30 نوفمبر يوم تجلّت فيه الإرادة اليمنية وانتصر الكفاح الوطني على الاستعمار

سبتمبر نت/ تقرير- توفيق الحاج
رغم القبضة الحديدية التي فرضها الاستعمار البريطاني على عدن ومينائها الحيوي ومنافذها البحرية ومحافظاتها المجاورة، ظلّ اليمنيون الأحرار شعلة لا تنطفئ، كانوا ينتفضون بين الحين والآخر في مسيرات جماهيرية تهدر بالغضب وترفض سياسات المحتل، فيواجهها الإنجليز بالقمع والاعتقال والتعذيب.
غير أنّ تلك الأساليب القاسية لم تُضعف عزائم الأحرار، ولم تُثنِ أبناء الوطن عن مواصلة حراكهم الثوري والجهادي ضد المستعمر.
وفي الرابع عشر من أكتوبر 1963، أعلن اليمنيون انطلاق ثورتهم التحررية من جبل ردفان الشامخ بقيادة الشهيد غالب لبوزة، لتصبح صرخة الحرية هذه شرارةً دوّت أصداؤها في أرجاء اليمن كافة، وتحوّلت براكين الغضب في صدور الأحرار إلى قوة شعبية عارمة، تداعت من شمال اليمن وجنوبه لنصرة ثوار ردفان، وبإرادة الرجال وعزيمة الأبطال نجح اليمنيون في إنهاك المستعمر وإيقاع الهزائم به عبر عمليات بطولية وفدائية كبّدت قوات الاحتلال البريطاني خسائر موجعة في الأرواح والعتاد، الأمر الذي دفعه في نهاية المطاف إلى الفرار من أرض الأحرار.
ورغم استشهاد مفجّر الثورة غالب لبوزة، إلا أن جذوة النضال لم تخفت، واستمرت الثورة تتقد لسنوات حتى اضطر المحتل إلى توقيع اتفاقية الجلاء، ليغادر آخر جندي بريطاني مدينة عدن في 30 نوفمبر 1967م، معلناً نهاية حقبة استعمارية مظلمة.
لحظة فارقة
ثمانية وخمسون عاماً مرّت على التحرر من الاستعمار والانتداب والوصاية البريطانية، ثمانية وخمسون عاماً على جلاء آخر جندي بريطاني من التراب اليمني بعد مسيرة نضالية طويلة، خطّ خلالها اليمنيون صفحات من البطولات التي امتدت قرابة 129 عاماً، إنها سنوات كتب فيها الشهداء والمناضلون لوحة الانتصار اليمني على الإمبراطورية التي كانت تتباهى بأن الشمس لا تغيب عن ممتلكاتها.
لقد مكّن نضال اليمنيين وإصرارهم من إشعال ثورة الرابع عشر من أكتوبر، وصولاً إلى تتويجها بإعلان الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967م، حيث أنزل العلم البريطاني من جنوب الوطن ورفرف علم الحرية في لحظة ستظل محفورة في ذاكرة اليمنيين، لحظة فارقة غيّرت مسار التاريخ ورسمت فجر السيادة والكرامة لليمن أرضاً وشعباً.
عوامل الانتصار
عوامل عديدة ساعدت على تعجيل خروج الاستعمار في نهاية نوفمبر من عام 1967 بعد أربع سنوات من الكفاح المسلح المتدرج من السرية إلى العلنية، وما تخلله من تباينات بين فصائل الكفاح المسلح، دفعتها إلى التصادم والاقتتال أكثر من مرة، والانشغال عن العدو الأكبر المتمثل في الاستعمار البريطاني، ليكون العام 1967 فاتح خير لتكتل القوى الوطنية بقيادة الجبهة القومية، وخصوصاً بعد مؤتمر حُمر الثالث، وبعد قرار الجبهة القومية الانسلاخ عن جبهة التحرير والعمل بشكل مستقل، ما ساعدها على الارتقاء بالعمل الفدائي إلى مستوى المجابهة اليومية المباشرة مع قوات الاحتلال في عدن، اعتباراً من مطلع 1967 مروراً ببعثة الأمم المتحدة في أوائل أبريل 1967 وتحرير كريتر لمدة 15 يوماً في 20 يونيو 1967 وإقامة سلطة الجبهة القومية في الأرياف ومحاصرة مدينة عدن وتحريرها نهائياً وانتزاع الاستقلال والحرية في 30 نوفمبر 1967، وما كان لهم ذلك، لولا توافر عدة عوامل ساعدت في تطور ونجاح العمل الفدائي بعدن، أهمها بحسب الأستاذ المناضل محمد سعيد عبدالله “محسن”: وقوف الشعب إلى جانب الثورة بمدينة عدن والسلوك والأخلاق اللذان كان يتحلى بهما الثوار في علاقاتهم وتعاملهم مع المواطنين. وكذلك العلاقة الحميمة بين رفاق النضال، والثقة الكاملة وعدم التفكير إلا بنجاح مهامهم، وحفاظهم على بعضهم.
وقد صاحب هذه العوامل التي كانت السبب الأبرز في انتزاع الاستقلال عدد من الاحداث التي صقلت الفكر النضالي الوطني للثوار واكسبتهم تجارب وخبرة في استهداف المحتل وإرباك خططه وحساباته في هذه السطور نستعرض أبرز أحداث عام الاستقلال المجيد 1967م.
أحداث عام الاستقلال
يناير 1967م مسيرة جماهيرية للجبهة القومية بنعوش ملفوفة بالأعلام البريطانية.
فبراير 1967م فدائيو حرب التحرير ينفذون عدة عمليات ضد مواقع وتجمعات الاحتلال في الشيخ عثمان وظهور أهم شخصية في الجبهة القومية في مؤتمر صحفي علني في أبين دون تعرض قوات الاحتلال له ومظاهرات عارمة في عدن، في 11 فبراير للمطالبة بمقاطعة الاحتفالات بالذكرى الثانية لقيام اتحاد الجنوب العربي الموالي للاحتلال، وتجددت المظاهرات الشعبية المعادية للاحتلال بعدن في 15 فبراير، حاملة على الأكتاف جنازة رمزية للشهيد مهيوب علي غالب “عبود”، أحد شهداء انتفاضة الشيخ عثمان، كما حفل شهر فبراير بسلسلة من الاغتيالات السياسية في أوساط الفصائل الجنوبية المناهضة للعدوان، وسط اتهامات متبادلة بين منظمة التحرير والجبهة القومية والرابطة الجنوبية.
1 مارس 1967 إطلاق قوات الاحتلال النار على المتظاهرين بعدن، انتقاماً لمقتل امرأة بريطانية بسبب انفجار قنبلة.
8 مارس 1967 إصدار الجامعة العربية قراراً تشجب فيه التواجد البريطاني في جنوب اليمن.
2 أبريل 1967 إضراب عام شل كافة أجهزة العمل في مدينة عدن، دعت إليه الجبهة القومية وجبهة التحرير في وقت واحد.
3 أبريل 1967 فدائيو حرب التحرير ينفذون عدة عمليات عسكرية ناجحة ضد مواقع وتجمعات المستعمر البريطاني في مدينة الشيخ عثمان بعدن، كبدوا خلالها القوات الاستعمارية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وسقط خلالها عدد من الشهداء في صفوف الفدائيين.
مايو – يونيو 1967 محادثات الوحدة الوطنية “الأولى” بين الجبهة القومية وجبهة التحرير بالقاهرة، ركزت على إعادة تشكيل الجبهة المتحدة الوطنية، على أساس جبهوي، أي أن أداة الثورة تظل جبهة التحرير، وتوحد قيادة الجبهتين، وتظل كل جبهة محتفظة بتنظيمها الخاص، وتوزيع نسب التمثيل بالقيادة بواقع الثلثين لجبهة التحرير والثلث للجبهة القومية.
وتبعها جولة ثانية من المحادثات استجابة لنداء علماء الدين والشعب وعدد من الشخصيات الوطنية، المطالبة بإنهاء الاقتتال الأهلي بين الجبهتين، وضرورة توحيد القوى الوطنية، كون المستفيد الوحيد من الشقاق بينهما هو الاستعمار.
يونيو 1967 هزيمة العرب في حرب حزيران 1967 مع الكيان الصهيوني، وكتيبتان من جيش التحرير من أبناء عدن والجنوب تستشهدان بالكامل في سيناء.
20 يونيو 1967 تمكن الفدائيون من السيطرة على مدينة كريتر لمدة أسبوعين.
21 يونيو 1967 ثوار الجبهة القومية يسيطرون على عاصمة إمارة الضالع ومعهم آلاف المواطنين الذين دخلوها في مسيرة حافلة يتقدمهم “علي أحمد ناصر عنتر”.
يوليو 1967 انقلاب الجبهة القومية من جديد على الجبهة الوطنية المتحدة.
يوليو 1967 التنظيم الشعبي وجبهة التحرير يقصفون مواقع الجبهة القومية في دار سعد ويخرجونها منها.
أغسطس 1967 تأهب الجبهة القومية والإنجليز والجيش الموالي لتصفية فدائيي التنظيم الشعبي وجبهة التحرير.
12 أغسطس 1967 الجبهة القومية تسيطر على مشيخة المفلحي، بعد أن زحفت عليها، بمظاهرة كبيرة شارك فيها أبناء القرى والمناطق المحيطة بالمشيخة، وتوالى بعد ذلك سقوط السلطنات والمشيخات بيد الجبهة.
17 سبتمبر 1967 الجبهة القومية تسيطر على السلطنة القعيطية، التي كانت تسيطر على ساحل حضرموت وبعض مناطق وادي حضرموت.
سبتمبر 1967 آخر اتفاق مع الجبهة الوطنية المتحدة من قبل القوميين.
28 سبتمبر 1967 تأسيس إذاعة المكلا، التي انطلقت باسم “صوت الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل”.
2 أكتوبر 1967 سيطرة الجبهة القومية على السلطنة الكثيرية، التي كانت تسيطر على مناطق حضرموت الداخل.
2 نوفمبر 1967 انقلاب القوميين “الجبهة القومية” على الاتفاق وتفجيرها الاقتتال، فيما اعتبر حربا أهلية.
5 نوفمبر 1967 قيادة الجيش الاتحادي في الجنوب المحتل تعلن وقوفها إلى جانب الثورة ودعمها للجبهة القومية، بعد أن باتت غالبية المناطق تحت سيطرة الجبهة.
7 نوفمبر 1967 انسحاب جزء كبير من الفدائيين إلى شمال اليمن تحت تهديد الطائرات البريطانية ووقوع 7 آلاف يمني في الأسر في معتقلات عشوائية بعدن وأبين.
14 نوفمبر1967 وزير الخارجية البريطاني “جورج براون” يعلن أن بلاده على استعداد تام لمنح الاستقلال لجنوب اليمن في 30 نوفمبر 1967 وليس في 9 يناير 1968، كما كان مخططاً له سابقاً.
21 – 22 نوفمبر1967م بدء المفاوضات في جنيف بين وفد الجبهة القومية ووفد الحكومة البريطانية من أجل نيل الاستقلال، وانسحاب القوات البريطانية من الجنوب، وجرى في ختام المفاوضات توقيع اتفاقية الاستقلال بين وفد الجبهة القومية برئاسة قحطان محمد الشعبي، ووفد المملكة المتحدة البريطانية برئاسة اللورد شاكلتون وممن حضر هذه المفاوضات من القوميين العرب نايف حواتمه كمراقب غير معلن.
26 نوفمبر 1967 بدء انسحاب القوات البريطانية من عدن، ومغادرة الحاكم البريطاني “هامفري تريفليان”.
29 نوفمبر1967 جلاء آخر جندي بريطاني من مدينة عدن، وتوقيع بريطانيا والجبهة القومية اتفاقا، وافقت بموجبه بريطانيا على استقلال الجنوب بشكل مؤقت، على أن تستكمل المفاوضات حول الاستقلال النهائي في ديسمبر 1968 بين الحكومة البريطانية والحكومة الجديدة للجمهورية الشعبية للجنوب اليمني.
30 نوفمبر 1967م إعلان الاستقلال الوطني وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، بعد احتلال بريطاني دام 129 عاماً، وأصبحت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل إبان حرب التحرير تتولى مسؤولية الحكم، وصدور قرار القيادة العامة للجبهة القومية بتعيين قحطان محمد الشعبي أمين عام الجبهة، رئيساً لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية لمدة سنتين، وإعلان تقسيم سياسي وإداري جديد للمحافظات الشمالية والشرقية، يضم 6 محافظات و30 مديرية، وكان الاستعمار البريطاني قد عمل على تقسيم الجنوب إلى 21 إمارة وسلطنة ومشيخة، بالإضافة إلى مستعمرة محمية عدن، لكل منها كيانها السياسي والإداري وحدودها وعلمها وجواز سفرها وجهازها الأمني، والمرتبطة في الأخير بالمندوب السامي البريطاني في عدن.
الأحداث والعوامل صنعها الشعب اليمني وحقق بذلك الانتصارات والانجازات العظيمة في فترات قياسية والمتتبع للأحداث الموصلة إلى تحقيق يوم ال30 من نوفمبر1967م يجد أن هذا الانجاز العظيم والخالد يعد أبرز الإنجازات اليمنية على الأطلاق.
ففي هذا اليوم ال30من نوفمبر انتصار اليمنيين لمبادئ وأهداف الثورة اليمنية الخالدة سبتمبر وأكتوبر المجيدتين التي أعلنها أبناء شعبنا اليمني مدوية للعالم بجلاء ورحيل آخر جندي استعماري بريطاني محتل لجنوب الوطن اليمني الحبيب في ٣٠ من نوفمبر الخالد عام ١٩٦٧م انتصرت الإرادة اليمنية على ظلم المســتعمر الغاشم وانتصرت أطول ثورة وطنية إنسانية تحررية في العالم على أعتى نظام وأعتى دولة اســتعمارية بريطانيا العظمى التي كانت لا يغيب عن ملكها الشمس.
وجماهير الشعب اليمني يحتفــلون بهذه الذكرى العظيمة فإنه من الواجب تذكر الرجال الشرفاء الأوفياء الأحرار الذين بذلوا دماءهم وأرواحهم رخيصة فداءً للوطن، ودفاعاً عن حرية وكرامة أبنائه ســواء أولئك الذين رحلوا بعد أن سطروا تاريخاً مشرقاً لأنفســهم ووطنهــم، أو أولئك الذين مــا يزالون اليوم يخوضــون الملاحم في مختلف جبهات القتال وميادين الشرف يقدمون التضحيات ويبذلون أرواحهم دفاعا عن الحرية والكرامة التي دافع عنها ثوار سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر.