26سبتمبر روح الثورة وعنفوان الجمهورية

سبتمبر نت: مقال/ صلاح القميري
ما من صفحةٍ في تاريخ الجمهورية اليمنية كُتبت بلا تضحيات، ولا من رايةٍ بقيت مرفوعةً إلا ووراءها رجالٌ دفعوا من أعمارهم وأجسادهم وأرواحهم ثمنًا لوطنٍ أرادوه حرًّا جمهوريًا، تحكمه الدولة ويصونه القانون.
في السادس والعشرين من سبتمبر، لم تكن الثورة يومًا عابرًا في ذاكرة اليمن، بل كانت لحظةً فاصلةً خرج فيها الوطن من حكم الإمامة إلى أفق الجمهورية، وفتح اليمنيون بها عهدًا جديدًا عنوانه الدولة والمواطنة والحرية. ولم تُكتب تلك الصفحة بالكلمات وحدها؛ فقد كتبها الشهداء بدمائهم، وثبّتها الجرحى بتضحياتهم، وحمل رايتها رجالٌ آمنوا بأن الجمهورية ليست شعارًا يُرفع، وإنما دولةٌ تُبنى، وحقٌّ يُصان، وكرامةٌ وطنية لا تُستباح.
ومن أولئك الرجال انتقلت الراية من جيلٍ إلى جيل، وحملتها الأجيال في كل مرحلةٍ من مراحل الدفاع عن الجمهورية، حتى بلغت متارس اليوم. ولهذا فإن معركة استعادة الدولة ليست حدثًا منفصلًا عن سبتمبر، ولا قضيةً طارئةً على تاريخ الجمهورية؛ إنها امتدادٌ طبيعي لذلك العهد الذي بدأ يوم اختار اليمنيون طريق الدولة بدل الحكم الإمامي الكهنوتي، وطريق المواطنة بدل الامتياز السلالي العنصري ، وطريق القانون بدل سلطة القوة.
ومن هذا يتضح معنى معركتنا اليوم ضد مليشيا الحوثي الإرهابية الانقلابية على الجمهورية في محاولتهم للسيطرة على مؤسسات الدولة الدستورية لاستبدالها بنظام ولاية الفقية والصرخة الخمينية المرتبط عضوياً بملالي طهران، وتعيد إلى المشهد مفاهيم الموروث السلالي الإمامي الرَّسّي والخميني ، فكريًا وسياسيًا . ولذلك فإن المعركة في وجه هذا المشروع الخبيث هو في جوهره دفاعٌ عن الطريق الذي قضى عليه سبتمبر، وعن دولةٍ جمهورية يكون فيها اليمنيون مواطنين متساوين، لا زنابيل في جماعة سلالية طائفية، ولا تابعين لملالي تتجاوز الدولة وقرارها الوطني.
وهنا تلتقي راية سبتمبر مع متارس اليوم: هناك أسس رجال سبتمبر الجمهورية، وهنا يقف رجالٌ لحماية الجمهورية واستعادة مؤسساتها. هناك ارتقى الشهداء فارتفعت الراية، وهنا يحملها الجندي والجريح وكل من بقي ثابتًا في موقعه. وبين أولئك وهؤلاء أمانةٌ واحدة؛ ألا تضيع تضحيات الرجال، وألا تتحول الجمهورية إلى ذكرى، وألا يُفتح الطريق من جديد أمام مشروع تجاوزه اليمنيون بثورتهم وتضحياتهم.
فسبتمبر ليس مناسبةً تُستعاد بالكلمات وحدها، وإنما معنى حيٌّ يمتد من الماضي إلى الحاضر؛ في ذاكرة الشهيد، وفي جراح الجريح، وفي ثبات الجندي، وفي كل يدٍ تحمل الراية وهي تعرف أن وراءها أجيالًا دفعت الثمن كي يكون اليمن جمهوريةً ودولةً ووطنًا لجميع أبنائه. وكلما بلغت الراية متراسًا جديدًا، تذكّر اليمنيون أن ما بدأه رجال سبتمبر لم يكن لحظةً تنتهي بانتهاء يومها، بل عهدًا يستمر ما بقيت الجمهورية بحاجةٍ إلى من يصونها.
ولهذا فإن الوفاء لسبتمبر لا يكون باستحضار تاريخه فقط، بل بصيانة جوهره: دولةٌ واحدة، ومؤسساتٌ شرعية، وقانونٌ فوق الجميع، وسيادةٌ لا تُرهن، وجمهوريةٌ لا تُستبدل بمشروعٍ سلالي أو سلطةٍ مليشياوية.
ومن سبتمبر إلى المتارس، لا تتغير القضية وإن تغير الزمن: بالأمس انتزع اليمنيون حقهم في الجمهورية، واليوم يحرسون هذا الحق من أن يُنتزع منهم من جديد. تلك أمانة الشهداء، ووصية الجرحى، ومسؤولية الرجال؛ أن تبقى الجمهورية فوق المليشيا، والدولة فوق السلاح، والسيادة فوق الوصاية، وأن يمضي اليمن إلى مستقبله دولةً واحدةً لا تُختطف، وجمهوريةً لا تُستبدل.
عاشت الجمهورية اليمنية، وعاش سبتمبر المجيد؛ رايةً ورثها الأحياء عن الشهداء، وعهدًا لا يُخان، حتى تظل الدولة صاحبة الكلمة الأخيرة في وطنٍ دفع أبناؤه أغلى الأثمان من أجل أن يبقى جمهوريًا حرًّا.