مقالات

ثقافة الغنيمة.. نهب السلاح بين الفوضى وانهيار الانضباط

 

 

سبتمبر نت/ مقال – حميد التماري

في خضم التطورات العسكرية التي تشهدتها محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن خلال الأيام الماضية، دخلت المحافظتان مرحلة مفصلية ومعارك حاسمة لاستعادة المعسكرات ومؤسسات الدولة التي كانت تسيطر عليها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وذلك في مواجهة مباشرة مع قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة اليمنية، والمدعومة من تحالف دعم الشرعية.

العمليات شملت اشتباكات ميدانية وغارات جوية قام بها التحالف تزامن ذلك مع تقدم القوات الحكومية لاستلام المعسكرات وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة.

غير أن هذه الانتصارات العسكرية السريعة والالتفاف الشعبي الواسع كشف للمتابع ظاهرة مجتمعية وأمنية خطيرة تتمثل في ما يمكن تسميته بـ “ثقافة الغنيمة”؛ وهي ظاهرة سلبية تتحمل الدولة بكل مؤسساتها مسؤولية معالجتها من خلال تثبيت دعائم الامن والاستقرار والتوعية القانونية والاعلامية والارشادية وتتحمل النخب المجتمعية والاعلامية والدينية مسؤولية توعية المجتمع.

إن المتابع والمعايش للمجتمع اليمني شماله وجنوبه يدرك أن ثقافة الفيد والغنيمة موجودة في كل المحافظات وقد برزت ملامح هذه الثقافة بوضوح عقب دخول القوات الحكومية، بدعم من التحالف العربي، لاستعادة المعسكرات والمؤسسات في محافظتي حضرموت والمهرة وقد اظهرت مقاطع مصورة وصور توثق عمليات اقتحام لمخازن عسكرية، وسرقة أسلحة وذخائر وآليات، نفذتها مجموعات.

وسبق ذلك، خلال الأسابيع الماضية، تسجيل تقارير محلية عن ضبط كميات من الذخائر الثقيلة كانت قد أُخذت من أحد المعسكرات في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة، بغرض الاتجار بها، بعد أيام فقط من سيطرة قوات الانتقالي على تلك المعسكرات.

كما وثّقت مصادر حقوقية وشهادات لسكان محليين حالات نهب واسعة للممتلكات العسكرية والمدنية أثناء دخول قوات الانتقالي إلى وادي حضرموت، شملت اقتحام مخازن السلاح، والاستيلاء على منازل عسكريين، والعبث بإمكانات الدولة.

هذه الوقائع والتقارير تعبّر بوضوح عن تجذر ثقافة “غنيمة الحرب”، حيث لا يُنظر إلى المعسكرات والمخازن بوصفها مؤسسات سيادية أو مسؤولية وطنية، بل كفرص مفتوحة للنهب والتربح السريع، في ظل غياب الضبط المؤسسي وضعف الوعي المجتمعي بسلوكيات ما بعد النزاع.

ورغم هذا العبث المجتمعي والتهور الشعبوي  تمكنت قوات “درع الوطن” من إحباط عدة محاولات تهريب وسيطرت على الأسلحة المنهوبة في اللحظات الأخيرة.

وبالتأمل في حيثيات هذه الظاهرة نجد أن ثقافة الغنيمة تنبع من مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها:

–  هشاشة البنية المؤسسية العسكرية والأمنية فتحت المجال أمام النهب والسطو على المخزون العسكري.

– غياب الوعي المجتمعي بالقانون والواجب الوطني.

  • الاستثمار واستغلال الأسلحة المنهوبة من قبل مجموعات مسلحة أو أفراد يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام تهديد المدنيين والعسكريين على حد سواء.

وهذه الظاهرة يترتب عليها تداعيات خطيرة، من أبرزها:

  • تغذية السوق السوداء للسلاح، إذ أن نهب مخازن الدولة يؤدي إلى انتشار السلاح خارج اطار القانون، ويُسهّل وصوله إلى جماعات متطرفة أو شبكات إجرامية.
  • انهيار الثقة بالمؤسسات: عندما يرى المواطن سلاح الدولة يُنهب ويُباع، تتآكل ثقته بالمؤسسات، ويميل للاعتماد على التسلح الفردي، بما يعمق ثقافة الفوضى ويقوض الانتماء الوطني.
  • تهديد الاستقرار المستقبلي: انتشار السلاح يخلق بيئة خصبة لنزاعات قبلية ومناطقية، وتتوسع دائرة الصراع.

بيد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مسارًا متكاملًا يشمل:

  • استعادة الدور السيادي لمؤسسات الدولة الأمنية في حفظ وتسجيل السلاح.
  • تعزيز الوعي المجتمعي بأن السلاح مسؤولية وطنية لا غنيمة حرب.
  • محاسبة كل من يثبت تورطه في النهب أو الاتجار غير المشروع بالسلاح، دون استثناء.
  • في لحظة التحول التي تمر بها المحافظات اليمنية، تبقى سيادة القانون ونبذ ثقافة الغنيمة الخط الفاصل بين مجتمع قادر على النهوض من أزماته، وفوضى ممتدة ستترك أثرًا مظلمًا على الأجيال القادمة.

ختاما: ثقافة الغنيمة ليست سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نتاج مباشر لغياب الدولة وسيادة القانون  ونتاج أزمة أخلاقية بقدر ما هي سياسية وأمنية، ومعالجة هذه الظاهرة لا تبدأ فقط باستعادة المخازن، بل ببناء وعي جمعي يضع السلاح في قفص القانون، ويُجرّم تحويله إلى غنيمة، أيًا كان الفاعل أو المبرر.

زر الذهاب إلى الأعلى