هوية تفوق السياسة

سبتمبر نت: مقال – العميد/ عبدالحكيم الشريحي
في قلب الجزيرة العربية حيث تتشابك الجغرافيا بالتاريخ لتصنع واحدا من أعرق الإرثات الإحضارية تقف الوحدة اليمنية كشاهد حي على قوة الهوية الواحدة التي أبت أن تستسلم لعواصف الزمن وتقلبات السياسة.
إن الحديث عن صمود الوحدة اليمنية ليس مجرد رصد لحدث سياسي جرى في تسعينيات القرن الماضي، بل هو غوص في أعماق وجدان شعبي تشكل عبر آلاف السنين، حيث لم تكن الحدود المصطنعة بين شطرين إلا خطوطا عابرة على خارطة تراب يرفض التجزئة، ويتحرك بنبض واحد من مرابع تعز كل المحافظات الشمالية إلى عامة المحافظات الجنوبية.
لقد واجهت الوحدة اليمنية منذ إعلانها عواصف عاتية، تراوحت بين أزمات سياسية خانقة وحروب أهلية طاحنة وتدخلات خارجية سعت مرارا لاستغلال التباينات المحلية لتمزيق النسيج الاجتماعي، ومع ذلك فإن السر الحقيقي وراء صمود هذا الكيان لم يكن كامنا في القوة العسكرية، أو في صلابة المؤسسات السياسية التي غالبا ما أصابها الهشاش والضعف، بل كان يكمن في (الهوية الواحدة) التي تمثل خط الدفاع الأخير والمنيع. هذه الهوية ليست شعارا أيديولوجيا ترفعه النخب، بل هي حقيقة سوسيولوجية وثقافية معيشة، فالإنسان اليمني عبر القرون ظل مرتبطا بأرضه وبلسانه وبعاداته وتاريخه المشترك، وهو ما جعل من فكرة الانفصال أو التجزئة تبدو دائما كجسم غريب يحاول الاستيطان في جسد يرفضه بالفطرة.
إن العواصف التي ضربت اليمن لا سيما في العقود الأخيرة كانت كفيلة بتفتيت دول عظمى، لكن الخصوصية اليمنية تجلت في قدرة المجتمع على الفصل بين فشل الأنظمة السياسية، وفشل فكرة الدولة الموحدة.
لقد أدرك الوعي الجمعي اليمني – حتى في أحلك الظروف وأكثرها سوداوية – أن التشظي ليس حلا للأزمات الاقتصادية أو المظالم الحقوقية، بل هو بوابه لمزيد من الصراعات اللامتناهية.
من هنا تحولت الوحدة من صيغة سياسية قابلة للنقاش والتعديل في شكل الدولة إلى قيمة وجودية ترتبط بكرامة اليمني ومكانته بين الأمم. فالإنسان اليمني يرى في وحدته امتدادا طبيعيا لحضارات سبأ وحمير وقتبان وأوسان، وهي حضارات لم تعرف يوما منطق التشظي إلا وكان مؤشرا على أفول نجمها.
علاوة على ذلك فإن التداخل الديموغرافي والاجتماعي يشكل عصب هذا الصمود، فالقبائل والأسر والمصالح الاقتصادية تشابكت بطريقة تجعل من إعادة رسم الحدود أمرا يشبه بـتر الأعضاء الحية.
لقد تلاشت الفوارق المصطنعة في وعي الأجيال الجديدة التي ولدت ونمت في ظل وطن واحد، ورغم كل محاولات الشحن الجهوي والطائفي ظل المشهد الثقافي والروحي لليمنيين موحدا، تجمعهم الأغنية الواحدة والنشيد الواحد وحتى مهاجل الفلاحين والزراع والهم المشترك، والتطلع نحو المستقبل الذي لا يمكن أن يكون آمنا ومزدهرا إلا تحت مظلة جامعة.
وفي المحصلة يثبت التاريخ أن العواصف قد تنال من البناء الخارجي للدول، وتضعف سلطاتها المركزية، وتنهك اقتصاداتها لكنها تعجز عن اقتلاع الجذور إذا كانت ضاربة في أعماق الأرض.
إن صمود الوحدة اليمنية هو انتصار للهوية الإنسانية والتاريخية على العوامل السياسية العابرة، وبرهان قاطع على أن وحدة الدماء والأرض والمصير أصلب من أن تذروها رياح الأزمات لتظل هذه الوحدة – برغم كل الجراح – حقيقة ثابتة كجبال اليمن وعميقة كبحاره، ومستمرة كإرادة شعبه الصابر.