الأخبار الرئيسيةتقارير

الوحدة اليمنية.. طوق النجاة في زمن العواصف

 

سبتمبر نت/ تقرير – عبدالقادر المشهوري

تُعد الوحدة اليمنية، التي تحققت في الثاني والعشرين من مايو عام 1990، إنجازاً تاريخياً عظيماً ، لمسيرة نضالية طويلة خاضها الشعب اليمني في سبيل لم شمله وتوحيد ترابه، وتجسيداً لحلم طالما راود الأجيال، ورافعة وطنية أسست لدولة موحدة، قادرة على تعزيز مكانتها الاقليمية والدولية.
بإعلان الجمهورية اليمنية في العام ٩٠م، انتهى التشطير الجغرافي وأعاد الاعتبار لهوية جامعة، وأعطى اليمنيين فرصة لاختبار مشروع الدولة الواحدة بعد تجربتين مختلفتين في الشمال والجنوب.
اليوم، وبالرغم من العواصف السياسية والأزمات العاتية التي تعصف بالبلاد، نتيجة انقلاب مليشيا الحوثي الارهابية على الدولة والجمهورية والوحدة وإدخال البلاد في اتون حرب مدمرة اتت على الاخضر واليابس ، حتى وصلت اثارها الى تصدع الوحدة الاجتماعية والوطنية بين ابنا الشعب.
إلا انه وكلما اتى الـ٢٢ من مايو من كل عام تنبض قلوب اليمنيين بعظمة الوحدة اليمنية كونها تمثل في الوجدان الجمعي الرافعة الوطنية الأولى والمظلة الوحيدة القادرة على صهر الخلافات وتحويل اليمن إلى وطن قوي يمتلك مقومات السيادة، ويثبت مكانته في الخارطة الإقليمية والدولية.

الجذور الثقافية

وحدة الأرض والإنسان سبقت التاريخ السياسي، فالكثير من القراءات السطحية تخطئ حين تظن أن وحدة اليمن ولدت في تسعينيات القرن الماضي, فالتاريخ والجغرافيا يثبتان أن هذا الوطن عاش موحداً في نسيجه الثقافي والاجتماعي منذ فجر الحضارات سبأ، وحِمْير، وقتبان.
وفي هذا السياق، يتحدث الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الصادق، باحث في التاريخ والأنثروبولوجيا الثقافية، مستعرضاً هذا البُعد بقوله: الحدود التي كانت تفصل بين شمال اليمن وجنوبه لم تكن يوماً حدوداً ثقافية أو نفسية؛ بل كانت خطوطاً وهمية رسمتها الصراعات الاستعمارية والتجاذبات الأيديولوجية خلال الحرب الباردة.
وأضاف أن الإنسان اليمني في عدن وحضرموت وسقطرى هو نفسه الإنسان في صنعاء وتعز وتهامة، يشتركون في الموروث الشعبي، واللغة، والعادات، والهم المشترك، لذلك، جاءت وحدة عام 1990 كاستجابة طبيعية وتلقائية لنداء الهوية والتاريخ، وليس كقرار مفاجئ مسقط من الأعلى.
ويؤكد الصادق أن القيمة الحقيقية للوحدة تكمن في كونها رافعة ثقافية أعادت لليمنيين شعورهم بالاعتزاز الذاتي، وسمحت بحرية التنقل والتلاقح الفكري بين النخب الثقافية التي كانت تعيش عزلة قسرية خلف المعابر الحدودية.

الرافعة الاقتصادية

لا يمكن الحديث عن كيان سياسي قوي في العصر الحديث دون التطرق إلى المقومات الاقتصادية. اليمن بموقعه الاستراتيجي يشرف على واحد من أهم الممرات المائية في العالم (مضيق باب المندب)، ويمتلك شريطاً ساحلياً يمتد لآلاف الكيلومترات، فضلاً عن الثروات النفطية والمعدنية والزراعية الموزعة على مختلف المحافظات.
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن التجزئة كانت تستنزف موارد اليمنيين في صراعات بين الشطرين، بينما أتاحت الوحدة خلق سوق اقتصادية موحدة ومجالا حيوياً متكاملا.
وبحسب الطالبة إيمان السامعي، مستوى رابع تخصص اقتصاد جامعة عدن: فان تكامل الموارد الشمال بكتلته البشرية الكبيرة وتنوعه الزراعي، والجنوب بمساحته الشاسعة وموانئه الاستراتيجية وثرواته السمكية والنفطية، يمثلان ثنائية متكاملة لولاها لما استطاع الاقتصاد اليمني الصمود أمام الأزمات العاصفة.
وتؤكد السامعي أن الدولة القوية تحتاج إلى عمق جغرافي يحمي استقلالها، والتشطير يعني بالضرورة تحويل اليمن إلى كيانات ضعيفة وتابعة تفتقر لقرارها السيادي.

مكانة إقليمية ودولية

قبل عام 1990، كان الشطران يمثلان ساحة خلفية لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية؛ حيث كان الشمال يميل نحو محاور معينة، والجنوب يمثل الحليف الاستراتيجي للمنظومة الاشتراكية في المنطقة. هذا التجاذب جعل اليمن منطقة عدم استقرار دائم ،ومع قيام الجمهورية اليمنية، تغيرت النظرة الدولية تماماً.
يتناول الدكتور محمد الثقفي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، هذا التحول الاستراتيجي قائلا: لقد منح قيام الوحدة اليمن للمرة الأولى ثقلا ديموغرافياً وجغرافياً كبيراً في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط. أصبحت صنعاء شريكاً معترفاً به في مكافحة الإرهاب، وتأمين الملاحة الدولية، ورسم السياسات الإقليمية. العالم لا يحترم الكيانات الهشة أو الدويلات القزمية؛ العالم يتعامل مع الدول القوية القادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية وحماية حدودها ومياهها الإقليمية.
ويشدد الثقفي على أن أي تراجع عن هذا الإنجاز لن يضر اليمنيين وحدهم، بل سيمتد خطره ليزعزع أمن المنطقة بأسرها، عبر تحويل اليمن إلى بؤر صراع مفتوحة ومربكة للأمن والسلم الدوليين.

المراجعة النقدية

أن مسيرة الوحدة، ورغم عظمتها، لم تكن مفروشة بالورود؛ فقد رافقتها أخطاء سياسية وإدارية فادحة عقب حرب صيف 1994، أدت إلى نشوء شعور بالإقصاء والتهميش لدى قطاع واسع من أبناء المحافظات الجنوبية، وهو ما أنتج لاحقاً “الحراك السلمي الجنوبي”. استغلته منظمات وكيانات ودول لا تريد لليمن الخير والاستقرار والتنمية حيث عملت على تغذيته مناطقيا وحرف مساره السلمي ليتسنى لها اعادة التشطير وما حدث منذ انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة الا احد هذه السناريوهات المزعزعة للوحدة الوطنية وما تلا انقلابها حتى اليوم من ازمات وصراعات عسكرية وسياسية تشهدها اليمن .
غير أن النخب الأكاديمية والثقافية تجمع اليوم على ضرورة التمييز بين قيمة الوحدة كمبدأ وإنجاز تاريخي ، وبين الممارسات السياسية الخاطئة التي ارتكبت.
وفي هذا الصدد، يشير الناشط مروان السالمي إلى أن الحل لا يكمن في الهدم بل في التقويم ويقول الوحدة كفكرة وطنية وإنسانية بريئة من أخطاء السياسيين وجشع مراكز النفوذ. إن ما يحتاجه اليمن اليوم ليس العودة إلى مربعات التشطير والتجزئة التي أثبتت التجربة التاريخية مرارتها، بل الذهاب شطر بناء دولة النظام والقانون، وتطبيق مخرجات الحوار الوطني الشامل التي وضعت صيغة لليمن الاتحادي، صيغة تضمن التوزيع العادل للثروة والسلطة، وتحترم الخصوصيات المحلية في إطار الهوية اليمنية الجامعة.

الوحدة طوق نجاة

في ظل المشهد المعقد الذي يعيشه اليمن حالياً من حرب مستمرة والتدخلات الخارجية، تبرز الوحدة اليمنية ليس كخيار سياسي رفاهي، بل كـطوق نجاة وحيد لمنع انهيار الدولة الشامل وضد مشاريع التفتيت.
إن غياب الهوية الجامعة يعني بالضرورة غرق البلاد في حروب أهلية ومناطقية وقبلية لا تنتهي، حيث ستتحول الجغرافيا إلى إقطاعيات متناحرة.
تتفق النخب الثقافية على أن الحفاظ على الوحدة في هذه المرحلة الحرجة يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يرتكز على المواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية، ورد المظالم، وبناء مؤسسات وطنية لا تخضع للمحاصصة الطائفية أو الحزبية أو المناطقية.

إن الوحدة اليمنية، في جوهرها، لم تكن مجرد دمج لنظامين سياسيين، بل كانت لحظة تجلٍّ تاريخية استعاد فيها الشعب اليمني اعتباره وحضوره بين الأمم. إنها الإنجاز العظيم الذي يمنح اليمنيين اليوم القوة لمواجهة التحديات، والرافعة الوطنية التي بدونها لن تقام لليمن قائمة.
إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الأجيال الحالية، من نخب فكرية، وأكاديمية، وقوى سياسية، تتمثل في الدفاع عن هذا المنجز العظيم، ليس عبر الشعارات الحماسية، وإنما من خلال العمل الجاد على تصحيح مساره، وتحويله من مجرد وحدة سياسية إلى وحدة عدالة ونظام وقانون ، تصون كرامة الإنسان من المهرة إلى صعدة، وتضمن لليمن مكانه الطبيعي كوطن قوي، مهاب، ومؤثر في محيطه الإقليمي والدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى