بريطانيا والذئاب الحمر

عقيد ركن / سعيد صالح جواس
تُعد ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة ثورة كفاحٍ مسلح ومقاومةٍ ضد المستعمر البريطاني المحتل، الذي جثم على تراب الجنوب اليمني قرابة مئةٍ وتسعةٍ وعشرين عاماً.
لقد صنعت العزيمة والإرادة القوية وحدةَ الشعب وإصراره على مواجهة التحديات والظلم والاستبداد في شمال اليمن وجنوبه، فهبَّ الثوار من أبناء المناطق الجنوبية والشرقية بقيادة الشهيد راجح بن غالب لبوزه للقتال ضد الإمامة الكهنوتية ودعم ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م.
وقد تمكن الثوار، وعددهم أكثر من ألفٍ ومائتي مقاتل من قبائل ردفان وأبين والضالع ويافع وعدن والصبيحة وغيرها، من حسم المعارك في المناطق التي أوكلت إليهم في شمال اليمن، في حجة وصنعاء وخولان والمحابشة وعبس وصرواح ومناطق أخرى، حتى انتصرت الثورة في شمال الوطن.
وبعد أن عاد الثوار من الشمال عقب حسمهم للمعارك هناك، واصلوا نضالهم بوتيرةٍ عاليةٍ لمقارعة ومجابهة الاحتلال البريطاني الظالم، فانطلقت في صباح يوم الرابع عشر من أكتوبر عام 1963م أولُ شرارةٍ للثورة من جبال ردفان، وسقط أول شهيدٍ يومها هو الشهيد راجح بن غالب لبوزه، ليُسجَّل بذلك ميلاد الثورة المسلحة في جنوب الوطن.
إن ثورة الرابع عشر من أكتوبر ليست مجرد احتفالاتٍ أو أحداثٍ عابرة، بل هي نضالٌ وتضحياتُ شعبٍ استمرت أكثر من أربع سنوات حتى عام 1967م، تكللت بخروج آخر جندي بريطاني من عدن.
لقد أصبحت ثورة اكتوبر تدرَّس في الأكاديميات العسكرية ضمن دراسات الحرب غير التقليدية وحرب العصابات، إذ أبدع أبناء ردفان والثوار في تلك المناطق في استخدام الخطط العسكرية والتكتيكية التي أرعبت القوات البريطانية المحتلة.
ولم يكن تأثير الثورة محلياً فحسب، بل امتد صداها إلى العالم أجمع، حتى صارت تقارن بثوراتٍ كبرى مثل ثورة فيتنام وحرب أكتوبر 1973 في مصر وغيرها من الثورات التحررية، فثورة الشعب في الجنوب ضد المستعمر البريطاني الغاشم في المدن والأرياف استمرت أربع سنوات متتالية، سطر فيها الأحرار أروع الملاحم البطولية في جميع المناطق، وخرجت المظاهرات والمسيرات في احتجاجاتٍ شعبيةٍ وطلابية، إلى جانب العصيان المدني في المدن الرئيسية.
ورغم الانتشار العسكري الواسع الذي نفذته القوات البريطانية في مناطق ردفان عقب اندلاع الثورة، واستخدامها كل ترسانتها العسكرية من مدفعيةٍ وصواريخٍ وأسرابٍ من الطائرات المروحية والمقاتلات التي ظهرت ببعضها أعلامٌ تشير إلى دولٍ أوروبية أخرى متحالفة مع بريطانيا، فإن ذلك لم يُضعف من عزيمة الثوار، بل زادهم إصراراً وثباتاً.
لقد ارتكب الجيش البريطاني جرائم مروعة بحق أبناء ردفان، فدمّر منازل المواطنين وأحرق المزارع وقتل المواشي، وعاث في الأرض فساداً، ومنع الأهالي من العودة إلى منازلهم طوال أربع سنوات، ومع ذلك، لم تستطع بريطانيا العظمى، رغم قوتها وترسانتها، أن تُخضع أبناء ردفان الذين أذاقوها الموت والرعب في صفوف جنودها.
وأطلقت بريطانيا على الثوار الأبطال من أبناء ردفان لقب “الذئاب الحمر”، وهو مصطلح مستمد من طبيعة تكتيك الذئاب في الغابات والأدغال، ويُشير إلى الخبرة في القتال، ودقة تنظيم الصفوف، وتوزيع المقاتلين بحسب العمر والخبرة، واستخدام السلاح في موضعه، وتوجيه النيران بدقة نحو العدو، وقد أصبح هذا التكتيك مثالاً يحتذى، ويدرس اليوم في الأكاديميات العسكرية ضمن مناهج حرب العصابات والحروب غير التقليدية.
ومن هنا، نأمل من جميع الباحثين والمهتمين بتاريخ الثورة اليمنية تحري المصداقية، ومنح ثورة 14 أكتوبر ما تستحقه من اهتمامٍ بحثي وتوثيقي، من خلال النزول الميداني وجمع الروايات الحقيقية التي تكشف الكثير من الملاحم البطولية التي أرعبت العدو وأجبرته في النهاية على إعلان استسلامه ورحيله في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م.
إن احتفال شعبنا بهذه المناسبة العظيمة هو احتفالٌ بالحرية والكرامة لكل مواطنٍ حرٍّ وشريفٍ تذوق طعم العزة بفضل الله ثم بفضل أولئك الثوار المقاتلين الذين سطروا أروع البطولات. نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة.
ونحن نشارك شعبنا اليوم احتفاله بهذه المناسبة الخالدة، يحدونا الأمل الكبير بأن يأتي اليوم الذي نحتفل فيه بانتصارنا العظيم على بقايا الظلام والكهنوت الرجعي الإمامي.
تهانينا لقيادتنا السياسية والعسكرية، ولجميع الأبطال المقاتلين في مختلف الجبهات، وعاشت اليمن حرةً أبية، وعاش شعبها متمسكاً بمبادئ الثورة والوحدة والحرية.