 67 لسنة 1991م (المادة 3) هذا المبدأ بحصر القوات الرئيسية واقتراح مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب لأي تشكيل جديد، سداً لكل باب كان من شأنه أن يؤدي إلى انشطار البنية العسكرية وتفرق نسيجها.

وجاءت وثيقة الحوار الوطني الشامل لتؤكد أن القوات المسلحة ملك للشعب، والدولة وحدها من تنشئها، محظوراً على أي فرد أو جماعة أو حزب أو تنظيم إنشاء أي تشكيل عسكري أو شبه عسكري تحت أي مسمى، صوناً لها من كل أشكال التفرقة والعنصرية والحزبية والمناطقية، وضماناً لحيادها المطلق وأدائها لرسالتها الوطنية السامية. وهذا الحظر ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو تأكيد دستوري على أن القوات المسلحة ليست ملكاً لفئة ولا أداة لسياسة، بل هي “الضمان الموضوعي” للعقد الاجتماعي. للكيان العام (الدولة) وأي تشكيل عسكري خارج الدولة يمثل نقضاً لهذا العقد، وعودة إلى حالة حرب الكل ضد الكل. قانونياً، يُعتبر هذا التشكيل جريمة خيانة عظمى وإخلالاً جسيماً بأمن الدولة، لأنّه يقوّض أساس الشرعية الدستورية ويخلق دولة داخل الدولة.

فالدول لا تقوم ولا تزدهر إلا بجيوش وطنية تتجسد فيها الوحدة الوطنية بأعمق معانيها، ببناء هرمي متكامل يمتد من أعلى قيادة القوات إلى أدنى وحدة عسكرية، مروراً بالفرقة واللواء والكتيبة وصولاً إلى السرية والفصيلة هذا البناء يعكس وحدة المصير والهدف ويضمن أن يكون الجيش مرآة صادقة لتعدد الوطن في إطار وحدته. كما تستدعي وحدة القوات إعادة توزيع خارطة الانتشار وفق أسس الأمن القومي لا وفق الولاءات الجهوية أو الحزبية، لتغطي كامل الجغرافيا والمجال الحيوي براً وبحراً وجواً.

وزارة الدفاع ليست جهازاً إدارياً عادياً، بل هي المركز الموحد للقرار العسكري وأداة فرض السيادة الوطنية. ودمج جميع التشكيلات القائمة خارج القيادة الموحدة تحت لوائها ليس خياراً، بل ضرورة حتمية لانتقال الجيش من حالة الانقسام إلى ساحة الانضباط المؤسسي، لإجهاض كل خطر كان يهدد البنية العسكرية بالتشرذم والتفكك والانهيار.

فالانقسام في الجيش ليس خللاً تنظيمياً يمكن تداركه، بل هو داء وجودي قد يؤدي إلى موت الدولة ذاتها. وحتى في ظل أي نظام حكم (اتحادياً) تبقى القوات المسلحة من الاختصاصات السيادية الخالصة للسلطة المركزية، ورئيس الدولة هو القائد الأعلى والمسؤول الأول عن الدفاع الوطني. فالقوات المسلحة تستعصي بطبيعتها على تعدد القيادة أو تشعب المسؤولية وتتطلب سلسلة قيادة صارمة لا تحتمل ازدواجية ولا تناقضاً، تبدأ من القائد الأعلى، فوزارة الدفاع، فرئاسة هيئة الأركان وتنتهي إلى أدنى جندي في أقصى الثغور.

وتعكس هذه السلسلة مبدأ السببية القانونية في النظام العسكري، حيث كل أمر هو حلقة في سلسلة تنتهي إلى مصدر السيادة. وقانونياً، فإن أي انقطاع في هذه السلسلة كوجود تشكيل لا يتلقى أوامره من القيادة الشرعية يُعدّ تمرداً يستوجب الردع، لأنه ينال من الضمانة الأخيرة لبقاء الدولة القدرة على حماية ذاتها من الداخل والخارج. ومن ثم فإن وحدة القوات المسلحة لا تقبل تجزئتها بحال من الأحوال.

وبقاء أي تشكيل عسكري خارج القيادة الموحدة ليس مجرد خرق تنظيمي أو تجاوز إداري، بل هو اعتداء صارخ على جوهر السيادة، وتقويض ممنهج لجهود الدمج، وإعلان ضمني بوجود سلطة موازية تنازع الدولة وجودها. وأمة لا تملك جيشاً واحداً تحت قيادة واحدة لا تملك سيادة حقيقية، بل تعيش على سرابها وتتغذى على أوهام القوة، ومصيرها أن تذهب رياحها بما لا تشتهي سفنها. لذا مبدأ وحدة القوات المسلحة ضرورة قانونية تقوم عليها الدولة الحديثة وهي الوشيجة التي إن انقطعت، تهاوى كيان الأمة وتفرق جمعها. فلا وطن بلا جيش، ولا جيش بلا قيادة واحدة، ولا قيادة واحدة بلا خضوع تام للدستور ومؤسساته.

زر الذهاب إلى الأعلى