22 مايو 1990م.. يوم استعاد اليمن وحدته التاريخية

سبتمبر نت:
في صبيحة الـ22 من شهر مايو من العام 1990، لم يكن اليمنيون على موعد مع حدث سياسي عابر، بل مع لحظة تاريخية استثنائية أعادت رسم ملامح الوطن اليمني، ووضعت حدًا لعقود من الانقسام والتشظي، بإعلان قيام الجمهورية اليمنية وعودة الوطن الواحد تحت راية واحدة وعاصمة واحدة وهوية وطنية جامعة.
ذلك اليوم الذي ارتفع فيه علم الجمهورية اليمنية في مدينة عدن، لم يكن مجرد إعلان رسمي لاتفاق سياسي بين دولتين، بل تتويجًا لنضال طويل خاضه اليمنيون شمالًا وجنوبًا دفاعًا عن حلم الوحدة، واستعادة للهوية اليمنية الممتدة في جذور التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصير المشترك.
واليوم، وبعد مرور نحو 3 عقود وأكثر من نصف العقد الرابع، منذ تحقيق الوحدة اليمنية، ما يزال أرشيف تلك اللحظة “الخالدة”، يحتفظ بكثير من الشهادات والوثائق التي تكشف حجم التحولات الكبرى التي سبقت ميلاد الجمهورية الجديدة، وتوثق نجاح الإرادة الوطنية في تجاوز التعقيدات السياسية والإقليمية والدولية للوصول إلى واحد من أهم المنجزات الوطنية في التاريخ الحديث.
جذور تاريخية
لم تكن الوحدة اليمنية فكرة طارئة ولدت في نهاية القرن العشرين، بل امتداد طبيعي لوحدة الأرض اليمنية عبر قرون طويلة من التاريخ، فعلى امتداد الحضارات اليمنية القديمة، من سبأ وحمير وقتبان ومعين، ظل اليمن يُمثّل كيانًا حضاريًا متصلًا، تجمعه الجغرافيا والهوية الثقافية واللغة والمصالح المشتركة.
ومع دخول اليمن العصر الحديث، بقيت فكرة إعادة نموذج (اليمن الواحد) حاضرة في وجدان اليمنيين رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، خصوصًا بعد قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر، اللتين مثّلتا مشروعًا وطنيًا للتحرر من الإمامة والاحتلال، وفتحتا الباب أمام بناء الدولة اليمنية الحديثة.
ورغم الظروف السياسية التي أفرزت قيام دولتين واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب، خلال مرحلة الحرب الباردة، فإن الوحدة بقيت الهدف الوطني الجامع، والحلم الذي لم يغادر الوعي الشعبي والسياسي، لا سيما وأن أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر شملت ضمن بنودها الإشارة إلى السعي وراء تحقيق الوحدة اليمنية، وإعادة رسم خارطة البلاد على ما كان عليه الوضع منذ الأزل.
هوية واحدة
عقب ثورة 26 سبتمبر عام 1962، قامت الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، بينما تأسست جمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية في الجنوب بعد الاستقلال عن الاحتلال البريطاني عام 1967.
ورغم اختلاف النظامين السياسيين آنذاك، والتوجهات الاقتصادية بين صنعاء وعدن، غير أن الروابط الوطنية والاجتماعية والإنسانية ظلّت أقوى من عوامل الانقسام، فالعائلات اليمنية كانت ممتدة بين الشطرين، والأسواق والقبائل والعلاقات الاجتماعية لم تعترف يومًا بالحواجز السياسية، كما بقيت الثقافة والهوية الوطنية عاملًا موحدًا يتجاوز كافة التباينات.
ولهذا، لم تتوقف الدعوات الوحدوية منذ السنوات الأولية لقيام الدولتين، وجرى توقيع عدد من الاتفاقيات بين القيادتين في الشمال والجنوب، أكدت جميعها أن الوحدة تُمثّل الهدف النهائي للشعب اليمني.
محطات مبكرة
والأرشيفات الرسمية أن مشروع الوحدة مرّ بعدة مراحل ومحطات هامة، قبل أن يرى النور في 22 مايو 1990.
ففي عام 1972، جرى عقب مواجهات مسلحة بين الشطرين، توقيع اتفاق القاهرة، والذي نصّ على العمل لإقامة دولة يمنية موحدة بدستور واحد وعاصمة واحدة.
شهد الوضع بين الطرفين حالة من التهدئة الحذرة، وبمجيء الحمدي رئيسًا للشمال، وسالمين رئيسًا للجنوب، أذاب الرجلان كافة كرات الجليد بين الشطرين، وتوطّدت العلاقة بينهما متجاوزةً الأُطر الدبلوماسية، مشكلةً صداقة متينة بينهما، وبينما كانا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الوحدة اليمنية، بصورة كان يتوق لها كل اليمنيين، أبت التطورات السياسية تحقيق ذلك.
وعلى وقع مقتل الحمدي، وانتقام سالمين له، تجدّدت المواجهات المسلحة بين الشطرين بوتيرة أعنف، وسط اصطفافات إقليمية ودولية، لتقود وساطات عربية على وقع تلك الأحداث إلى توقيع بيان طرابلس في العاصمة الليبية في العام 1979، والذي ارتكز البيان على تجديد الالتزام بتحقيق الوحدة اليمنية، الذي لم يغب ذلك الهدف الأبرز رغم كل تلك التوترات التي شهدتها تلك المرحلة.
وعلى الرغم أن ظروف الحرب الباردة على مستوى العالم، والتجاذبات الإقليمية، أخّرت تنفيذ تلك الاتفاقات، فإنها حافظت على حضور الوحدة كخيار استراتيجي لا يُمكن التراجع عنه.
متغيرات عجّلت بالوحدة
مع دخول عقد الثمانينيات، بدأت الظروف السياسية والاقتصادية تتغيّر بصورة متسارعة، سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، إذ كان العالم يشهد تحولات كبرى مع اقتراب نهاية الحرب الباردة، بينما بدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات.
وفي الداخل اليمني برزت قناعة متزايدة لدى القيادات السياسية في الشمال والجنوب بأن الوحدة لم تعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وطنية واستراتيجية لتعزيز الاستقرار وبناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات.
كما أسهمت المتغيّرات الاقتصادية، واكتشافات النفط في المناطق الحدودية، في تعزيز الحاجة إلى قيام دولة موحدة تمتلك القدرة على إدارة الموارد الوطنية بصورة أكثر كفاءة واستقرارًا.
اتفاق عدن التاريخي
في 30 نوفمبر من العام 1989، شهدت عدن محطة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، حين وقع الرئيسان علي عبدالله صالح، وعلي سالم البيض الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، اتفاق إعلان الوحدة وإقرار مشروع دستور الجمهورية اليمنية، والذي عُرف باتفاق نفق “جولدمور”.
ونصّ اتفاق “جولدمور” على إعلان الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية، في نوفمبر من العام التالي 1990، إلا أنه في 22 من شهر أبريل من العام 1990، شهدت صنعاء اتفاقا تاريخيا بين الطرفين، قضى بتقديم إعلان الوحدة من شهر نوفمبر إلى شهر مايو، أي إلى بعد شهر من ذلك الاتفاق، والذي بُرّر حينها بأنه يأتي بهدف تسريع الاندماج ومباغتة الضغوط الخارجية.
وقد استقبل اليمنيون شمالًا وجنوبًا ذلك الاتفاق بفرحة عارمة، وخرجت الاحتفالات الشعبية في المدن اليمنية ابتهاجًا بقرب تحقيق الحلم الوطني الذي انتظرته الأجيال لعقود طويلة.
يوم استعادة الوطن
في صباح 22 مايو، احتشدت القيادات السياسية والعسكرية والشخصيات الوطنية في مدينة عدن لإعلان قيام الجمهورية اليمنية رسميًا، وفي ذلك اليوم التاريخي (رُفع علم الجمهورية اليمنية الجديد، وأُعلن عن الدستور الجديد، كما تشكّلت مؤسسات الدولة الموحدة، والإيذان ببدء مرحلة جديدة من تاريخ اليمن الحديث).
وعلى المستوى الشعبي، شهدت المدن والقرى والمحافظات اليمنية احتفالات واسعة، إذ خرج الملايين إلى الشوارع للتعبير عن فرحتهم بتحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام.
كما حظيت الوحدة اليمنية بترحيب عربي ودولي واسع، واعتُبرت نموذجًا وحدويًا ناجحًا في المنطقة العربية.
وتصدّر صحيفتا “الثورة” في صنعاء و”14 أكتوبر” في عدن، عنوان رئيسي موحد “مانشيت” بالخط العريض صُبغ باللون الأحمر الاحتفالي.. “في موكب مهيب.. عدن تحتضن فجر اليمن الجديد الشامل وراية الدولة الموحدة تخفق في سماء الوطن الواحد”.
مشروع بناء المستقبل
لم تكن الوحدة اليمنية مجرد دمج جغرافي بين دولتين، بل مشروع وطني متكامل لبناء دولة حديثة تقوم على التعددية السياسية والمؤسسات الدستورية والتنمية الشاملة.
فقدّ نصّ دستور الجمهورية اليمنية على (التعددية السياسية والحزبية، حرية الصحافة والتعبير، الانتخابات الديمقراطية، بناء مؤسسات وطنية موحدة).
كما مثّلت الوحدة خطوة مهمة لتعزيز التنمية الاقتصادية، وفتح الأسواق، وتوحيد الموارد الوطنية، وربط مختلف المحافظات ضمن مشروع وطني شامل.
تحديات التجربة الوحدوية
ورغم الإنجاز التاريخي الكبير الذي تحقق في مايو 1990، فإن تجربة الوحدة واجهت لاحقًا تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، نتيجة تراكمات الماضي والصراعات السياسية ومحاولات بعض القوى إعاقة مسار الدولة الجديدة.
فالقراءة الواقعية والمعتدلة بعيدًا عن (التشدّد الأعمى) بين “ملائكية” الوحدة و”شيطنتها”، ترى بأن المشكلة ليست في الوحدة كمشروع وطني قومي جامع، بل في طريقة تحقيقها والتي غابت عنها أي ضمانات، فضلًا عن سوء إدارتها فيما بعد، علاوةً عن الصراع على السلطة، وهو ما ترتب على ذلك كافة العواقب التي شابتها وأحيطت بها.
إلا أن تلك التحديات، ورغم صعوبتها، لم تنتقص من القيمة الوطنية والتاريخية للوحدة اليمنية، التي بقيت تُمثّل الركيزة الأساسية لاستقرار اليمن ووحدته وسيادته.
وقد أثبتت الأحداث خلال العقود الماضية أن الحفاظ على الوحدة يمثل الضمان الحقيقي لحماية اليمن من مشاريع التمزق والانقسام والفوضى.
إنجاز متجدّد
بعد نحو 36 عامًا على إعلان قيام الجمهورية اليمنية، ما تزال الوحدة تُمثّل أعظم مُنجز وطني في التاريخ اليمني المعاصر، ورمزًا لإدارة اليمنيين في تجاوز الخلافات والانتصار لهويتم الوطنية الجامعة.
ويكشف أرشيف مايو 1990، أن الوحدة لم تكن قرارًا سياسيًا عابرًا، بل تعبير صادق عن تطلعات شعب بأكمله، ظلّ يؤمن بأن اليمن مهما مرّ بالظروف والتحديات سيبقى “وطنًا واحدًا موحدًا”.
لقد أعادت الوحدة لليمن مكانته الطبيعية، وفتحت الباب أمام بناء الدولة الحديثة، ورسّخت مفهوم الشراكة الوطنية، لتظل ذكرى الثاني والعشرين من مايو محطة خالدة في وجدان اليمنيين، وعنوانًا دائمًا لوحدة الأرض والإنسان والمصير.