الأخبار الرئيسيةمقالات

ردفان ومواجهة الاستعمار البريطاني

 

 

سبتمبر نت/ مقال – عقيد ركن/ سعيد جواس

 

ردفان حيث الجبال العالية، حيث وقعت ملحمة التحرر ضد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، في سجل كفاح الشعوب ضد الاستعمار، تبرز أسماء أماكن أصبحت رمزاً للمقاومة، في جنوب اليمن، ليست “ردفان” مجرد سلسلة جبال وعرة، بل هي عنوان لمعركة أسقطت أقنعة القوة الاستعمارية، وأشعلت شرارة ثورة لم تهدأ حتى تحقيق الاستقلال، إنها قصة جبهة ردفان، التي حوّلت صخور جبالها إلى سهام وجهت مباشرة إلى قلب الإمبراطورية البريطانية.

مع بداية الاحتلال البريطاني لعدن وجنوب اليمن، وجد سكان ردفان، المعتادون على حريتهم وكرامتهم، أنفسهم أمام قوة أجنبية تسعى لفرض سيطرتها وتقسيم مجتمعهم، لم تكن تلك الجبال مجرد أرض لسكانها، بل كانت هوية وتاريخاً، مع تصاعد سياسات الاستعمار القمعية ومحاولاته تفكيك النسيج الاجتماعي، بدأ الاحتقان يصل إلى ذروته، لم يكن السؤال: “هل ستندلع المقاومة؟”، بل “متى وكيف”؟

انطلاق الشرارة ميلاد جبهة ردفان، كانت الإجابة في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، في ذلك اليوم، اختارت مجموعة من أبناء ردفان، بقيادة المناضل راجح بن غالب لبوزة، أن ترفع سلاحها في وجه المحتل معلنة بدء الكفاح المسلح، لم تكن مجرد هجمات عابرة، بل كانت حركة منظمة أخذت اسم “جبهة ردفان”، لتصبح الذراع العسكري لجبهة التحرير الوطني.

لم تكن الجبهة تنظيماً عسكرياً فحسب، بل كانت تجسيداً لإرادة شعب بأكمله، فقد حظيت بدعم كامل من أهالي المنطقة، الذين قدموا الملاذ والمؤن والمعلومات للمقاتلين، مما جعل من كل رجل وامرأة وطفل جزءاً من آلة المقاومة.

استراتيجية الكر والفر، في حرب الجبال التي أذلت جيش الإمبراطورية، أدرك مقاتلو ردفان أن مواجهة الجيش البريطاني نظامياً هي انتحار، فطوّروا استراتيجية عسكرية عبقرية تعتمد على حرب الكر والفر (حرب العصابات) وشن هجمات مباغتة وسريعة على القواعد والتحصينات البريطانية، ثم الانسحاب والاختفاء بين الجبال والتضاريس التي يعرفونها مثل ظهر أيديهم.

معرفة عمق المسرح في الجبال الوعرة كانت الممرات الضيقة والقمم الشاهقة حليفاً طبيعياً للمقاتلين وسجناً للدبابات والآليات الثقيلة للعدو.

الطقس القاسي استغل المقاتلون ظروف الضباب والحرارة الشديدة لإرباك العدو وتنفيذ هجماتهم، الدعم الشعبي كان هذا هو السلاح السري، فبدون دعم الأهالي، لم يكن للاستعمار أي مصدر للمعلومات، بينما كان كل مواطن عيوناً وآذاناً للمقاومين.

واجهت بريطانيا هذه المقاومة بعنف شديد، وشنّت حملات عسكرية واسعة باستخدام الطائرات والدبابات، وقصفت القرى المشتبه بدعمها للمقاتلين، وفرضت حظر تجول وحصاراً اقتصادياً لكسر شوكة السكان، اتبعت سياسة “الأرض المحروقة” وارتكبت مجازر بحق المدنيين في محاولة يائسة لزرع الخوف.

لكن كل هذه الإجراءات لم تنجح ، بل على العكس، زادت من شرعية المقاومة ووحدة الصف خلفها، كل قصف وكل اعتقال كان يدفع بمزيد من الشباب للانضمام إلى صفوف الجبهة.

كانت معركة ردفان أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ كانت معركة إرادات كسر هيبة المستعمر، وأثبتت ردفان أن الجيش البريطاني، رغم تفوقه التقني، سيقهر أمام إرادة شعب يدافع عن أرضه وكرامته.

كانت انتصارات ردفان محدودة في حجمها، هائلة في دلالاتها، فقد رفعت معنويات كل الشعب في الجنوب، وأشعلت فتيل الثورة في كل المناطق، وكانت ردفان الشعلة التي أضاءت الطريق لتتحول إلى ثورة شاملة قادت إلى الاستقلال في 1967م.

قدمت جبهة ردفان نموذجاً ملهماً على كيف يمكن لمجتمع محلي أن يتحول إلى جيش يقهر أعتى القوى باستخدام إرادته ومعرفته بجغرافيا أرضه، فكانت ردفان نموذج للمقاومة الشعبية.

اليوم، ونحن ننظر إلى جبال ردفان الشامخة، لا نرى صخوراً فقط، بل نرى صفحات من التاريخ مكتوبة بدماء الشهداء، إنها تذكرنا بأن الحرية ليست هبة، بل ثمنها غالٍ تدفعه الشعوب بإرادتها، جبهة ردفان لم تكن مجرد فصل في كتاب تاريخ اليمن، بل كانت العنوان العريض لفصل التحرر الوطني، ومثالاً خالداً على أن أعتى الإمبراطوريات لا تقف طويلاً أمام إرادة شعب يقول: “كفى”.

فمن ردفان البطولة، انطلقت شرارة التحرير، لثورة أكتوبر ولم تهدأ عزيمتهم أبناء ردفان حتى بعد الثلاثين من نوفمبر، فكفاحهم ونضالهم مستمر، وعبر كل المراحل والأجيال، وإلى اليوم وهم يواصلون المسير والنضال حتى يتم تحرير صنعاء، وكل المناطق التي تسيطر عليها المليشيات الكهنوتية، ونحتفل بالنصر الكبير.

زر الذهاب إلى الأعلى