مقالات

لماذا تشكل كل هذا العداء للحوثيين؟

 

سبتمبر نت/  خالد عليان

عشر سنوات كانت كافية لكي ينسى الناس ملامح دول كثيرة سقطت، وأن يتكيفوا مع أنظمة جاءت فوق ظهور الدبابات، وأن تتحول انقلابات بدأت بالرصاص إلى سلطات تجلس في مقاعد البروتوكول، وتستقبل السفراء، وتشارك في المحافل الدولية، وتعيد ترتيب علاقتها بالمجتمع والعالم. غير أن جماعة الحوثي بعد أكثر من عقد على اجتياح صنعاء، ما تزال تبدو في نظر اليمنيين قوة اقتحمت الدولة ولم تصبح دولة، وسلطة استولت على المجتمع ولم تستطع أن تنتمي إليه.

امتلكت الجماعة العاصمة والسلاح ومؤسسات الحكم وموارد البلاد، وسيطرت على التعليم والإعلام والمنابر والمساجد، وأمسكت بتفاصيل الحياة اليومية من المدرسة إلى المحكمة، ومن الوظيفة إلى السوق. وكان يفترض وفق منطق القوة والزمن أن تخف حدة الرفض المجتمعي لها وأن يعتاد الناس السلطة الجديدة، أو أن تنجح هي في إنتاج صيغة من التعايش معها. لكن الذي حدث كان نقيض ذلك : اتسعت المسافة، وتكاثرت المظالم، وتحول الخوف المكتوم إلى ذاكرة عامة مثقلة بالغضب.

تلك مفارقة لا تفسرها الحرب وحدها فالحروب تنتهي، والانقلابات تتآكل حدتها، وحتى سلطات الاحتلال عرفت كيف تترك وراءها إدارة أو طريقًا أو مدرسة أو قانونًا يمكن للمجتمعات أن تبني عليه بعد رحيلها. أما الحوثيون فقد مروا فوق الدولة والمجتمع كما تمر سلطة لا ترى فيما استولت عليه وطنا ينبغي أن تعمره، لكنها تراه غنيمة يجب الاستفادة منها وسكانا تجب إعادة ترتيب مراتبهم وفق القرب والولاء والنسب.

لهذا لا تكفي عبارة (الصراع على السلطة) لتفسير ما جرى في اليمن فالصراع السياسي يدور عادة حول من يحكم، أما المشروع الحوثي فقد تجاوز ذلك إلى سؤال أشد خطورة : من يملك الحق الأصلي في الحكم، ومن خُلق ليحكم ، ومن كُتب عليه أن يطيع؟

هنا بالتحديد يبدأ تفسير ذلك العداء المتراكم للحوثيين ولفكرهم ، فاليمنيون لم يجدوا أنفسهم أمام جماعة تريد استبدال حكومة بحكومة ، أو اسقاط جرعة ، أو تعديل نظام سياسي بنظام آخر، وجدوا أنفسهم أمام مشروع يعيد تعريف علاقتهم بوطنهم ، ويطلب منهم أن يتنازلوا ، لا عن حقهم في اختيار الحاكم فحسب ، وإنما عن أهليتهم المتساوية للحكم والمواطنة والقرار.
لم يأت الحوثيون إلى صنعاء حاملين مشروع دولة بديلة ، كانوا حاملين تصورا مغلقا للسلطة ، يجعل الحكم امتيازا مقدسا لفئة بعينها ، ويضع بقية المجتمع في مرتبة التابع الذي لا يملك الحق نفسه في القيادة والقرار. وهنا تكمن خطورة المشروع لأنه يريد من الناس أن يقبلوا سلطة تحيط نفسها بالتفويض الإلهي، وتقدم قائدها بوصفه صاحب حق سابق على الدستور ، وأعلى من المؤسسات ، وأبعد من المساءلة.
إن نظريات التفوق العرقي وفي مقدمتها النازية صنعت تاريخا بالغ الوحشية حين قسمت البشر إلى أجناس متفوقة وأخرى أدنى منها. أما الفكرة الحوثية في الحكم فتتقاطع مع أخطر ما في تلك النظريات ، ثم تضيف إليه ادعاء الاصطفاء الإلهي فلا يصبح التفوق قائما على العرق والنسب فحسب لكنه يتحول إلى تفويض من السماء وكأن السلطة ليست اختيارا بشريا، ولا عقدا سياسيا ، ولا حقا عاما، وإنما ميراث مقدس لا تجوز منازعته.
وبهذا المعنى لم يعد المواطن أمام حاكم يمكنه أن يرفضه أو يحاسبه لقد أصبح أمام شخص يقال له : إن طاعته امتداد للطاعة الدينية ، وإن الاعتراض عليه خروج عن الحق ، وإن موالاته موالاة لله ، وعداوته عداء للدين. وهذه ليست دولة ، هذه صيغة حديثة للاسترقاق السياسي ، يعاد فيها إنتاج العبودية بأدوات مذهبية وإعلامية وعسكرية.
منذ اللحظة التي دخل فيها الحوثيون صنعاء ، شرعوا في تفكيك الأساس القانوني للدولة. عُطل الدستور، وقُيد مجلس النواب ، وصدر ما سُمي بالإعلان الدستوري لتغطية سلطة الأمر الواقع ، ثم انتشرت منظومة المشرفين فوق مؤسسات الدولة وإداراتها.

وهكذا بقيت الدولة في ظاهرها قائمة ، لكنها فُرغت من مضمونها. بقيت الوزارات والمجالس والرتب العسكرية والأختام الرسمية ، غير أن القرار الحقيقي انتقل إلى سلطة موازية لا تخضع لقانون ولا رقابة. وهذه هي الصيغة التي أتقنتها إيران في عدد من ساحات نفوذها : الإبقاء على واجهة الدولة ، مع وضع القوة والسلاح والقرار السيادي في يد تنظيم عقائدي يحكم من خلفها.
لم يعد وجود رئيس لمجلس النواب أو وزير أو قائد عسكري دليلا على وجود دولة. فالدولة لا تُقاس بأسماء المناصب فحسب لكن بحرية أصحابها في اتخاذ القرار، وقدرة المؤسسات على تطبيق القانون ، وحق المجتمع في مراقبة السلطة ومحاسبتها. وحين تكون الشخصيات الرسمية محاصرة بالخوف أو الابتزاز أو المصالح أو التهديد بمصادرة الأموال والممتلكات ، فإنها لا تمثل مؤسسات دستورية ، تصبح جزءا من الديكور السياسي لسلطة السلاح.
وفي قلب هذه المنظومة صنعت حول زعيم الجماعة هالة غامضة من القداسة. رجل لا يظهر للناس بصورة طبيعية ولا يتحرك بينهم ، ولا يواجه أسئلتهم ، ولا يخضع لمساءلتهم. يخاطبهم من مكان مجهول ، في توقيت تختاره الجماعة ، ومن وراء شاشة تحول بينه وبين المجتمع. لا يعرف الناس كيف يعيش ، ولا كيف تُتخذ قراراته ، ولا من يناقشه ، ولا بأي حق يتصرف في حاضرهم ومستقبل أبنائهم.
لم يكن هذا الاختفاء مجرد احتياط أمني هو جزء من صناعة الرمز المقدس فالغموض يمنع المقارنة ، والبعد يحجب الأسئلة ، والخطاب من وراء الحجاب يرفع صاحبه فوق الناس ، ويجعل ظهوره حدثا أقرب إلى الطقس منه إلى ممارسة سياسية عادية.
ومع ذلك كله لم تقدم الجماعة خلال سنوات سيطرتها أنموذجا تنمويا يستطيع أن يخفف من رفض اليمنيين لها. لم تبن اقتصادا، ولم تطور التعليم ، ولم تنشئ بنية تحتية تليق بما استولت عليه من موارد ، ولم تمنح الناس قدرا أفضل من الحرية أو العدالة أو الخدمات. سيطرت على البنك والضرائب والجمارك والاتصالات والمؤسسات الإيرادية ، واستحوذت على موارد الدولة ، فيما انكمشت الرواتب ، واتسع الفقر ، وتراجعت الخدمات ، ونمت ثروات شبكات مرتبطة بقيادات الجماعة.
لقد ورث الحوثيون عاصمة ومؤسسات وموارد وتاريخا إداريا متراكما، لكنهم لم يديروا ذلك بوصفه ملكا عاما، تعاملوا معه باعتباره غنيمة انتصار. تحولت الوظيفة العامة إلى أداة ولاء ، والإيرادات إلى مصدر نفوذ ، والمؤسسة العسكرية إلى ذراع عقائدية ، والقضاء إلى وسيلة ضغط ، والتعليم إلى ميدان لإعادة تشكيل الوعي.
ومن هنا يصعب العثور على أسرة يمنية لم يمسها الضرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة : موظف حُرم من راتبه ، أو مسؤول أُقصي من منصبه ، أو منزل صودر ، أو تاجر ابتُز، أو معتقل غُيب، أو شاب سِيق إلى الجبهة ، أو أسرة فقدت أحد أبنائها ، أو مواطن اضطر إلى مغادرة مدينته تاركا وراءه بيته وذكرياته ومصدر رزقه.
ولم يقتصر الأذى على الذين أعلنوا معارضة الجماعة. حتى كثير ممن ظلوا في مناطق سيطرتها عاشوا تحت الخوف ، وتعلموا كيف يخفون آراءهم ، ويزنون كلماتهم ، ويتجنبون الاعتراض ، ويحضرون الفعاليات التي لا يؤمنون بها ، ويدفعون الأموال التي لا يملكونها ، ويرسلون أبناءهم إلى أنشطة لم يختاروها.
لكن سؤالًا يظل حاضرا : إذا كان مشروع الحوثيين بهذه الطبيعة ، فلماذا لا يزال حولهم نواب وسياسيون وقادة عسكريون ومثقفون ومقاتلون وقبائل ؟
ليس كل من بقي معهم مؤمناً بمشروعهم ، وليس كل من قاتل في صفوفهم مقتنعا بنظرية الاصطفاء التي تقوم عليها الجماعة. بعضهم وقع تحت الإكراه ، وبعضهم خشي على أسرته وممتلكاته ، وبعضهم ارتبط بشبكة مصالح مالية وإدارية ، وبعضهم آثر الاحتفاظ بمنصبه تحت سقف الجماعة على مغادرة البلاد وخسارة كل شيء ، وبعضهم حمل روابط مذهبية أو أسرية قربته من المشروع فيما وقع آخرون ضحية تعبئة طويلة ومدروسة.
لقد دخل الحوثيون إلى المشهد مستفيدين من أكثر لحظات الدولة اليمنية هشاشة. جاءوا في زمن الانقسام الذي أعقب انتفاضة الشباب ، واستثمروا صراعات القوى السياسية ، وقدموا أنفسهم بوصفهم حركة ستسقط الجرعة وتنهي الفساد ، وتستعيد أموال الدولة ، وتحقق العدالة ، وتقضي على احتكار جماعات سياسية بعينها للسلطة.
لكنهم لم ينهوا الفساد لقد أعادوا تنظيمه داخل شبكة أكثر انغلاقا. ولم يستعيدوا الدولة لقد استولوا عليها. ولم يرفعوا المعاناة الاقتصادية بل أضافوا إليها اقتصاد الحرب والجبايات.
ثم جاءت عملية إعادة تشكيل المجتمع من الداخل ، غيرت الجماعة المناهج التعليمية ، ووسعت المراكز الصيفية ، وفرضت دورات عقائدية على الطلاب والموظفين ومديري المؤسسات والقيادات الاجتماعية. لم تعد المسألة برنامجا سياسيا يعرض على الناس ليقبلوه أو يرفضوه أصبحت عملية متواصلة لإنتاج إنسان جديد يرى التاريخ كما تريده الجماعة ، ويفهم الدين من خلال خطابها ، وينظر إلى اليمنيين وفق مراتب النسب والولاء.
وأدخلت الجماعة إلى المجال العام مواسم وشعارات وطقوسا لم تكن جزءا من الحياة الوطنية الجامعة ، واستدعت صراعات وقعت قبل أكثر من ألف عام لتجعلها وقودا لصراع اليوم. أعادت تقديم كربلاء والخلافات التاريخية وقضايا الثأر المذهبي باعتبارها معارك مستمرة يتعين على اليمني المعاصر أن يحدد موقعه منها.
بهذه الأدوات نشأ جيل لم يعرف الدولة إلا من خلال خطاب الجماعة ، ولم يسمع الخصوم إلا بالصورة التي رسمها إعلامها. جيل قيل له إن المعركة في مأرب وتعز والجوف والساحل هي مواجهة مع أمريكا وإسرائيل واليهود وبهذا جرى تحويل المقاتل إلى وقود لحرب داخلية ، بينما يتخيل أنه يخوض معركة كونية دفاعا عن الدين والأمة.
وساعد خصوم الحوثيين عن قصد أو من دونه في إطالة عمر هذه الدعاية. فالانقسامات داخل معسكر الدولة والصراع بين القوى الشمالية والجنوبية ، وتعدد الولاءات ، وضعف المؤسسات ، والفساد ، وتنازع المصالح الإقليمية كلها قدمت للجماعة مادة يومية لتخويف الناس من البديل.
كان الحوثي يقول لمن يعيشون تحت سلطته : انظروا إلى الطرف الآخر، إلى حكوماته المتنازعة ، وقواه المتصارعة ، ومؤسساته الضعيفة. وكان هذا الخطاب ينجح أحيانا، لا لأن نموذج الحوثيين جيد ، لكن لأن خصومهم أخفقوا في تقديم إنموذج وطني متماسك يقنع الناس بأن الدولة المقبلة ستكون أكثر عدلا واستقرارا.
ثم جاءت حرب غزة لتمنح الجماعة أكبر فرصة للتعبئة العاطفية. فالقضية الفلسطينية تحتل مكانة عميقة في وجدان اليمنيين ، وجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة ، وما حظيت به إسرائيل من دعم أمريكي وغربي، صنعت غضبا عربيا وإسلاميا واسعا ومفهوما.
استثمر الحوثيون هذا الغضب ، وقدموا أنفسهم في مقدمة المدافعين عن فلسطين ، وأطلقوا الصواريخ ، واستهدفوا الملاحة في البحر الأحمر، ورفعوا الشعارات التي تتجاوز حدود اليمن. وبغض النظر عن الأثر العسكري الفعلي لهذه العمليات ، فقد منحت الجماعة مادة دعائية هائلة ، ومكنتها من إعادة تقديم حربها الداخلية بوصفها جزءا من مواجهة أمريكا وإسرائيل.
لهذا كله تشكل هذا العداء الواسع للحوثيين. لم ينشأ لأنهم ينتمون إلى منطقة معينة (صعدة ) ولا لأنهم ينتسبون إلى أسرة أو مذهب بعينه فاليمن لا يجوز أن يتحول إلى ساحة كراهية على أساس الأنساب ، كما أن ملايين اليمنيين من مختلف المذاهب والأسر لا علاقة لهم بهذا المشروع. العداء موجه إلى منظومة سياسية وعقائدية مسلحة ، جعلت النسب مصدرا للسلطة ، والدين غطاء للحكم ، والسلاح بديلا عن الإرادة الشعبية.
لقد صنع الحوثيون أعداءهم بأيديهم . صنعوهم حين اقتحموا البيوت ، وصادروا الممتلكات ، وقطعوا الرواتب، وأغلقوا القنوات ، وقيدوا الجامعات ، وزرعوا الخوف في الوظيفة العامة ، وحولوا المدرسة إلى منصة تعبئة والقبيلة إلى خزان مقاتلين ، والدولة إلى غنيمة ، والوطن إلى ساحة مفتوحة لمشروع يتجاوز حدوده.
من هنا يمكن فهم السؤال والإجابة معا. لماذا تشكّل كل هذا العداء للحوثيين؟

زر الذهاب إلى الأعلى