التسلسل الزمني لمحاضر التحريات وإذن التفتيش… ضمانة العدالة قبل أن يكون إجراءً قانونيًا

سبتمبر نت: القاضي/ صلاح القميري
لا تتحقق العدالة الجنائية بمجرد ضبط الجريمة أو العثور على أدلتها، وإنما تتحقق أولًا باحترام الطريق الذي رسمه القانون للوصول إلى تلك الأدلة. فسيادة القانون لا تقاس بقدرة الدولة على معاقبة الجناة فحسب، وإنما تقاس كذلك بمدى التزام سلطات الضبط والتحقيق بالضمانات التي كفلها الدستور لحماية الحرية
الشخصية، لأن العدالة التي تتأسس على إجراءات معيبة تفقد مشروعيتها، مهما كانت النتيجة التي انتهت إليها.
ومن أهم هذه الضمانات ما يمكن تسميته بالتسلسل الزمني للإجراءات الجنائية، وهو المبدأ الذي يقتضي أن تبنى كل مرحلة من مراحل الدعوى الجنائية على مرحلة سبقتها قانونًا. فالتحريات يجب أن تسبق إصدار إذن النيابة العامة، والإذن يجب أن يسبق القبض أو التفتيش، ولا يجوز قانونًا أن تُستكمل أسباب الإذن بعد صدوره، أو أن تُضفى المشروعية على إجراءات تمت بالفعل من خلال تحرير محاضر لاحقة لها.
ورغم وضوح هذا المبدأ، فإن التطبيق العملي يكشف أحيانًا عن إشكاليات قانونية دقيقة، قد تبدو لأول وهلة مجرد أخطاء شكلية، بينما تمس في حقيقتها جوهر الشرعية الإجرائية. ومن أبرز هذه الإشكاليات إثبات ساعة تحرير محضر التحريات أو محضر الضبط دون بيان ما إذا كان التوقيت صباحًا أو مساءً، أو وجود غموض أو تناقض في توقيت الإجراءات، بما يحول دون التحقق من أن التحريات سبقت بالفعل صدور إذن النيابة العامة.
وهنا يثور التساؤل؟
: هل يعد هذا الإغفال مجرد نقص شكلي لا يؤثر في سلامة
الإجراءات، أم أنه يمس أصل مشروعية الإذن؟
فإن الإجابة تتجاوز الاعتبارات الشكلية إلى صميم الضمانات الدستورية. فإذن التفتيش لا يصدر إلا استنادًا إلى تحريات جدية وسابقة عليه، فإذا أصبح توقيت تلك التحريات مجهولًا أو غامضًا، تعذر على المحكمة التحقق من أن الإذن قد صدر وفقًا للقانون، وأصبح من المشروع أن يثور الشك في سلامة الإجراء برمته.
إن المحكمة لا تمارس رقابتها على النوايا، وإنما على الوقائع الثابتة في الأوراق. فإذا كانت هذه الأوراق عاجزة عن بيان التسلسل الزمني للإجراءات، فإن الرقابة القضائية تصبح منقوصة، ويغدو الدليل معرضًا للاستبعاد، ليس لأن الجريمة غير ثابتة، وإنما لأن الطريق الذي أُثبتت به لم يثبت أنه طريق مشروع.
ولهذا استقر القضاء على أن التحريات ليست دليلًا قائمًا بذاته، وإنما مجرد وسيلة استدلال تخضع لتقدير المحكمة، ولها أن تطرحها متى شابها الغموض أو القصور أو التناقض. كما أن المحكمة ليست ملزمة بالأخذ بأقوال مأمور الضبط القضائي إذا لم تطمئن إلى صحة الإجراءات أو إلى سلامة البيانات المثبتة بمحضر التحريات.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن وجود مواد مخدرة أو أسلحة أو أي مضبوطات أخرى لا يكفي وحده لإقامة الإدانة، إذا كانت الإجراءات التي أسفرت عن ضبطها قد شابها البطلان. فالقانون لا يحمي النتيجة المجردة، وإنما يحمي مشروعية الوسيلة التي أفضت إليها. ولذلك فإن الدليل المستمد من إجراء غير مشروع يفقد قيمته القانونية، لأن احترام الحقوق والحريات يسبق الاعتبارات العملية في الإثبات.
إن الدقة في إثبات تاريخ وساعة تحرير محاضر التحريات والضبط ليست مسألة إدارية أو إجراءً شكليًا يمكن التغاضي عنه، بل هي ضمانة أساسية تكفل للمحكمة ممارسة رقابتها على مشروعية الإجراءات، وتحول دون اصطناع التحريات أو تعديل توقيتها أو الالتفاف على الرقابة القضائية السابقة التي اشترطها القانون قبل المساس بحرية الأفراد.
إن العدالة الجنائيةلا تُبنى على افتراضات، ولا تُقام على احتمالات، وإنما تقوم على اليقين القانوني. وكلما كان التسلسل الزمني للإجراءات واضحًا ومحددًا، تعززت الثقة في سلامة الدليل، واطمأن المجتمع إلى أن الإدانة جاءت ثمرة لإجراءات مشروعة، لا نتيجة لمخالفات أُضفيت عليها المشروعية بعد وقوعها.
ولهذا فإن احترام التسلسل الزمني لمحاضر التحريات وإذن التفتيش ليس حماية للمتهم وحده، بل هو حماية للقاضي، ولرجل الضبط القضائي، وللنيابة العامة، وللمجتمع بأسره، لأنه يجسد مبدأً أصيلًا مفاده أن العدالة لا تتحقق بالوصول إلى الحقيقة فقط، وإنما تتحقق أيضًا باحترام الطريق المشروع الذي يقود إليها.