في مناطق سيطرة المليشيا.. جرائم جسيمة بحق البرلمانيين ووأد للحياة السياسة

سبتمبر نت/ تقرير- عمار زعبل
في إجازة عيد الأضحى المبارك, وتخوفاً من خروج من تبقى من سياسيين في العاصمة صنعاء, وأعضاء في مجلسي النواب والشورى قررت المليشيا تكثيف الرقابة عليهم.. قررت مع سبق إصرار وترصد إحصاء أنفاسهم في مدينة أصبحت لا تتنفس “أوكسجين” طبيعياً ناهيك عن السياسة التي أصبحت في حكم المحرم, والمجرم ممارستها علناً وسراً.
ما يشبه المقدمة
تكن المليشيا الحوثية عداءً كبيراً للديمقراطية ولدولة النظام والقانون, جاءت ونفذت انقلابها المشؤوم وهي تحمل إرثاً ثقيلاً من الحقد والكره لمؤسسات الدولة ومنها مؤسسات السلطة التشريعية في غرفتيها: البرلمان, والشورى, زادت من غضبها على أعضاء الغرفتين بعد الرفض الواسع لانقلابها, وقيام مقاومة شعبية ضدها في عدد من المحافظات, رافقها تشكيل جيش وطني, يعمل على إعادة مؤسسات الدولة, والسعي إلى أن تنتظم مجدداً في عملها, تحت مظلة القيادة الشرعية السياسية والعسكرية, برئاسة رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي, القائد الأعلى للقوات المسلحة.
لا توافق
لا تعترف بالتعددية الحزبية والسياسية, ما تعترف به المليشيا الحوثية هو حقها الإلهي بالحكم كما تدعي زوراً وبهتاناً, وهو الادعاء الذي لم تستطع إخفاءه كثيراً, يظهر من خلال سلوكياتها وأعمالها الانقلابية, ومن خلال ما تحاول فرضه من أفكار دخيلة على اليمنيين, تريد أن تفرضها واقعاً ليخلو لها الجو تماماً في حكم اليمنيين, من أي باب كان, حتى وإن كان من باب “الولاية” الذي تريد أن تستغله بديلاً عن أي صيغة للحكم, في بلد كان قد خطا خطوات كبيرة في الجانب الانتخابي, إلا أنه وجد نفسه مكبلاً بأفكار قد أكل الدهر منها وشرب, وهو ما يحاول أن يسوق له الحوثيون.
كيف بدأت الحكاية؟!
سعت المليشيا الحوثية إلى وأد الحياة السياسية باكراً, لذا طرحت فكرة حل البرلمان في الأيام الأولى من انقلابها, وسيطرتها على أجهزة الدولة, ففي بدايات فبراير من العام 2015م أعلنت حل البرلمان من خلال ما أسمته بالإعلان الدستوري, الذي أصدرته من القصر الرئاسي, الذي سيطرت عليه حينها بالقوة, إذ قررت تشكيل ما أطلقت عليه (مجلس وطني من 551 عضواً) كي يحل مكان البرلمان.
فشل في المنتصف
لم تكن بداية موفقة, اضطرت المليشيا فيما بعد إلى القبول بمجلس النواب, بعد فشل إعلانها الدستوري, وتمددها العسكري نحو المحافظات اليمنية الأخرى وصولاً إلى مدينة عدن, حيث كان قد وصلها رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي لتستهدفه بالقصف الجوي, إلا أنها فشلت ويعلن في نهاية مارس من العام نفسه انطلاقة عاصفة الحزم, لتؤسس المرحلة الجديدة من العلاقة بين الحوثيين والبرلمان في صنعاء, والتي تشوبها حاجة الطرفين لبعض, خصوصاً أن أغلبية من بقي تحت قبة البرلمان, هم من كتلة المؤتمر الشعبي العام, ممن كانوا يسيرون في فلك الرئيس السابق علي عبدالله صالح, الذي تحالف مع الحوثيين, تحالفاً لم يصمد كثيراً انتهى بمقتله على أيديهم في ديسمبر من العام 2017م.
تواجد شكلي
حرصت المليشيا الحوثية على أن تحافظ على نوع من تواجد لمؤسسات الدولة ومنها مجلس النواب, إلا أنه تواجد غير قانوني خصوصاً بعد صدور القرار الجمهوري في مطلع يناير من العام 2017 والقاضي بنقل المجلس إلى العاصمة المؤقتة عدن.
أصر الحوثيون على بقاء التواجد الشكلي للنواب في صنعاء من خلال جلسات هزلية, تعمل على بثها أحياناً في وسائل الإعلام الخاصة بها, إلا أنها أظهرت مدى التعسفات والانتهاكات التي يتعرض لها النواب, ممن قبلوا أن يكونوا مظلة للانقلاب, لا المواطن, الذي عمل على انتخابهم, ليكونوا صوته, ومحل ثقته, بأن ينتصروا له, وقد حاصرته الأزمات الاقتصادية, واستغلال الحوثيين الذي زاد عن حده ووصل إلى لقمة عيشه.
حصانة ضائعة
تظهر عدد من التسجيلات لأعضاء مجلس النواب مدى المهانة التي يتعرضون لها من قبل الحوثيين ومشرفيهم, وقد أصبحوا لا يتحركون إلا بإذن منهم, يتحدثون بأنه لا حصانة برلمانية لهم, ضاعت في دهاليز انقلاب لا يرقب إلاًّ ولا ذمة في برلماني أو غيره من سياسيي البلاد, ممن مكثوا في العاصمة ولم يغادروها, جمدت أنشطتهم إلا تلك التي توافق هوى الحوثيين.
تحت رحمة الحوثيين
لا يعيش من بقي من البرلمانيين في صنعاء تحت قبة البرلمان إنما تحت رحمة الحوثيين, تحصي المليشيا أنفاسهم, سواء في إقامتهم الجبرية في منازلهم, أو في أي مكان يذهبون إليه, زادت مراقبة الحوثيين لهم, خوفاً من هروبهم, وخروجهم خارج البلاد, أو إلى المحافظات المحررة, والتحاقهم بمن سبقهم, خصوصاً بعد انتخاب هيئة رئاسية جديدة للمجلس في دورة غير اعتيادية له في مدينة سيئون العام الماضي.
ويبلغ عدد أعضاء مجلس النواب إجمالا 301، توفي منهم 26 عضوا خلال الفترة الماضية، ونجح أكثر من 140 نائباً من الخروج إلى خارج البلاد, وإلى محافظات محررة, منهم محسوبون على حزب المؤتمر, غادروا البلاد, بعد مقتل الرئيس السابق صالح, خوفًا من الملاحقات والمضايقات الأمنية للحوثيين، فيما بقي نحو 30 نائبًا ممن ناصروا المليشيا الحوثية، وآخرون من بقايا حزب المؤتمر الشعبي العام، يحضرون جلسات في صنعاء تحت الضغط.
سياسة انتقام يتعرض لها البرلمانيون ممن التحقوا بركب الشرعية, وصاروا صوتاً معارضا للحوثيين, وصلت إلى محاكمتهم غيابياً, واقتحام منازلهم في صنعاء, ومصادرة ممتلكاتهم, ويصل عدد من شارك في الدورة الاعتيادية للمجلس في سيئون إلى أكثر من 130 عضواً, علماً أن المجلس نقل مقره إلى مدينة عدن (جنوبا) مطلع عام 2017, كما صدر قرار رئاسي آخر في الثالث من فبراير شباط 2019، قضى بنقل اللجنة العليا للانتخابات من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن.
دور المجلس
وتكمن أهمية مجلس النواب كونه يلعب دورًا مهمًّا في النظام السياسي، باعتباره السلطة التشريعية الرئيسية في الدولة؛ حيث يصدر التشريعات والقوانين، ويقر السياسة العامة، والخطة العامة للتنمية، والموازنة العامة، والحساب الختامي، كما يمارس الرقابة على أعمال الحكومة، فضلًا عن دوره في التصديق على المعاهدات والاتفاقيات الخارجية، وتعزيز علاقات المجلس البرلمانية مع البرلمانات والاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية.
لم تنته الحكاية!
نظراً للأهمية الكبيرة لمجلس النواب, وحرص المليشيا على التمسك بمن بقي لديها في العاصمة صنعاء, محاولة منها لشرعنة انقلابها, أو هكذا تظن, وقد سعت إلى ضم كثير من أعضائها وقياداتها إلى مجلس الشورى الغرفة الثانية, وعملت على تعطيله بشكل كامل, اتجهت إلى منع أي خروج لأعضاء الغرفتين من العاصمة, إضافة إلى منع القيادات السياسية الأخرى.
ووجه الحوثيون في وثيقة لهم منع خروج أعضاء مجلس النواب والشورى والوزراء في حكومة المليشيا الانقلابية غير المعترف بها دولياً من صنعاء, بحسب تعميم صادر من وكيل أمانة العاصمة المعين من قبل حكومة المليشيا الانقلابية (عبد الكريم شرف الدين) إلى مدير أمن العاصمة ومدراء أمن المديريات ومسؤول اللجان المجتمعية، إنه “بناءً على التوجيهات الصادرة من وزارة الداخلية يلزم رصد أي محاولات للخروج من العاصمة من قبل أعضاء مجلس النواب والوزراء الشورى وعائلاتهم ومرافقيهم خلال إجازة العيد، والإبلاغ عنها فوراً لتتخذ الأجهزة العليا الإجراءات اللازمة”.
أساليب قذرة
إلى ذلك وصف وزير الإعلام في الحكومة الشرعية معمر الإرياني القرار الحوثي بأنه من الأساليب القذرة التي تستخدمها جماعة الحوثي لتقييد حركة من تبقى من أعضاء مجلس النواب والشخصيات السياسية والاجتماعية الحاضرة في مناطق سيطرتها.
وأشار إلى أن الوثيقة تكشف الوضع الذي يعيشه من تبقى من أعضاء مجالس الوزراء والنواب والشورى وغيرهم من العاملين ضمن سلطة الحوثيين. مضيفاً بأن أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية لجماعة الحوثي في صنعاء محتجزون بقوة السلاح ولا يسمح لهم بالخروج من العاصمة.
ويرى الإرياني أن المذكرة تعكس حالة النفور العام من مليشيا الحوثي، وتعكس انعدام الثقة بين مكونات الانقلاب، وحجم المخاوف التي تسيطر على قيادات الحوثيين من التحاق باقي نواب برلمان صنعاء بالشرعية.