الطريق إلى 30 نوفمبر.. محطات الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني

سبتمبر نت/ تقرير
يوم الثلاثين من نوفمبر ليس مجرد تاريخ في الذاكرة اليمنية بل هو تتويج لعقود من الكفاح السلمي والمسلح الضاري الذي أجبر الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس على حزم حقائبها والرحيل، إذ يمثل هذا اليوم، نهاية حقبة استعمارية دامت 129 عاما في جنوب اليمن، وبداية مرحلة جديدة من تاريخه الحديث.
لم يكن الجلاء هدية أو قراراً سياسياً سهلاً بل كان حصاداً لدماء وتضحيات بدأت شرارتها في جبال ردفان الوعرة وامتد لهيباً إلى شوارع عدن الصاخبة، وبالتالي فإن الطريق إلى 30 نوفمبر 1967 كان مليئاً بالمحطات النضالية التي رسمت خريطة التحرير الوطني.
ما قبل الانفجار
منذ احتلال عدن في عام 1839، عملت بريطانيا على ترسيخ وجودها عبر استراتيجية مزدوجة: السيطرة المباشرة على مستعمرة عدن ذات الأهمية الاستراتيجية والتجارية، وإقامة نظام “المحميات” في المناطق الداخلية، وهذا النظام الأخير اعتمد على معاهدات حماية مع سلاطين ومشايخ محليين، مما أدى إلى تقسيم الجنوب إلى كيانات صغيرة متناحرة، وهي سياسة “فرق تسد” الكلاسيكية.
في محاولة أخيرة لتثبيت أركان حكمها في وجه المد القومي العربي المتصاعد، أنشأت بريطانيا في عام 1959 “اتحاد إمارات الجنوب العربي”، الذي تحول لاحقاً إلى “اتحاد الجنوب العربي” بضم مستعمرة عدن إليه في عام 1963.
كان الهدف المعلن هو منح الاتحاد استقلالاً شكلياً مع ضمان بقاء المصالح البريطانية العسكرية والاقتصادية، خاصة قاعدة عدن الجوية والبحرية، لكن هذا المشروع ولد ميتاً، إذ واجه رفضاً شعبياً واسعاً من قبل القوى الوطنية التي رأت فيه محاولة لشرعنة الاحتلال وتفتيت الهوية الوطنية.
كانت الأجواء السياسية في عدن تغلي، حيث نشطت النقابات العمالية والأحزاب السياسية المطالبة بالاستقلال الكامل، متأثرة بالثورة المصرية وخطاب الزعيم جمال عبد الناصر الذي كان يبث عبر إذاعة صوت العرب.
ردفان الشرارة الأولى
في هذا المناخ المشحون، لم يكن ينقص المشهد سوى الشرارة التي تشعل الثورة، وقد جاءت هذه الشرارة من جبال ردفان الشاهقة، التي كانت تمثل تحدياً جغرافياً وعسكرياً للقوات البريطانية.
كانت ردفان، الواقعة على الطريق بين عدن واليمن الشمالي، معقلاً للمقاومة التقليدية ضد النفوذ الأجنبي.
في 14 أكتوبر 1963، قاد الشهيد راجح بن غالب لبوزة، أحد أبرز رموز المقاومة، أولى العمليات المسلحة التي استهدفت القوات البريطانية في المنطقة، ولم تكن العملية مجرد اشتباك قبلي عابر بل كانت إعلاناً مدوياً ببدء الثورة المسلحة الشاملة، وكانت هذه العملية بمثابة كسر لحاجز الخوف، حيث أثبتت أن القوة العسكرية البريطانية ليست عصية على الاختراق.
ردت بريطانيا على ثورة ردفان بحملة عسكرية وحشية، عرفت باسم “حملة ردفان” أو “عملية كسارة البندق”، حيث استخدمت القوات البريطانية أقصى درجات القوة، بما في ذلك القصف الجوي المكثف والمدفعية الثقيلة، لإخماد المقاومة في الجبال.
ورغم القوة النارية الهائلة التي استخدمتها الإمبراطورية، فشلت الحملة في كسر إرادة الثوار، بل على العكس، ساهمت وحشية الرد البريطاني في تأجيج المشاعر الوطنية ونقل عدوى الكفاح المسلح إلى مناطق أخرى، وتحولت الثورة من تمرد قبلي إلى نضال وطني منظم، تبنته لاحقاً “الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل”، التي تأسست في نفس العام.
انتقال المعركة الى حرب المدن
كانت عدن، “درة التاج البريطاني” ومقر القيادة الاستعمارية، هي الهدف الاستراتيجي التالي للثورة، ولم يكن بالإمكان تحقيق الجلاء دون زعزعة الأمن في قلب المستعمرة.
شكل انتقال الكفاح المسلح من جبال ردفان إلى شوارع عدن المزدحمة نقطة تحول حاسمة في مسار الثورة، حيث تحولت طبيعة القتال من حرب عصابات في الجبال إلى حرب مدن تعتمد على العمليات الفدائية.
في 10 ديسمبر 1963، وبعد أقل من شهرين على انطلاق ثورة ردفان، وقعت عملية نوعية هزت أركان الوجود البريطاني في عدن، حيث نفذ الفدائي خليفة عبد الله حسن خليفة عملية تفجير قنبلة في مطار عدن الدولي، استهدفت اجتماعاً للمندوب السامي البريطاني وقيادات الاتحاد الفيدرالي.
أسفرت العملية عن مقتل نائب المندوب السامي البريطاني، جورج هندرسون، وإصابة العشرات، وكان لهذه العملية صدى دولي واسع، وأدت إلى إلغاء المؤتمر الدستوري الذي كان يهدف إلى تثبيت الحكم البريطاني عبر الاتحاد، مما كشف هشاشة الوضع الأمني البريطاني في المدينة وأثبت أن لا مكان آمن للمستعمر.
بعد هذه العملية، تحولت عدن إلى مسرح لـ “حرب المدن” التي اعتمدت على العمليات الفدائية السريعة والمباغتة، حيث استهدفت العمليات القواعد العسكرية، ومراكز الشرطة، والمسؤولين البريطانيين والمتعاونين معهم.
لعبت الخلايا السرية للجبهة القومية وجبهة التحرير دوراً محورياً في تنفيذ هذه العمليات، مستغلين معرفتهم الدقيقة بتضاريس المدينة وحماية السكان لهم، كما كان للمرأة اليمنية دور بطولي في هذه المرحلة، حيث شاركت الفدائيات في نقل المتفجرات والأسلحة، وفي بعض الأحيان في تنفيذ العمليات، مستغلات صعوبة تفتيشهن من قبل القوات البريطانية، وكان الهدف من هذه العمليات ليس فقط إلحاق الخسائر بالعدو، بل أيضاً إحداث حالة من عدم الاستقرار النفسي والأمني تجعل بقاء القوات البريطانية مكلفاً ومستحيلاً.
توحيد الهدف وتعدد الوسائل
رغم بروز ملامح صراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، الا ان التنافس بينهما كان يصب في النهاية في مصلحة تسريع وتيرة العمليات المسلحة، حيث سعت كل جبهة لإثبات أنها الأكثر قدرة على طرد المستعمر.
أدركت بريطانيا خطورة هذا الانقسام وحاولت استغلاله، لكنها فشلت في النهاية أمام إصرار الجبهة القومية على حسم المعركة عسكرياً على الأرض، وهو ما مكنها من السيطرة على معظم المحميات قبل الجلاء.
1967 عام الحسم
كان عام 1967 هو عام الذروة والانهيار السريع للوجود البريطاني، حيث تصاعدت العمليات الفدائية بشكل غير مسبوق، وتحولت عدن إلى منطقة حرب مفتوحة.
كانت معركة كريتر في يونيو 1967، من أبرز محطات الكفاح المسلح التي أظهرت مدى تآكل السيطرة البريطانية، فبعد تمرد جنود من جيش الاتحاد الفيدرالي، دخل مقاتلو الجبهة القومية وجبهة التحرير إلى حي كريتر التاريخي في عدن وسيطروا عليه بالكامل، ما اضطر القوات البريطانية إلى الانسحاب من الحي، ثم عادت لتدخله بعد أيام بعملية عسكرية ضخمة عرفت باسم “عملية قلعة ستيرلنغ”.
ورغم نجاح البريطانيين في استعادة السيطرة، إلا أن السيطرة المؤقتة للثوار على الحي لمدة أسبوعين أثبتت أن البريطانيين فقدوا السيطرة على المدينة، وكانت بمثابة إهانة عسكرية وسياسية للإمبراطورية.
بالتوازي مع حرب المدن، حققت الجبهة القومية انتصارات حاسمة في المحميات الشرقية والغربية، حيث بدأت سلطات الاتحاد الفيدرالي بالانهيار الواحدة تلو الأخرى في ما يشبه تأثير الدومينو، وفر السلاطين والأمراء المتعاونون مع بريطانيا، وخلعت الجبهة القومية حكاماً محليين، وسيطرت على المراكز الإدارية والعسكرية.
بحلول أكتوبر 1967، كانت الجبهة القومية قد سيطرت فعلياً على معظم الأراضي باستثناء عدن، مما جعلها القوة الوحيدة التي يمكن لبريطانيا التفاوض معها.
وأمام تصاعد العنف، وفشل محاولات التسوية السياسية، والضغوط الدولية، وتزايد الخسائر البشرية والمادية، اتخذت الحكومة البريطانية قراراً نهائياً بالانسحاب غير المشروط، وكان هذا القرار بمثابة اعتراف صريح بفشل استراتيجيتها في الجنوب اليمني وبانتصار الكفاح المسلح.
التفاوض الأخير والجلاء المجيد
بدأت بريطانيا في التفاوض مع الثوار في جنيف في نوفمبر 1967، وتوجت المفاوضات بالاتفاق على موعد الجلاء النهائي.
وفي صباح يوم 30 نوفمبر 1967، أنزل العلم البريطاني للمرة الأخيرة في عدن، وغادر آخر جندي بريطاني الأراضي اليمنية.
كانت لحظة تاريخية فارقة، أعلنت فيها الجبهة القومية قيام “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية”، منهية بذلك 129 عاماً من الاحتلال. كان هذا الجلاء نصراً مدوياً للكفاح المسلح، ورمزاً لانتصار الإرادة الوطنية على قوة عظمى.
إرث التضحية
إن الطريق إلى 30 نوفمبر لم يكن سهلاً، بل كان درساً في الصمود والتضحية، حيث أثبت الكفاح المسلح اليمني أن إرادة الشعوب في التحرر أقوى من أي قوة عسكرية، مهما كانت عظمتها.
ويظل عيد الجلاء رمزاً لانتصار الإرادة الوطنية، وشهادة على أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن ثورة 14 أكتوبر كانت البداية الحقيقية لإنهاء الوجود الأجنبي وبناء الدولة الوطنية.
إن ذكرى الجلاء في 30 نوفمبر ليست مجرد احتفال بانتهاء حقبة، بل هي استلهام لروح التضحية والوحدة التي مكنت اليمنيين من تحقيق هذا النصر التاريخي، وهي دعوة دائمة للحفاظ على السيادة الوطنية التي دفع ثمنها الأجداد غالياً.