الأخبار الرئيسيةتقارير

الإشاعات الحوثية وواجب التصدي لها

سبتمبر نت/ أحمد عفيف

حظيت المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة الشرعية بأبطال صناديد أشداء على أعداء الوطن والجمهورية، مخلصين لقضايا الشعب والقضايا الجمعية، لا تهزمهم أصعب الظروف ولا تفت في عضدهم أقسى الأزمات والمحن، يجدهم الوطن حيث يناديهم، يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، ما يميزهم أكثر شدة البأس وقوة العزيمة ورباطة الجأش وحزم الأمر وصلابة الإرادة، وهم يخوضون هذه المعركة الوطنية المقدسة ضد أعداء الوطن والإنسان والبناء والتنمية الممثلين في مليشيا الحوثي المتمردة وداعميها الطامعين باحتلال اليمن والاستئثار بموارده ومقدراته وثرواته وإخضاع أبنائه العظماء الذين لا يخضعون أصلا.

على امتداد مرحلة الحرب الحالية التي شرعت في دخول عامها السادس، تصدى الأبطال لهذه المليشيا وعناصرها منكلين بهم في الجبال والشعاب وبطون الأودية ببأس شديد لم تحل دونه شحة الإمكانات وفارق السلاح والعتاد العسكري، فالإرادة وعدالة القضية هما السلاح الأقوى وشوكة الميزان والأرضية الثابتة التي لا تتزعزع، وأمام هذا الثبات والصمود الأسطوري لأبطال القوات المسلحة رمت المليشيا الحوثية المتمردة بكل أوراقها وأدواتها من السلاح والعتاد العسكري والقوة البشرية الهائلة التي ذهبت أدراج الرياح، ولم يعد أمامها الآن سوى تكثيف جهودها في حرب الإشاعة والدعاية كآخر ورقة تطمح من خلالها إطالة أمد بقائها علها تستطيع خوض المناورات التي قد تحقق لها أي من المكاسب السياسية.

ولأن متطلبات الراهن السياسي والعسكري والإعلامي في هذه المرحلة الحاسمة والفاصلة يتطلب بذل المزيد من الجهود المنظمة والمتكاملة والشاملة الهادفة إلى التصدي لحروب الإشاعة من خلال تتبع خيوطها وتفنيدها قبل استفحال تأثيراتها، رأينا أنه من الأولوية الملحة أن نضع أوليات عامة تمثل منطلقات رئيسة لتكثيف جهود مواجهة حرب الإشاعة، وقد بنيت هذه الأوليات وفقا لقراءة متفحصة لحروب الإشاعة التي مارستها وتمارسها مليشيا الحوثي المتمردة، وفي هذه السلسة من التقارير نستعرض أبرز ما يتعلق بذلك.

عن الإشاعة

تعد الإشاعات أقوى الأدوات المستخدمة في الحروب النفسية والمعنوية المتزامنة مع الفعل العسكري، بل إنها الأداة الأقوى في الحروب خصوصا في العصر الحالي الذي لم يعد فيه ميزان القوة والتسليح معيارا لتحقيق المكاسب العسكرية والميدانية، بقدر ما هو معيار القدرة على خوض الحروب النفسية، فبإمكان هذه الحرب أن تحقق المزيد من المكاسب والانتصارات بأقل جهد ووقت وعدة وعتاد وخسائر بشرية ومادية.

ولا تقتصر الإشاعات كأداة للحرب على الجانب العسكري ولكنها تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والاجتماعية وغيرها، بهدف خلخلة إيمان الشعب والمقاتلين والنخب بقضيتهم العادلة، وقيمهم الثقافية والفكرية والثورية، وفقدان الثقة كليا بشرعية القضية وعدالتها والاعتقاد بحتمية فشل تحقيق النصر.

في المفهوم

يقصد بالإشاعة تناقل معلومات عن موضوع ذي أهمية كبيرة من شخص إلى آخر دون دليل أو برهان أو إثبات، وتكون هذه المعلومات مجهولة المصدر وتشكل ضغطا كبيرا يستهدف هدم الثقة وإضعاف الإرادة واليقين والإيمان بالقضية، كما أنها تعمل على غرس قناعات مغايرة للواقع بغية الإرباك، ومن المفارقات العجيبة أن الإشاعة يكتب لها الوصول والانتشار والتداول الكبير وتحظى باهتمام كبير من قبل شرائح عريضة في المجتمع، وتتسم الإشاعة بعديد من الخصائص أهمها:

–           الأهمية بحيث تستهدف منظومة القيم والمبادئ والشؤون العامة.

–           التضخيم والمبالغة والتهويل بحسب طبيعة الموضوع أو القضية.

–           التنسيق الشامل والمتكامل لضمان التداول في الأوساط المستهدفة.

–           التغيير والتشويه لهدم الاعتقاد الجمعي.

–           الحرص على غموض المصدر وسرعة الانتشار.

ويعتمد العدو غالبا في نشر الإشاعة على التناقل الشفوي لها عن طريق مرجفين تم زراعتهم لتنفيذ هذه المهمة، وبعد ظهور منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ميداناً كبيرا للإشاعة والحرب النفسية خصوصا وأنها تتيح إنشاء حسابات بأسماء وهمية أو تزوير حسابات بأسماء شخصيات مؤثرة وقيادات سياسية وعسكرية تستخدم لتمرير الإشاعات والحروب النفسية.

تطور الوسائل

ازدادت مخاطر الإشاعات وتأثيراتها بحيث يمكنها أن تعمل على إسقاط بلدان أو جيوش بزمن قياسي ودون مجهود كبير، وذلك يرجع إلى تطور مفهومها وتقنياتها، فإلى زمن ليس ببعيد كانت وسائلها محدودة جدا وضيقة، لتقتصر على التمرير الشفوي للشائعة مع الحرص على غموض المصدر، أو بإنشاء حسابات وهمية ومزورة على منصات التواصل الاجتماعي وكذلك الكتابة في الصحف والمجلات باسم مستعار، وبهذه الوسائل الضيقة كان من السهل مواجهة الشائعة والتصدي لها إلى حد ما، أما الآن فقد تطورت الوسائل والتقنيات كثيرا ويصعب التصدي لها إلا بجهود مضنية وعمل منظم، وبالإمكان أن نلخص هذا التطور والانتقال النوعي بما يلي:

–           تجنيد ناشطين في مجالات السياسة والحقوق والإعلام وغيرها يقوم هؤلاء الناشطون بتأدية دور طبيعي في مجالاتهم وبما يتفق مع قواعد المهنة التي يمارسونها، لكنهم يظلون رهن إشارة العدو كلما طلب منهم تمرير إشاعة معينة يقومون بذلك، ولأن لهم نشاط سابق ظهر للناس بأنه موثوق تمر عليهم الإشاعة ويقومون بتداولها على نطاق واسع.

–           تجنيد مجموعة من الناشطين بصفتهم نشطاء محايدين لا يتبعون أي طرف في الظاهر بل يهاجمون كل الأطراف، ويظلون أيضا رهن إشارة العدو كلما طلب منهم تمرير إشاعة.

–           يجند العدو مجموعات في مجالات متعددة ليقوم بنشرهم في أوساط الطرف الذي يخوض الحرب معه، يتمثل دورهم في بث الإرجاف والإشاعة وخلق المشكلات وتفريق الصف، وتحطيم الجانب المعنوي من خلال تضخيم حجم العدو واستغلال الاختلالات والثغرات العابرة لتصويرها كخيانات، بالإضافة إلى الانتقاص من القيادات السياسية والعسكرية.

–           شراء ذمم الشخصيات الشهيرة والكتاب لتمرير الإشاعات مقابل مصالح مغرية.

–           التنسيق مع دول حليفة وداعمة لإنشاء مراكز وهمية للبحوث والدراسات مهمتها إطلاق دراسات مبنية على معطيات وهمية تتبنى نتائج داعمة للعدو معنويا وترسم سيناريوهات غير دقيقة تهدف إلى ضرب الثقة.

–           تزوير وثائق من شأنها أن تحدث صدمة كبيرة لدى مناصري طرف معين للقضاء على حاضنته وإضعاف ولاء مؤيديه وقياداته من المستوى الثاني أو إحداث نزاعات وخصومات في قيادات الصف الأول.

–           شراء مواقف دول ومنظمات دولية وإقليمية ومحلية مؤثرة على المشهد.

–           دعم إنشاء صحف ومواقع إلكترونية صفراء دعما خفيا لا يدرك المتابعون العاديون وحتى بعض النخب تبعيتها للعدو.

–           تجنيد قيادات مجتمعية وشعبية لنشر الشائعات.

–           فبركة فيديوهات ومقاطع فيديو وكذلك تقارير والقيام بنسبتها زورا لقنوات وصحف عالمية أو عربية.

–           تخصيص خلايا إعلامية لنشر الإشاعة بالتزامن في منصات التواصل الاجتماعي.

هذه وغيرها الكثير من الآليات أسهمت في سرعة انتشار الإشاعة وإضفاء مصداقية شكلية لها، وكل ذلك جعل من مسألة التصدي للإشاعة أمر شديد التعقيد والصعوبة وبحاجة إلى بذل الكثير من الجهود المنظمة لمواجهتها وإثبات بطلانها في الوقت اللازم لضمان تحييد تأثيراتها وتداعياتها.

المليشيا والإشاعة

من البديهي بل من المفترض أن تستند المليشيات المتمردة والخارجة عن القانون في نشوئها وتنفيذ مشاريعها إلى ممارسة الكذب والتضليل ونشر الشائعات وقلب الحقائق، وهذا ما سارت عليه مليشيا الحوثي المتمردة منذ نشأتها وحتى اللحظة، وأسباب ذلك تعود إلى:

–           لا تمتلك المليشيا شرعية دستورية ولا قانونية، ولا حتى ما يشرعن لوجودها عرفا، ولأجل ذلك فهي تمارس الإشاعة كخيار وحيد لتبرير وجودها ومحاولة إضفاء الشرعية لأعمالها الخارجة عن القانون، وأيضا لمهاجمة الكيان الشرعي والحط من شأنه وكيل التهم الملفقة عليه بهدف كسب التأييد لمشروعها وتسويقه كبديل أفضل للكيان الشرعي.

–           لا يمكن للمليشيا أن تحشد المزيد من الأتباع وتكسب العديد من الولاءات ما لم تعمل على تسويق الوهم وإثارة الأطماع وصرف الوعود بمستقبل أفضل، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الإشاعة والتضليل.

–           كمليشيا حديثة النشأة (بغض النظر عن ارتباط جذورها بالإمامة الكهنوتية) وتمكنت من السيطرة على مساحات جغرافية تفوق قدراتها وحجمها، فهي بحاجة إلى المال والقوة البشرية التي تمكنها من الحفاظ على ما وصلت إليه، وهو ما يحتم عليها ممارسة النهب والسطو والجبايات إلى جانب حشد المقاتلين، والسبيل إلى تحقيق ذلك يكمن في الإشاعة والتضليل والتغرير وقلب الحقائق.

–           عادة ما يكون المقاتلين في صفوف المليشيا ضعيفي الإدارة والمعنوية، وهذا يعود إلى صعوبة القبول بتعريض النفس إلى مخاطر الموت دون مبرر مقنع أو هدف واضح أو عقيدة قتالية، لذلك تلجأ المليشيا إلى خلق مبررات وهمية وصناعة عقيدة قتالية مختلقة ومطاطية، ونشر الدعاية الهادفة إلى إقناع المقاتلون بأنهم يقاتلون ضمن منظومة عسكرية متفوقة على العدو.

–           عادة ما يرفض عامة الناس الأعمال العدائية والإرهابية للمليشيا، وحتى تكون أي من هذه الأعمال مقبولة أو على أقل الأحوال لا تثير ردود الأفعال، وتستبق المليشيا أعمالها هذه بتسويق كم هائل من الإشاعات الكاذبة التي قد تجعلها مقبولا، وتكون هذه الإشاعات عادة بتصوير هذه الممارسات على أنها إحباط مؤامرة أو مواجهة خلايا أو حفظ الأمن والاستقرار وغيرها.

والأسباب كثيرة ولا يمكن حصرها وتناولها في هذه المساحة، لكن الهدف من سرد بعضها هنا يكمن في التأكيد بأن حرب الإشاعة عنصر من عناصر تركيبة المليشيا وسر بقائها واستمرارها، بل هو العنصر الرئيس، ولأجل ذلك فإن خوض الحرب مع مليشيا الحوثي المتمردة يتطلب إلى جانب المعركة العسكرية:

–           التصدي لحرب الإشاعة والتضليل بجهود استثنائية منظمة وإيلائها أهمية فائقة باعتبارها معركة لا تقل شأنا عن المعركة العسكرية.

–           تكثيف الجهود باتجاه تحييد قدرة المليشيا على التأثير باستخدام حرب الإشاعة، ومن المؤكد أن الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة ستكون المليشيا قد انهارت كليا وفقدت السيطرة الكاملة.

وتتجلى أهمية ذلك أكثر في المرحلة الحالية من الحرب، بعد أن فقدت المليشيا سائر أوراقها وأصبحت تعتمد كليا على حرب الإشاعة.

خلفية تاريخية

المعرفة التاريخية بالمليشيات المرتبطة بأحداث تاريخية سابقة تمكن المشتغلين في مواجهة حرب الإشاعة من ابتكار التقنيات الملائمة والوسائل المجدية للتصدي لها، فمن خلال الفهم الشامل لطبيعة العدو وتركيبته وتحالفاته يصبح من السهل جدا تتبع الشائعات ومعرفة مقاصدها والمستهدفين منها، وبناء على ذلك يكون من السهل تحديد الآليات المناسبة لمواجهتها وفي الوقت المناسب، ومن هذا المنطلق ينبغي فهم مليشيا الحوثي المتمردة وآلياتها في صناعة الإشاعة ونشرها بناء على هذا الأساس، وذلك من خلال الإدراك الكامل بطبيعة تركيبها وأصول نشأتها، حيث ترتبط هذه المليشيا بعصور الإمامة الكهنوتية وتعد امتدادا لها في عصرنا الحالي، ومن المعروف عن النظام الإمامي أنه اعتمد في ترسيخ حكمه وبسط نفوذه وتوسعه على مبدأ الثيوقراطية والمعتمد بشكل رئيس على كم هائل من الإشاعات والأكاذيب والتضليل، وبقراءة متفحصة في واقع هذا النظام نجد أن مسيرة الحكم الكهنوتي في اليمن اعتمد على كثير من التضليل والتزوير والتي من أبرزها:

–           ادعاء انتسابهم إلى بيت النبوة وأن الدين منحهم أحقية تولي شؤون الحكم، وحين تم تسوبق هذه الفكرة كجزء من الدين خضعت لهم شرائح كثيرة، وبذات الآلية تسير مليشيا الحوثي المتمردة، فكلما تم محاصرتها بالقانون والنظم والدستور التي يصنفها كجماعة متمردة تلجأ إلى الاحتماء بأفكار ثيوقراطية كخيار استراتيجي انتهجته الإمامة لإطالة أمد بقائها في الحكم.

–           صناعتهم لمرجعيات دينية وفقهية وتسخيرهم لخدمة أجندتهم السياسية من خلال التأصيل الديني للهيمنة السياسية وللتحكم بالموارد والثروات والمواد لصالح فئة حاكمة.

–           اختلاق القصص والأساطير الهادفة إلى تعظيم وتقديس القيادات الحاكمة، وتصويرها كشخصيات استثنائية وذات قدرات خارقة، غالبية هذه القصص والأساطير المتداولة شعبيا تتضمن قدرات الإمام الخارقة في كشف المخالفين والمناوئين ومدى سطوته في التنكيل بهم وإخمادهم، وكل هذه القصص الشعبية المنسوجة من الخيال هدفها الرئيس تخويف الناس من الإقدام على المعارضة أو إعلان الحرب عليهم.

–           تشويه وتحريف وطمس التاريخ اليمني حتى أصبح تاريخ اليمن يصل إلى الأجيال بصورة مشوهة، وفي هذا الإطار عمد المشروع الإمامي إلى قلب الحقائق وصناعة شخصيات تاريخية مزورة على حساب الشخصيات اليمنية الأصيلة التي طالها التشويه ولصقت بها التهم الكيدية المكذوبة، وقد أولى الإماميون عناية فائقة في جانب تشويه التاريخ وقلب الحقائق، كأداة فاعلة لتسويق مشروعهم الاحتلالي باعتباره مشروعا منقذا لليمن واليمنيين.

بهذه النقاط يمكن اكتشاف مضمون وجوهر المليشيا الحوثية المتمردة، وطبيعة نشأتها كامتداد لنظام الحكم الإمامي الكهنوتي، ويمكن هنا أن نتساءل هنا ما علاقة ذلك بحرب الإشاعة؟، وتكمن الإجابة على ذلك في أن الإمامة الكهنوتية استطاعت أن تبسط نفوذها في عدد من مناطق اليمن لقرون عديدة باستخدام تقنيات الإشاعة والتضليل وقلب الحقائق والمغالطات التاريخية، ومجمل ما ورد في النقاط المذكورة ماهي إلا سلسة من حروب الإشاعة التي رافقت حينها حروب السيطرة العسكرية، ومن خلالها استطاعت الإمامة أن تحقق:

–           القدرة على الزج بأبناء القبائل في خوض الحروب والسيطرة على الأرض نيابة عنها بإقناعهم أنهم شجعان ويقاتلون من أجل الدين ودحر الغزاة والمتآمرين.

–           الاستئثار بموارد ومقدرات وثروات اليمن العامة، وكذلك على موارد وثروات وممتلكات المواطنين المتعلقة بالأراضي والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية وغيرها، وهذا ما انعكس على بسط النفوذ والتوسع وتمويل آلة الحرب المستمرة، وكنتيجة للتضليل والتزوير تمكنت من جعل الناس يقدمون أموالهم وثرواتهم كجزء من العبادات الدينية المفروضة عليهم.

–           سرعة القضاء على الثورات التي شهدتها عدد من المناطق اليمنية ضد الإمامة، وذلك بضرب القبائل ببعضها من خلال إقناعهم بالأحكام والتهم الجاهزة الموجهة ضد الثوار التي تصورهم على أنهم مرتدون وكفار ومغرضون وغيرها من التهم.

ومن تلك المنطلقات الهادفة إلى تحقيق هذه المكاسب تمضي مليشيا الحوثي المتمردة في حرب الإشاعة كورقة تراها رابحة في استمرار سيطرتها ونفوذها، ولذلك فإن جزءا كبيرا من حرب الإشاعة التي تنتهجه المليشيا تعتمد على إعادة إحياء التاريخ المزور والمكذوب عن اليمن واليمنيين.

وهذا يقودنا إلى معرفة أن مفهوم الإشاعة لدى مليشيا الحوثي المتمردة يتخذ منحى مغايراً تماما لمفهوم الإشاعة السائد في كل العالم، ويعد من القصور الكبير تطبيق مفهوم الإشاعة السائد على ما تمارسه المليشيا، فالأمر يتجاوز مسألة بث الأخبار الكاذبة والمضللة خلال أزمنة محددة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية إلى مفهوم أوسع يشمل كل هذا بالإضافة إلى ممارسة التزوير والكذب واستهداف الثقافات والحضارات الجمعية المحلية وقلب الحقائق التاريخية، وتسخير النصوص الدينية والمسلمات القومية لصالح تثبيت دعائم حكمها وبسط نفوذها من خلال التزوير والتضليل وغيرها.

مسيرة التضليل

المتأمل في مراحل تكون المليشيا ابتداء من ظهورها كتنظيم سري في محافظة صعدة وحتى انقلابها على مؤسسات الدولة وسيطرتها على محافظات يمنية عدة، يجد أنها اعتمدت كثيرا على حرب الإشاعة لتنتقل من مرحلة إلى أخرى أكثر من حرب السلاح والقوة، ومن خلال تضليل الناس وتغيير قناعاتهم سعت إلى كسب مناصرين لها ومقاتلين في صفوفها، ومن أبرز هذه المحطات التي اعتمدت على حرب الإشاعة والتضليل:

–           الظهور كجماعة دينية بحتة هدفها إحياء الموروث الديني المتصل بآل البيت، وآلية الخداع في هذه المسألة إيهام الناس بأنهم يهدفون إلى إحياء الموروث الديني، ما جعل الناس يدفعون بأبنائهم وأطفالهم إلى حلقاتهم، ومن المعروف أن اليمنيين حريصون على تنشئة أبنائهم تنشئة دينية، لكن هذا الإجراء انطوى على كثير من صناعة العنف والإرهاب والتوجهات الطائفية العدوانية، وفي الحين الذي كان فيه الآباء ينتظرون أبناءهم متسلحين بالثقافة الدينية، وجدوا ألغاما موقوتة مغسولين الفكر والدماغ يصعب تغيير قناعاتهم الجديدة المشحونة بالإرهاب والعنف، وبهؤلاء بدأت المليشيا مهاجمة الجيش والقبائل.

–           أقنعت المليشيا أتباعها المقاتلين بضرورة استحلال ممتلكات ومزارع المواطنين ومقدرات الدولة باعتبارها مقدرات تخدم الأعداء، وبذلك استطاعوا تجيير الكثير من الإمكانات لصالحهم.

–           على الرغم من كونهم متمردين ومعتدين حاولوا إقناع بعض القبائل والسياسيين وبعض قادة الأحزاب بمظلوميتهم وارتكاب انتهاكات بحقهم على الرغم من أنهم أكبر منتهكين لحقوق الإنسان.

–           عملت أدوات المليشيا على إيهام كثير من الأوساط بأن حربهم تستهدف فقط خلخلة مراكز القوى والفساد العابثة في البلاد، وكان هذا أثناء اقتحامهم لمحافظات عمران وصنعاء وغيرها بهدف تحييد الكثير من القوى المعارضة لتمردهم، وبمجرد وصولهم إلى صنعاء مارست التنكيل بكافة القوى والأحزاب والناشطين لم تستثن أحدا.

–           بهدف تقويض مؤسسات الدولة واستكمال الانقلاب بدأت أبواق المليشيا المتمثلة في صحف ومواقع تم تفريخها وناشطين بمهاجمة الحكومة والاستمرار بالهجوم الإعلامي مع التركيز على الجرعة التي فرضتها الحكومة آنذاك، ورافقت هذه الموجة من التهويل الإعلامي ترتيبات عسكرية سرية وتحشيد للناس بحجة رفض الجرعة، مع العلم أن عهد سيطرة المليشيا لا يزال يشهد جرعات مضاعفة وازدهار للسوق السوداء وفرض للمزيد من الجبايات والضرائب غير القانونية، لكنها انتقلت بذهنية الناس من طور هذه الإشاعات إلى طور أكبر وأكثر تقدما.

–           فعقب سيطرتها على عدد من المحافظات، بدأت بتعميم إشاعات جديدة كانت تستخدمها من قبل في حدود أتباعها ومقاتليها، مفاد هذه الشائعة أنهم يحاربون الأمريكيين والإسرائيليين، كعادتهم في إلقاء التهم جزافا على من يخالفهم ويثور عليهم، وهدفت هذه الإشاعة أولا إلى تحشيد مقاتلين من أبناء القبائل، وإلى صرف الناس عن المطالبة بحقوقهم وتحسين مصادر معيشتهم، وما يجري الآن هو مقابلة المطالب الحقوقية الاحتجاجية بالقمع والتنكيل بحجة أنها خلايا تابعة لأمريكا وإسرائيل.

ومن المؤسف حقا أن هذه الخدع والإشاعات لا تزال تنطلي على الكثيرين، وكما يؤكد خبراء في الحرب النفسية أن عامة الناس يميلون لتقبل الأخبار والأفكار المضللة مجهولة المصدر، ويتلقونها دون تحقق أو فحص كأخبار حقيقية لا جدال فيها، وبطبيعة الحال فإنها تصبح سريعة التداول واسعة الانتشار وبإمكانها أن تزرع الكثير من القناعات الزائفة التي تؤدي بدورها إلى خلط الحقائق وإعاقة الناس عن معرفة العدو من الحليف وتمييز الحق من الباطل، وتداعيات هذه النوع من الإشاعات كارثية فما نشهده اليوم من استمرار تغرير المليشيا بعموم المواطنين في إطار سيطرتها وبأبناء القبائل ممن تزج بهم في المواجهات العسكرية إحدى النتائج المترتبة على حرب الإشاعة، خصوصا وأن عامة الناس لا يمتلكون الحس النقدي للأفكار والأخبار المتداولة ولا يستطيعون فرز الأخبار والأحداث وربطها، ولذلك فإن كثيرا منهم ينساق بشكل تلقائي وراءها، وقليل منهم من يقوم بالفرز والتمحيص ومحاكمة المليشيا وفقا لشائعاتها المتسلسلة.

ولا يعني هذا أنه ليس بالإمكان محاربة هذه الإشاعات وكشف زيفها وإقناع عموم الناس بكذبها وبطلانها، بل إنه من الممكن ذلك بفعل توعوي منظم يتبع فيه ذات الأساليب والتقنيات التي استخدمت في نشر الإشاعة.

الإشاعة العسكرية

يكثر استخدام الإشاعة لتحقيق أهداف عسكرية، كما يتم استخدامها لأهداف سياسية واقتصادية وفكرية وغيرها، واستخداماتها في الأغراض العسكرية تكون قبل شن الحرب العسكرية وفي الأثناء، ويتم استخدامها قبل شن الحرب العسكرية بهدف زيادة القدرة على التحشيد وخلق المبررات وبث الروح المعنوية للمقاتلين وإرباك صفوف القوة المعادية مستهدفة إضعاف معنويات المقاتلين والتشكيك في القيادات ومصادر الأخبار، وتستخدم أيضا كطعم لاكتشاف معنويات العدو ومعرفة حجم القوة العسكرية التي يمتلكها.

وتركز الإشاعات المرتبطة بالحروب العسكرية على اللعب بالعديد من العوامل النفسية أبرزها عامل الخوف وعامل الرغبة، ويعتمد عامل الخوف على التشكيك في القدرات والتهويل من المخاطر وصولا إلى زعزعة الثقة في التغلب على العدو وتحقيق النصر، ويعتمد اللعب على عامل الرغبة إلى تقليص الطموح والرضا بالواقع كيفما كان، والقبول بالتفاؤل الساذج، والتهيئة لظهور مطالبات شعبية بإيقاف الحرب فورا على أية حال.

وتكثف مليشيا الحوثي المتمردة جهودها في هذا الاتجاه، مستخدمة كافة الأوراق والإمكانات المتاحة بما فيها إمكانات الدول الطامعة في السيطرة على اليمن في مقدمتها إيران، فقد سبق ورافق انقلابها على الشرعية الدستورية ضخ الكثير من الشائعات التي استخدمتها تارة لتبرير انقلابها وتوسعها، وأخرى من أجل التحشيد وتجنيد أبناء القبائل وكسب ولاءات المشايخ والشخصيات المؤثرة وإثارة الخلافات والنزاعات والنعرات في أوساط الصف الجمهوري والمكونات المنضوية في إطار الشرعية الدستورية، وسنستعرض هنا جملة من أبرز وقائع حرب الإشاعات المرتبطة بالأعمال العسكرية التي تمارسها المليشيا من خلال هذه النقاط:

–           تهويل حجم قوتها وقدراتها العسكرية، والمبالغة في ذلك من خلال التظاهر بامتلاكها لقوة ردع صاروخية، وصواريخ بعيدة المدى، وخبراء لتطوير الأسلحة، وأنها تمتلك كتائب مدربة تدريب عال ومتخصص لها القدرة على الاقتحامات وخوض الحروب الصعبة، وأطلقت على هذه القوات مسميات ذات دلالة مرهبة ككتائب الموت وغيرها ، والمتأمل في حقيقة ذلك وكما كشفتها الأحداث أن الصواريخ والطائرات المستخدمة التي تستخدمها يتم تهريبها من إيران ودول أخرى ومهمتها تقتصر فقط على تركيبها وإطلاقها، وبمجرد إطباق الحصار عليها في كافة المنافذ البرية والبحرية لن تجد ما تطلقه، كما كشفت أحداث أخرى أن بعض الضربات الصاروخية الموجهة للمملكة العربية السعودية وخصوصا التي استهدفت شركة أرامكو تبنتها المليشيا وهي لم تقم بذلك حيث أكد خبراء بأنها لم نطلق من الأراضي اليمنية، إلا أن المليشيا بادرت لتبني ذلك كإجراء دعائي لتهويل حجم قدراتها، وذات الأمر ينطبق على ما تسميها بالكتائب المتخصصة والمدربة، ففي أكثر من واقعة واجه أبطال القوات المسلحة هذه الكتائب وكانت أسهل عليهم من شربة ماء، ففي جبهة صرواح انهارت إحدى هذه الكتائب خلال يوم واحد بيد الأبطال، ووقع أفرادها بين قتيل وجريح وأسير ليتضح أن معظمهم من الأطفال ومن أبناء القبائل غير المدربين إلا من دورات فكرية طائفية، ما يعني أن التهويل والمبالغة لا تعدو أن تكون مجرد حرب دعائية بهدف الإرهاب وإضعاف المعنويات.

–           التضليل الإعلامي، فقد عمدت المليشيا إلى تجنيد جيش إلكتروني تتلخص مهمته في فتح حسابات بمنصات مواقع التواصل الاجتماعي بأسماء وهمية ومستعارة بعض هذه الأسماء تنتحل أسماء وألقاب تعود إلى عدد من المحافظات المحررة وفي مقدمتها محافظات مأرب والجوف وتعز وغيرها، بالإضافة إلى فتح حسابات مزورة تنتحل أسماء قيادات سياسية وعسكرية ومحلية وقبلية تابعة للحكومة الشرعية، لتقوم بضخ كميات هائلة من المعلومات العسكرية المتناقضة والمضللة أو التي تصب في صالح تسجيل انتصارات وهمية لصالح المليشيا، ويتزامن هذا الضخ الإعلامي المضلل بضخ إعلامي مماثل من خلال صحف ومواقع إخبارية تدعي أنها مستقلة، وهي في الواقع ممولة من قبل المليشيا للقيام بهذا الدور، وهذا النوع من حرب الإشاعة الأشد خطرا وتأثيرا، ذلك أن المليشيا المتمردة تعول عليه كثيرا في بث الهزيمة النفسية وخلط الأوراق وقلب الحقائق، بحكم أن غالبية المرتادين لمواقع التواصل الاجتماعي يتلقون هذه المعلومات المضللة دون فرز أو تمييز، ويبنون عليها أفكارهم وتوجهاتهم ومعارفهم ومعلوماتهم، ويمكننا في هذا السياق استعراض أبرز مظاهر هذه الحرب في هذه النقاط:

  • التضليل بهدف القدرة على التحشيد مؤخرا فقدت المليشيا قدرتها على إقناع القبائل في تحشيد المقاتلين، كنتيجة ترتبت على استهلاكها لكافة الآليات والوسائل المستخدمة في إقناع الناس بالتحشيد التي أصبحت مفضوحة وغير مجدية، ليأتي دور التضليل الإعلامي عبر تنظيم حملات إعلامية مضللة تتضمن تعميم معلومات مكذوبة عن سقوط إحدى المحافظات المحررة على يد قواتها، وفور تعميمها وتناقل الناس لها يسارع قيادات المليشيا لتحشيد أبناء القبائل بحجة الاحتياج لهم في تأمين المحافظة الجديدة، وبطبيعة الحال يتفاجأ من تم حشدهم أنهم أمام معركة ومواجهات مسلحة ولا صحة للمعلومات التي نقلها إليهم المشرفون، وقد أفاد عدد من أسرى المليشيا في البيضاء وصرواح والجوف ونهم بأنه تم إقناعهم بالقدوم باستخدام معلومات مضللة.
  • هز الثقة بمصادر الأخبار الصحيحة التابعة للشرعية: ويتم ذلك من خلال تخصيص الحسابات الوهمية المنشأة على منصات التواصل الاجتماعي والتي تحمل أسماء وألقاب أشخاص من الجوف ومأرب وشبوة وغيرها من التابعين للحكومة الشرعية، هدفها نشر أخبار متضاربة ومتناقضة عن أحداث المعارك، وكما سبق ذكره قد تكون هذه الحسابات منتحلة لأسماء قيادات سياسية وعسكرية ونشطاء إعلاميين معروفين تابعين للحكومة الشرعية، وقد تكون بأسماء المحافظات أو إحدى معالمها ومناطقها، والهدف من كل هذا إيهام المتابعين بأن هذه المنصات مناصرة للحكومة الشرعية أو تابعة لها، وحين يبدأ في متابعتها بشكل يومي ويجد فيها التناقضات والأخبار المتضاربة وغير الحقيقية ينتهي به المطاف إلى فقدان الثقة تماما بمصادر الأخبار التابعة للحكومة الشرعية وبالتالي سيلجأ إلى متابعة مصادر الأخبار التابعة للمليشيا هذا من ناحية، ومن نواحي أخرى يبدأ بإطلاق الأحكام الاعتباطية على الحكومة والجيش كون هذه المنصات تقوم بنشر أخبار مزيفة عن مشاريع للحكومة أو انتصارات للجيش دون أن يكون ذلك قد حدث، وبدلا من أن يتحقق غالبية المتابعين من مصداقية الخبر يذهبون إلى فقدان الثقة بالحكومة والجيش، وكل هذا يفضي إلى بث روح الانهزام واليأس وتراجع الإيمان بالقضية وانعدام الثقة بتحقق النصر.
  • محاولة إحداث نزاعات وخلافات في صفوف قوى الجمهورية: وذلك بنشر الأخبار والقصص المزورة التي تسعى لزعزعة اللحمة الوطنية وإثارة المشكلات الماضوية التي عفا عليها الزمن، وبث روح التشكيك والضغينة والاحتقان بين القوى المناهضة لمليشيا الحوثي المتمردة، وفي أحايين كثيرة يتم ضخ الدعاية المغرضة الهادفة للتشكيك في التحالف العربي لدعم الشرعية، ومحاولة إظهار أن التحالف له أجندة أخرى غير مساندة الشرعية، وأن قوى الجمهورية مختلفة في الأجندة والمقاصد وغيرها من حرب الدعاية التي تبذل المليشيا فيها قصارى جهدها لتتمكن من إحداث اختراقات وتباينات تسهم في تفرقة الصفوف وتحييد بعض القوى بهدف الاستفراد بالمناهضين لها ليتم الانقضاض على الجميع رويدا رويدا، وتكمن الإشكالية في هذه الجزئية بأن الكثير من النخب السياسية والمثقفة والإعلامية وكذلك الناشطين قد أكلوا هذا الطعم وراحوا يخدمون أجندة المليشيا دون أن يشعرون، وسنتطرق في حلقة قادمة لآليات التصدي لهذا النوع من حروب الدعاية، وسبل التخلص من الانجرار وراءها.
زر الذهاب إلى الأعلى