هزيمة الحوثي بداية السلام والاستقرار

سبتمبر نت: الدكتور/ عبدالله قاسم المسوري
لم يكن اليمن يوماً مجرد رقعة جغرافية عابرة في تاريخ المنطقة، بل كان مركزاً حضارياً أسهم في صناعة التاريخ، وموطناً لممالك عريقة خلّفت شواهدها في السدود والمعابد وطرق التجارة، وعلى هذه الأرض الطيبة نشأت قيم العلم والنجدة والكرم والتكافل، فغدا اليمن في الذاكرة العربية مثالاً للإنسان الذي يصنع من شحّ الطبيعة وفرةً من الإرادة، ومن قسوة الحياة مجالاً للتعاون والتراحم. لذلك، لم يكن وصفه بـ “البلدة الطيبة” مجرد تعبير أدبي، بل اختصاراً لمكانة حضارية وإنسانية راسخة.
غير أن اليمن يقف اليوم على النقيض تماماً من صورته التاريخية المشرقة، فبلد الحضارة يعيش واحدةً من أحلك مراحله، والسبب جذري وواضح: سطو مليشيا سلالية طائفية إرهابية مسلحة على مؤسسات الدولة بقوة السلاح وشن حرب واسعة ضد اليمنيين.
عقد وأكثر من الحرب انهك خلالها المجتمع اليمني واصبح اقتصاد يرزح تحت الانهيار الممنهج، وإنسان وجد نفسه عالقاً بين الخوف، والحاجة، وفقدان الأمل.
إن سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية على مؤسسات الدولة ومناطق واسعة من البلاد هو السبب المباشر والأوحد لإدخال اليمن في هذا النفق المظلم من العنف والانقسام، ومع سيطرة المليشيا بقوة الحديد والنار، اختفت الخدمات الأساسية، وتدهور التعليم والصحة، وتضاعفت الأعباء، وأصبح الموظف بلا راتب، والمعلم بلا مدرسة واوات، والمريض بلا علاج، لأن هذه المليشيا تسخّر كل مقدرات الدولة لخدمة مشروعها التدميري، تاركةً المواطن العادي يدفع ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
بيد أن الخطر الأعمق والأشد فتكاً لا يكمن في الخراب المادي للمدن والبنى التحتية، فكل ذلك يمكن إعادة إعماره. الخطر الحقيقي والمميت يكمن في سعي مليشيا الحوثي الإرهابية الممنهج لإعادة تشكيل وعي الأجيال على أساس الانتماءات الطائفية والمناطقية الضيقة، واستبدال فكرة المواطنة الجامعة بمفاهيم الولاء المطلق للجماعة وقيادتها.
حين يفقد المواطنون إيمانهم بالمساواة، وحين يُفرض السلاح بديلاً عن القانون، والولاء الطائفي بديلاً عن الانتماء الوطني، فإن الضرر يصيب جوهر المجتمع ويهدد وجوده المستقبلي، هنا، يجب أن نكون واضحين وصريحين: لا استقرار لليمن، ولا يمكن أن يتحقق فيه أي سلام حقيقي، إلا بالقضاء التام على مليشيا الحوثي الإرهابية وإنهاء مشروعها التدميري.
ومن هذا المنطلق نؤكد أن استعادة مؤسسات الدولة وهيبتها وحضورها ليست شعاراً سياسياً للمناورة، ولا مطلباً تفاوضياً يقبل المساومة أو التأجيل، بل هي الشرط الوجودي الأول لإنقاذ اليمن.
إن التجربة المريرة للدولة اليمنية المتعاقبة مع مليشيا الحوثي تعطينا قناعة راسخة ودرساً لا يقبل التشكيك، إنه لا يمكن التعايش مع هذه الجماعة مطلقاً.
لقد خاضت الدولة معهم حروباً متتالية، وعُقدت معهم اتفاقيات سلام وعهود لا تحصى، وكان يعقب كل اتفاق نقضٌ صريح وغدرٌ مبيت من قبل هذه المليشيا. هذه الجماعة أثبتت للعالم أجمع، ولليمنيين خاصة، أنها لا تؤمن بالحوار، ولا تعترف بالعهود والمواثيق، وأن لغتها الوحيدة والوحيدة فقط هي قوة السلاح وفرض الإرادة بالإكراه.
لذلك، لا يمكن بناء سلام في ظل بقاء جماعة مسلحة تنازع الدولة سيادتها، وتفرض إرادتها الطائفية بالقوة، وتحتكر القرار خارج المؤسسات الدستورية. كما أن السلام والاستقرار لا يمكن أن يتحققا بمجرد وقف إطلاق نار هش يُبقي على أسباب الصراع، ويترك مؤسسات الدولة ومقدراتها رهينة بيد مليشيا إرهابية، بينما يُحرم المواطن من أبسط حقوقه في الحياة الكريمة.
استعادة الدولة ضرورة حتمية، دولة تستمد مشروعيتها من القانون، وتستند إلى مؤسسات وطنية، تحمي الحريات، وتضمن تكافؤ الفرص، وتصون كرامة الإنسان اليمني. هذا المسار الوطني المتكامل يبدأ بخطوة لا غنى عنها: إنهاء سلطة السلاح الحوثي خارج إطار الدولة، وبناء جيش وأمن على أسس وطنية راسخة.