جريمة إفشاء الأسرار في قانون الجرائم والعقوبات العسكرية

سبتمبر نت: القاضي/ عقيل تاج الدين
تحتل الأسرار العسكرية مكانة خاصة في النظام القانوني اليمني؛ إذ لا تتعلق سريتها بمصلحة فردية أو وظيفية محضة، وإنما تتصل مباشرة بأمن الدولة وسلامة القوات المسلحة وحماية الخطط والعمليات والمعلومات والقدرات العسكرية. وفي ظل الحرب التي تعيشها البلاد، تكتسب هذه الجريمة أبعادًا أكثر خطورة، إذ إن كلمة واحدة في غير موضعها، أو صورة جوية، أو موقع تمركز، أو كلمة سر، قد تسبب إضعاف جبهة كاملة وإزهاق أرواح الجنود.
وقد أحاط المشرع اليمني الأسرار العسكرية والمعلومات التي يتعين كتمانها بحماية جنائية متعددة المستويات في كل من قانون الجرائم والعقوبات العام رقم(12)لسنة 1994م، وقانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم(21) لسنة 1998م. فلم يكتفِ بمعاقبة من يتعمد إفشاء سر من أسرار الدفاع للعدو بقصد الخيانة، وإنما امتدت الحماية إلى الحصول على السر بقصد إفشائه، وإلى الإفشاء الناشئ عن الإهمال أو التقصير أو عدم الاحتياط، وإلى تسهيل ارتكاب الجريمة بسبب التقصير، وإلى إفشاء كلمات السر والشفرات، وإلى إفشاء المعلومات التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات خاصة.
كما لم يغفل المشرع المرحلة اللاحقة لاكتشاف الجريمة، فأوجب على من يعلم بوقوع إحدى الجرائم محل الحماية أن يبادر إلى الإخبار عنها، ورتب على الامتناع عن ذلك دون عذر مقبول مسؤولية جنائية مستقلة.
أولاً: مفهوم السر العسكري ونطاق الحماية الجنائية
حددت المادة(121) من قانون الجرائم والعقوبات العام مفهوم أسرار الدفاع على سبيل التوسعة، فشملت:
1. المعلومات الدفاعية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والصناعية التي تقتضي طبيعتها ألا يعلمها إلا الأشخاص ذوو العلاقة، ويجب لمصلحة البلاد أن تبقى سراً.
2. الأوعية المادية للسر: المكاتبات والمحررات والوثائق والرسوم والخرائط والتصميمات والصور وغيرها، التي يجب ألا يعلم بها إلا من يناط بهم حفظها أو استعمالها.
3. كل ما يمس الشؤون العسكرية: الأخبار والمعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها وعتادها وتموينها وأفرادها، وبصفة عامة كل ما له مساس بالشؤون العسكرية والخطط الاستراتيجية، ما لم يصدر أمر كتابي بالنشر من السلطة المختصة.
4. أسرار مكافحة الجريمة: الأخبار المتعلقة بالتدابير والإجراءات التي تتخذ لكشف جرائم أمن الدولة أو تحقيقها أو محاكمة مرتكبيها.
هذا التعريف الواسع يعني أن المشرع لم يترك مجالاً للاجتهاد الشخصي، فكل معلومة عسكرية لم يصرح بنشرها هي سر بطبيعتها. ولا يكفي في التطبيق القضائي إطلاق وصف “سري” على المعلومة، بل ينبغي تحديد طبيعة المعلومة، ومصدر سريتها، والجهة التي قررت سريتها، والأشخاص المخولين بالاطلاع عليها، ومدى خطورة كشفها.
5. كما وسعت المادة(69/د)من القانون العسكري نطاق الحماية لتشمل المعلومات أو الإيضاحات عن المسائل التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو بمقتضى تعليمات خاصة. فالحماية لا تنحصر في الوثائق المصنفة رسميًا، وإنما تمتد إلى معلومات تفرض طبيعتها الموضوعية السرية عليها.
6. ووسعت المادة(26/هـ)من قانون الجرائم والعقوبات العسكرية نطاقه ليشمل كلمة السر أو الشفرة
ثانيا: الحماية الجنائية لأسرار الدفاع
أولى المشرع أهمية خاصة لأسرار الدفاع، فجعل الاعتداء عليها من الأفعال التي قد تبلغ من الخطورة حد المساس بأمن الدولة وسلامتها العسكرية، وقد نضمها المشرع اليمني في قانون الجرائم والعقوبات العام:
اولا: جريمة إفشاء الأسرار في القانون العام
1. المادة 126 عقوبات عام:
تعاقب بالإعدام كل من تعمد ارتكاب فعل بقصد إضعاف القوات المسلحة بأن أفشى سراً من أسرار الدفاع عن البلاد. ويجوز الحكم بمصادرة كل أو بعض أمواله. وهنا الركن المعنوي هو القصد الخاص وهو إضعاف القوات المسلحة.
2. المادة 128 عقوبات عام:
وهي الأخطر، وتعاقب بالإعدام في ثلاث صور:
الفقرة 1: كل من سعى لدى دولة أجنبية أو تخابر معها وكان من شأن ذلك الإضرار بمركز الجمهورية الحربي أو السياسي أو الدبلوماسي أو الاقتصادي.
الفقرة 2: كل من سلم دولة أجنبية أخباراً أو معلومات أو وثائق أو خرائط خاصة بالمصالح الحكومية صدر أمر بحظر نشرها.
الفقرة 3: وهي صلب موضوعنا، كل من سلم دولة أجنبية أو أفشى إليها سراً من أسرار الدفاع، أو توصل بأي طريقة إلى الحصول على سر بقصد تسليمه، وكذلك كل من أتلف سراً لمصلحة دولة أجنبية أو جعله غير صالح للانتفاع به.
المشرع هنا لا يشترط وقوع الضرر فعلاً، يكفي أن يكون من شأن الفعل الإضرار
ثالثاً: جريمة إفشاء الأسرار في القانون العسكري
القانون العسكري كان أكثر تفصيلاً لأنه يخاطب من هم في موضع الائتمان المباشر:
المادة( 15/جـ، د، ز) : تعاقب بالإعدام أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة كل من ارتكب بقصد الخيانة:
تسليمه أو إفشاءه بأي صورة وبأي وسيلة سراً من أسرار الدفاع لأي دولة أجنبية أو للعدو أو لمن يعملون لمصلحته، أو إتلافه لمصلحة العدو أو جعله غير صالح للانتفاع به. مجرد التوصل بأي طريقة إلى الحصول على السر بقصد تسليمه أو إفشائه للعدو. وتجرم مكاتبة العدو أو تبليغه أية أخبار أو بيانات أو مجرد الاتصال بالعدو بطريقة مباشرة (بنفسه)أو بطريقة غير مباشرة(بواسطة غيرة)بأية صوره من الصور.
والمادة (26/ هـ): تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات وقت خدمة الميدان(الحرب)، وثلاث سنوات في غير خدمة الميدان، كل من أفشى كلمة السر أو الشفرة لشخص ليس من شأنه معرفتها، أو بلغها بخلاف ما بلغه بقصد الخيانة أو التضليل. وهنا يظهر ظرف التشديد بوضوح.
المادة (69/ د): تعاقب بالطرد أو بالحبس حتى ثلاث سنوات كل من أفشى معلومات أو إيضاحات ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو بمقتضى تعليمات خاصة، سواء كان ذلك أثناء الخدمة أو بعد تركه أو انفصاله عن العمل. وهذا نص بالغ الأهمية، فالالتزام بالكتمان لا ينتهي بالتقاعد أو الاستقالة
وقد نصت المادة (15/ج) على معاقبة من ارتكب بقصد الخيانة تسليم أو إفشاء سر من أسرار الدفاع إلى دولة أجنبية أو إلى العدو أو إلى أحد ممن يعملون لمصلحته، بأي صورة أو وجه أو وسيلة، وكذلك إتلاف شيء من تلك الأسرار لمصلحة العدو أو جعله غير صالح للانتفاع به.
كما جرمت المادة (15/د) التوصل بأي طريقة إلى الحصول على سر من أسرار الدفاع بقصد تسليمه أو إفشائه للعدو أو لمن يعمل لمصلحته.
وجرمت الفقرة(ز) من المادة (15) مكاتبة العدو أو تبليغه أية أخبار أو بيانات بطريقة الخيانة وحتى مجرد الاتصال بالعدو باي طريقة مباشر (بنفسه) او غير مباشرة(بواسطة غيرة)بأية صوره من الصور.
ويستفاد من ذلك أن المشرع أحاط السر الدفاعي بحماية مزدوجة:
1. حماية السر من الإفشاء أو التسليم بعد حيازته أو العلم به.
2. حمى السر بمنع السعي لدى العدو او الاتصال بالعدو باي صورة من الصور
3.حماية السر من السعي إلى الحصول عليه ابتداءً بقصد إفشائه للعدو أو من يعمل لمصلحته.
وهذا يدل على أن التجريم لا يتعلق فقط بالفعل النهائي المتمثل في وصول السر إلى الغير، وإنما يمتد إلى السلوك السابق المتمثل في الحصول عليه بقصد تسليمه أو إفشائه. بل وعاقب على الشروع في افشاء اسر او تسليمة او التحريض او الاتفاق على ذلك، وجرم التسبب في ذلك بدون قصد، وجرم عدم الابلاغ بالجريمة.
أولاً: جريمة إفشاء أسرار الدفاع بقصد الخيانة
وهذه من أخطر صور الجرائم الماسة بالأمن العسكري.
1. الركن المادي يتكون السلوك المادي من أحد الأفعال الآتية:
– تسليم سر من أسرار الدفاع؛
– إفشاء سر من أسرار الدفاع؛
– إتلاف شيء من أسرار الدفاع لمصلحة العدو؛
– جعل السر غير صالح لأن ينتفع به.
وقد تعمد المشرع عدم تقييد وسيلة الإفشاء، باستخدامه عبارة شاملة هي: “بأية صورة وعلى أي وجه وبأي وسيلة كانت”.
وعليه، فإن محل التجريم ليس الوسيلة، وإنما النتيجة التي يترتب عليها إخراج السر من دائرة الحماية وإيصاله إلى من لا يجوز له قانونًا معرفته.
2. صفة من يتلقى السر
لا يكفي أن يكون محل الإفشاء معلومة سرية، وإنما حدد النص الجهة التي يكون الإفشاء إليها محلًا لهذه الجريمة، وهي:
أ- دولة أجنبية في حالة عداء مع الجمهورية اليمنية (مثل ايران)
ب-عصابة مسلحة وعصاة مسلحون يمارسون نشاطا يستهدف مصالح الوطن وأمنه وسلامته (مثل جماعة الحوثي) التي تعاملها الدولة معاملة المحاربين
ج- أحد الأشخاص الذين يعملون لمصلحة العدو
والمشرع لم يحصر وسيلة الإفشاء في طريقة معينة، وإنما استخدم عبارة واسعة تشمل أية صورة وعلى أي وجه وبأي وسيلة كانت. وبالتالي يمكن أن يتحقق الإفشاء بالقول أو الكتابة أو الوثائق أو الصور أو الوسائل الإلكترونية أو غيرها متى أدى السلوك إلى كشف السر لمن لا يجوز له قانونًا معرفته.
2. الركن المعنوي
لا يكفي في هذه الصورة مجرد حصول الإفشاء، وإنما يشترط أن يكون مرتكب الفعل قد أقدم عليه بقصد الخيانة.
ومن ثم، فإن القصد الجنائي هنا ليس مجرد العلم بسرية المعلومة، وإنما اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل الإفشاء مقرونًا بالقصد الخاص الذي تطلبه النص وهو قصد الخيانة.
وهنا تظهر أهمية التفرقة بين الإفشاء العمدي بقصد الخيانة وبين الإفشاء الناتج عن الإهمال أو التقصير؛ إذ لا يجوز مساواة الحالتين من الناحية القانونية لمجرد أن النتيجة المادية واحدة، وهي خروج السر إلى غير المخولين بمعرفته.
جريمة الحصول على سر من أسرار الدفاع بقصد إفشائه
لم يكتف المشرع بتجريم إفشاء السر بعد الحصول عليه، وإنما جرم في المادة (15/د) التوصل بأي طريقة إلى الحصول على سر من أسرار الدفاع بقصد تسليمه أو إفشائه للعدو أو لمن يعمل لمصلحته.
وتتميز هذه الجريمة بأن محل التجريم فيها هو السلوك الرامي إلى الحصول على السر ابتداءً.
فإذا ثبت أن الشخص تعمد الوصول إلى معلومات دفاعية سرية، وكان قصده من الحصول عليها تسليمها أو إفشاءها للعدو أو لمن يعمل لمصلحته، فإن الجريمة تقوم وفقًا لشروط النص، ولو لم تكن قد تحققت جميع النتائج التي كان يستهدفها.
وهذا يعكس سياسة تشريعية واضحة قوامها أن حماية الأمن العسكري لا تبدأ عند لحظة تسليم السر للعدو، وإنما تبدأ منذ محاولة الوصول غير المشروع إليه بقصد الإضرار بالمصلحة العسكرية.
جريمة تسهيل إفشاء الأسرار بسبب التقصير أو الإهمال
أضافت المادة (16/ب) صورة أخرى للمسؤولية، وهي تسهيل ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة بسبب التقصير أو الإهمال أو عدم الاحتياط.
وهذه الصورة جديرة بالاهتمام؛ لأنها تقرر مسؤولية من لم يرتكب فعل الخيانة أو الإفشاء بصورة مباشرة، لكنه أخل بواجباته بطريقة جعلت ارتكاب الجريمة ممكنًا أو أسهل دون قصد منه.
وبذلك يتسع نطاق الحماية الجنائية ليشمل ليس فقط الفاعل المباشر، وإنما كذلك من كان عليه واجب قانوني أو وظيفي في المحافظة على السر، ثم أدى إخلاله بواجباته إلى تسهيل وقوع الجريمة.
والعبرة هنا ليست بمجرد وقوع الإفشاء، وإنما بإثبات العلاقة بين التقصير أو الإهمال أو عدم الاحتياط وبين تسهيل ارتكاب الجريمة.
فإذا كان الشخص يعلم أو كان يتعين عليه أن يعلم أن المعلومات سرية، ومع ذلك أفشاها دون اتخاذ الاحتياطات الواجبة، فإن حسن نيته أو عدم قصده الإضرار لا يمنع مساءلته متى توافرت عناصر المادة (16).
وهنا تكون المسؤولية قائمة على الخطأ غير العمدي وليس على الخيانة.
ومن ثم، فإن عبارة “كنت حسن النية ولم أقصد الإضرار” لا تكفي وحدها للدفع بالبراءة، كما أن عبارة “لقد أفشى السر” لا تكفي وحدها للإدانة بجريمة الخيانة.
والفاصل الحقيقي هو: ما الذي كان يعلمه الفاعل؟ وما الذي كان يتعين عليه أن يعلمه؟ وما الواجب المفروض عليه؟ وهل خالفه؟ وما النتيجة التي ترتبت على ذلك؟
جريمة إفشاء كلمة السر أو الشفرة
أفرد المشرع في المادة (26/هـ) حكمًا خاصًا لإفشاء كلمة السر أو الشفرة لشخص ليس من شأنه معرفتها، أو تبليغها بقصد الخيانة أو التضليل بخلاف ما بلغه.
وتكشف هذه المادة عن خطورة خاصة لمعلومات الاتصال والحماية العسكرية؛ فكلمة السر والشفرة ليست مجرد معلومات عادية، وإنما قد تكون وسيلة للتحقق من هوية الأشخاص أو الوحدات، أو حماية الاتصالات والأوامر العسكرية.
ويتحقق التجريم – في الصورة الأولى – بمجرد إفشاء كلمة السر أو الشفرة إلى شخص ليس من شأنه معرفتها، وفقًا للشروط التي حددها النص.
وهنا تبرز أهمية مبدأ تحديد دائرة العلم بالسر؛ فليس كل شخص في المؤسسة العسكرية مخولًا بمعرفة كل كلمة سر أو شفرة.
أما الصورة الأخرى فتتعلق بالتبليغ بقصد الخيانة أو التضليل، وهي صورة تتطلب قصدًا خاصًا يختلف عن مجرد الخطأ أو السهو.
كما أن المشرع شدد الجزاء إذا وقعت الجريمة أثناء خدمة الميدان، بما يعكس اختلاف درجة الخطورة بحسب الظروف العسكرية التي ارتكب فيها الفعل.
جريمة الإفشاء العام للمعلومات التي ينبغي أن تظل سرية
جاءت المادة (69/د) بحماية أوسع، إذ جرمت إفشاء المعلومات أو الإيضاحات المتعلقة بالمسائل التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو بمقتضى تعليمات خاصة، وعدم الالتزام بالكتمان، سواء وقع ذلك أثناء الخدمة أو بعد ترك الشخص الخدمة أو انفصاله عن العمل.
وهذا النص بالغ الأهمية من الناحية العملية؛ لأنه يقرر أن واجب الكتمان لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الخدمة.
فإذا كانت المعلومة من طبيعتها أن تظل سرية، أو كانت خاضعة لتعليمات خاصة بالكتمان، فإن ترك الخدمة لا يجعل إفشاءها مباحًا.
ومن ثم، فإن الموظف أو العسكري لا يستطيع أن يتذرع بانتهاء صفته الوظيفية باعتبار أن واجب السرية قد زال، متى كان محل الإفشاء من المعلومات التي شملها النص.
كما يتضح أن السرية قد تنشأ من مصدرين:
الأول: طبيعة المعلومة ذاتها.
الثاني: وجود تعليمات خاصة تقضي بالمحافظة عليها وعدم إفشائها.
جريمة العلم بارتكاب الجريمة وعدم الابلاغ عنها
إذا كان القانون يفرض على العسكري أو الموظف واجب المحافظة على السر، فإنه يفرض في المقابل على من يعلم بوقوع جريمة تمس هذه الحماية واجبًا آخر هو الإبلاغ عنها.
وبذلك تقوم المنظومة الجنائية على مستويين:
المستوى الأول: منع الشخص من إفشاء السر.
المستوى الثاني: إلزام من يعلم بوقوع جريمة الإفشاء بالمبادرة إلى الإبلاغ عنها.
وهذا يعني أن السكوت في بعض الحالات لا يعد موقفًا محايدًا من الناحية القانونية، وإنما قد يتحول – بنص القانون – إلى سلوك مجرم مستقل
ولذا فان المشرع لم يقصر المسؤولية على من يرتكب جريمة إفشاء السر، وإنما وضع التزامًا قانونيًا مستقلًا على من يعلم بوقوع إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل.
فنصت المادة (17) على أن كل من علم بإحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل ولم يبادر، دون عذر مقبول، إلى الإخبار عنها يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بجزاء أقل منه منصوص عليه في القانون.
وهذه جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية.
فالشخص الذي يعلم بأن غيره ارتكب جريمة إفشاء سر عسكري، ثم يتعمد السكوت ولا يبلغ عنها، قد يسأل جنائيًا عن عدم الإبلاغ، حتى لو لم يكن شريكًا في جريمة الإفشاء ذاتها، متى توافرت شروط النص.
عناصر جريمة عدم الإبلاغ
يمكن تحليلها إلى عناصر رئيسية:
1. العلم بالجريمة:
يجب أن يكون الشخص عالمًا بارتكاب إحدى الجرائم المشمولة بالنص، وليس مجرد وجود شك أو إشاعة غير موثوقة.
2. وجود واجب قانوني بالإبلاغ:
المادة أنشأت التزامًا قانونيًا بالمبادرة إلى الإخبار.
3. الامتناع عن الإبلاغ:
يتحقق السلوك الإجرامي بالسكوت وعدم المبادرة إلى الإخبار.
4. عدم وجود عذر مقبول:
وهو قيد جوهري في النص، فلا تقوم الجريمة إذا كان عدم الإبلاغ قائمًا على عذر مقبول قانونًا.
5. توافر العلم والإرادة:
أي أن يكون الشخص عالمًا بالجريمة وقادرًا على الإبلاغ، ثم يمتنع عن ذلك دون عذر مقبول.
الفرق بين عدم الإبلاغ عن الجريمة والاشتراك فيها
من المهم عدم الخلط بين الشخص الذي يعلم بالجريمة ولا يبلغ عنها وبين الشخص الذي يساعد على ارتكابها أو يسهل وقوعها.
فإذا اقتصر دور الشخص على العلم بالجريمة ثم السكوت عنها، فقد تنطبق عليه المادة (17) متى توافرت شروطها.
أما إذا كان قد قام بفعل إيجابي ساعد به على ارتكاب الجريمة، فقد تنتقل مسؤوليته – بحسب طبيعة فعله وقصده – إلى نطاق المساهمة أو التسهيل في الجريمة الأصلية، ولا يكون مجرد وصفه بأنه “لم يبلغ” كافيًا لتحديد مسؤوليته.
وهذا التمييز مهم جدًا؛ لأن المسؤولية الجنائية لا تبنى على مجرد المعرفة المجردة إذا كان القانون لم يقرر لها أثرًا، وإنما على السلوك الذي حدده النص والعناصر التي اشترطها.
واجب السرية مسؤولية مستمرة
يتضح من المادة (69/د) أن واجب المحافظة على بعض الأسرار لا ينتهي بمجرد انتهاء الخدمة.
وهذا أمر منطقي؛ لأن السر لا يفقد طبيعته السرية لمجرد انتقال حائزه إلى وظيفة أخرى أو خروجه من الخدمة.
وعليه، فإن واجب الكتمان قد يستمر بعد انتهاء العلاقة الوظيفية متى كان موضوع المعلومات من المسائل التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات خاصة.
ومن هنا فإن ترك الخدمة لا يمثل ترخيصًا قانونيًا بإفشاء ما كان الشخص قد اؤتمن عليه أثناءها.
ظروف التشديد – حالة الميدان والاشتراك والشروع
شدد المشرع العقوبة لثلاثة أسباب جوهرية وردت في سؤالكم:
1. حالة الميدان – حالة الحرب:
اعتبر المشرع أن الجريمة وقت خدمة الميدان، أي في حالة الحرب أو الاستنفار أو المواجهة، أشد خطورة. فإفشاء كلمة السر مثلاً عقوبته 3 سنوات في الظروف العادية، وترتفع إلى 7 سنوات في الميدان، كما في المادة 26. لأن المعلومة في الحرب تساوي دماء.
2. التحريض والاتفاق والاشتراك:
نصت المادة(129)من القانون العام على أن من حرض أو اشترك في اتفاق جنائي لارتكاب إحدى جرائم هذا الفصل أو شرع في ارتكابها، يعاقب بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة ولو لم يترتب على فعله أثر.
بمعنى أن مجرد الاتفاق على إفشاء سر، أو محاولة الحصول عليه وفشلت، أو تحريض شخص آخر على ذلك، عقوبته هي الإعدام ذاته. المشرع أغلق كل منافذ الإفلات.
خاتمة وتحذير
إن هذه النصوص ليست للزجر النظري. المشرع اليمني وضع عقوبة الإعدام ومصادرة الأموال لأن ضرر هذه الجريمة لا يقع على فرد، بل يقع على البلاد بأكملها. كلمة واحدة في غير موضعها، صورة جوية، موقع تمركز، كلمة سر، قد تسبب إضعاف جبهة كاملة.
لذلك، فإن التحذير موجه للجميع، عسكريين ومدنيين:
لا تتداول أي معلومة عسكرية لم يصدر بها بيان رسمي.
التزام الكتمان واجب دائم حتى بعد انتهاء الخدمة.
الإهمال جريمة، وحسن النية لا يعفيك.
من يعلم ويسكت شريك في الجريمة.
في زمن الحرب وخدمة الميدان، لا مجال للتساهل، والعقوبة مضاعفة.
…..
حفظ أسرار الدفاع هو حفظ لدماء الجنود وأمن الوطن، والقانون في هذا الباب لا يعرف الرحمة لأن الخيانة فيه لا تعرف حدوداً لضررها.