التوصيف الجنائي لهجمات مليشيا الحوثي الإرهابية على الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر

سبتمبر نت: القاضي/ صلاح القميري
تمثل الملاحة البحرية إحدى أهم دعائم النظام الاقتصادي والأمني العالمي، إذ تعتمد عليها حركة التجارة الدولية ونقل الطاقة والسلع الاستراتيجية بين القارات، وقد استقر المجتمع الدولي منذ عقود على أن أمن البحار وحرية الملاحة ليسا شأناً وطنياً خاصاً، وإنما مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي بأسره، تستوجب حماية قانونية فعالة تحول دون تحويل الممرات البحرية الدولية إلى ساحات للصراعات المسلحة أو أدوات للضغط السياسي والعسكري.
ويأتي مضيق باب المندب في مقدمة هذه الممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية، باعتباره أحد أهم الشرايين البحرية التي تربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبر من خلاله حركة واسعة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ولذلك فإن أي اعتداء مسلح يستهدف السفن العابرة لهذا المضيق لا يعد مجرد عمل أمني محدود الأثر، وإنما يمثل اعتداءً على نظام الملاحة الدولية برمته، لما يترتب عليه من تهديد لحياة المدنيين وأطقم السفن، وتعطيل لحركة التجارة، وزعزعة لأمن واستقرار المنطقة والمجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار، تبرز الهجمات المسلحة التي نفذتها مليشيا الحوثي الإرهابية ضد السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارها من الجرائم المركبة التي تتعدد فيها الأوصاف القانونية وتتداخل فيها قواعد القانون الوطني مع قواعد القانون الدولي. فهي من جهة تمثل أفعالاً مجرمة وفق التشريع اليمني باعتبارها اعتداءً على أمن الدولة وتعريضاً لوسائل النقل للخطر وأعمالاً إرهابية وجرائم ذات طبيعة عسكرية، ومن جهة أخرى تشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي للبحار، واعتداءً على سلامة الملاحة البحرية الدولية، وقد ترقى في بعض صورها إلى جرائم دولية متى توافرت شروطها القانونية.
وتكتسب هذه الهجمات خطورتها القانونية من كونها لم تكن وقائع منفردة أو أحداثاً عرضية، وإنما جاءت في إطار نمط منظم ومتكرر من استخدام القوة المسلحة ضد السفن التجارية، باستخدام وسائل قتالية متطورة شملت الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة، بما يكشف عن وجود تخطيط وإعداد وقدرات عسكرية تتجاوز طبيعة الأعمال الفردية أو المحدودة.
وقد تعزز ثبوت ارتباط مليشيا الحوثي الارهابية بهذه الهجمات من خلال جملة من الأدلة والوقائع المتراكمة، وفي مقدمتها البيانات والتصريحات الصادرة عن وسائل إعلامها الرسمية والناطقة باسمها، والتي أعلنت فيها مسؤوليتها عن تنفيذ عدد من الهجمات البحرية، وكشفت عن نوعية الأسلحة المستخدمة والأهداف التي تم استهدافها، وربطت تلك العمليات بأهداف سياسية وعسكرية معلنة.
وتشكل هذه الاعترافات والبيانات الصادرة عن الجهة المنفذة ذاتها عنصراً مهماً من عناصر الاستدلال الجنائي، باعتبارها تكشف عن الصلة بين تنظيم جماعة الحوثي الإرهابية والأفعال المادية المرتكبة، ولا سيما عندما تتطابق مع الأدلة الفنية، والوقائع الميدانية، والتقارير الصادرة عن الجهات الدولية المختصة، بما يعزز قيام المسؤولية الجنائية عن الأفعال المرتكبة.
كما أكدت تقارير الأمم المتحدة ولجان الخبراء المنشأة بموجب قرارات مجلس الأمن، والتقارير الدولية المعنية بأمن الملاحة البحرية، وقوع هجمات متكررة ومنظمة مت قبل ملشيات الحوثي الارهابية التي استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر، وأشارت إلى استخدام أسلحة متطورة وقدرات تقنية متقدمة، الأمر الذي يؤكد أن تلك العمليات لم تكن أعمالاً فردية خارجة عن السيطرة، وإنما تمت في إطار هيكل تنظيمي وقيادي قادر على التخطيط والتنفيذ وتوفير الوسائل اللازمة.
كما تضمنت التقارير الدولية إشارات إلى حصول مليشيا الحوثي على دعم عسكري وتقني ولوجستي من إيران، تمثل في توفير مكونات الصواريخ والطائرات المسيرة، ونقل الخبرات الفنية، وتقديم أشكال من المساندة التي أسهمت في تطوير قدراتها العسكرية وتمكينها من تنفيذ هجمات ضد أهداف بحرية بعيدة المدى.
ومن الناحية القانونية، فإن ثبوت تقديم هذا الدعم لا ينظر إليه باعتباره مجرد علاقة سياسية أو تعاون عادي، وإنما يخضع لمعايير المسؤولية القانونية، إذ إن تقديم الأسلحة أو الخبرات أو المعلومات أو الوسائل الفنية مع العلم باستخدامها في ارتكاب هجمات غير مشروعة قد يشكل صورة من صور المساعدة أو التسهيل أو الاشتراك الجنائي متى توافرت عناصر العلم والقصد والرابطة السببية بين الدعم والجريمة.
وبناءً على ذلك، فإن المسؤولية الجنائية عن هذه الهجمات لا تقف عند حدود العناصر الإرهابية التي قامت بإطلاق الصواريخ أو تشغيل الطائرات المسيرة، وإنما تمتد إلى القيادات التي خططت وأمرت وأشرفت على التنفيذ والتمويل ، باعتبارها صاحبة السيطرة الفعلية على العمليات، كما تشمل كل من ساهم في توفير الوسائل أو المعلومات أو الإمكانات التي مكنت من ارتكاب تلك الجرائم.
ويجد هذا الامتداد في المسؤولية أساسه في المبادئ المستقرة في القانون الجنائي الوطني والدولي، التي لا تقصر المساءلة على الفاعل المادي المباشر، بل تشمل كل من ارتبط فعله بالجريمة ارتباطاً مؤثراً، سواء عن طريق الأمر أو التحريض أو التخطيط أو المساعدة أو التمويل أو تقديم الوسائل.
وعلى مستوى القانون اليمني، فإن هذه الأفعال تندرج ضمن عدد من النصوص الجنائية التي تحمي أمن الدولة وسلامتها ومصالحها العليا، حيث جرم قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م جرائم الخيانة والتخابر والإعانة للعدو، ونظم المسؤولية عن الأفعال التي تؤدي إلى تمكين العدو أو مساعدته أو إفادته بالمعلومات أو الوسائل العسكرية في باب الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي وتعريف العدو .
كما نصت المادة (123) بتعريف مفهوم العدو يشمل الدولة المعادية، ويعتبر في حكمها الجماعات السياسية التي لم تعترف لها الجمهورية بصفة الدولة وكانت تعامل معاملة المحاربين، وهو ما يعكس إدراك المشرع اليمني لطبيعة الجماعات المسلحة المنظمة التي تمارس أعمالاً عدائية تستهدف أمن الوطن ومصالحه.
كما تنطبق المادة (138) من قانون الجرائم والعقوبات المتعلقة بتعريض وسائل النقل للخطر على الأفعال التي تستهدف السفن التجارية أو تهدد سلامتها أو تعطل حركتها، باعتبار أن الحماية الجنائية تمتد إلى وسائل النقل البحرية باعتبارها من المصالح العامة التي يحميها القانون.
وتأخذ هذه الأفعال وصف الإرهاب متى توافرت عناصر العنف المنظم وقصد نشر الرعب وتعطيل المصالح العامة، وفقاً للاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1998م التي صادق عليها اليمن بالقانون رقم (34) لسنة 1999م، والتي اعتبرت من الأعمال الإرهابية كل فعل عنيف أو تهديد به يهدف إلى ترويع الناس أو تعريض حياتهم أو أمنهم للخطر أو الإضرار بالمرافق والمصالح العامة.
كما ينعقد الاختصاص للقضاء العسكري اليمني بالنظر إلى الطبيعة المسلحة لهذه الجرائم وارتباطها بالأمن العسكري والدفاعي للجمهورية اليمنية ، حيث اعتبر قانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم (21) لسنة 1998م أن العصابات والعصاة المسلحين الذين يمارسون نشاطاً يستهدف مصالح الوطن وأمنه وسلامته في حكم العدو، كما جرم صور الاتصال بالعدو وإمداده بالأسلحة والمعلومات والمهمات الحربية.
أما على المستوى الدولي، فإن هذه الهجمات تمثل انتهاكاً لقواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي كرست مبدأ حرية الملاحة في المادة (87)، وأكدت حق الدول في إبحار سفنها، كما نظمت في المادتين (37) و(38) نظام المرور العابر في المضائق الدولية، وهو النظام القانوني الذي يحكم الملاحة في مضيق باب المندب.
كما تنطبق عليها أحكام اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية لعام 1988 (SUA)، التي جرمت استخدام القوة أو التهديد بها ضد السفن، أو تعريض سلامتها أو سلامة الأشخاص الموجودين عليها للخطر، وأوجبت على الدول الأطراف اتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم أو تسليمهم.
وفي نطاق القانون الجنائي الدولي، فإن طبيعة هذه الهجمات، واتساع نطاقها، واستهدافها للأعيان المدنية والمصالح المحمية، قد يثير إمكانية انطباق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما جرائم الحرب وفق المادة (8)، والجرائم ضد الإنسانية وفق المادة (7)، متى ثبت ارتكابها في إطار سياسة منظمة أو هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين أو الأعيان المدنية.
كما تقرر المادة (25) من نظام روما الأساسي المسؤولية الجنائية الفردية عن ارتكاب الجرائم أو المساهمة فيها أو تقديم العون أو التحريض عليها، بينما تقرر المادة (28) مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا يعلمون بها أو كان ينبغي لهم العلم بها ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو وقفها.
وعليه، فإن الهجمات الحوثية على الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب تمثل جرائم ثابتة الوقائع من خلال اعترافات منفذيها، ومدعومة بتقارير أممية ودولية وقرائن فنية وميدانية، الأمر الذي يرتب مسؤولية جنائية متعددة المستويات تبدأ بالمنفذين المباشرين، وتمتد إلى القيادات الآمرة والمخططة، وإلى كل من ثبتت مساهمته في الدعم أو التمويل أو التسهيل.
إن العدالة الجنائية لا تنظر إلى الجريمة باعتبارها فعلاً منفرداً، وإنما تبحث في كامل البناء التنظيمي الذي أنتجها، لأن الجرائم التي تهدد الملاحة الدولية لا يمكن مواجهتها بملاحقة الأدواظة التنفيذية فقط، بل تستوجب الوصول إلى مصادر القرار ومنظومة الدعم التي جعلت ارتكابها ممكناً.
ومن ثم فإن حماية الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر ليست مجرد مسألة أمنية أو سياسية، وإنما هي التزام قانوني وضرورة دولية تفرض تفعيل الاختصاص القضائي الوطني، وتعزيز التعاون الدولي، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، صوناً لسيادة القانون وحمايةً لأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.