فاتورة التردد

افتتاحية 26سبتمبر
ما تشهده الساحة اليمنية اليوم يتجاوز حدود الصراع السياسي التقليدي، أو النزاع على السلطة لينتقل إلى مربع الخطر الوجودي الذي يهدد كينونة المجتمع اليمني وهويته الجامعة.
فالممارسات الممنهجة التي تتبعها جماعة الحوثي في صناعة جيل جديد مشبع بالأيدولوجيا الطائفية الإقصائية تمثل قنبلة موقوتة تتعدى أضرارها الحاضر لتلغم المستقبل.
إن تكثيف الدورات الثقافية الطائفية، وإعادة صياغة المناهج التربوية وفق رؤية أحادية لا تقبل التعايش تهدف بالدرجة الأولى إلى استئصال الآخر فكريا ووجوديا، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى محاضن للتعبئة العقائدية التي لا ترى في المخالف إلا عدوا يجب تصفيته.
ويأتي هذا التجريف للهوية بالتوازي مع قبضة أمنية حديدية تزج بمن يقف أمامها في غياهب السجون، وتعمل على تصفية كل من يشكل حجر عثرة أمام هذا المشروع الدخيل مما يجعل من عامل الوقت سلاحا فتاكا يصب في مصلحة المليشيا التي تعيد تشكيل الوعي الشعبي بالقوة والإكراه.
وفي المقابل يبدو المشهد داخل معسكر الشرعية والتحالف العربي بحاجة ماسة إلى مراجعة استراتيجية جذرية وشجاعة، فبينما تسابق المليشيا الزمن لفرض واقع اجتماعي وسياسي جديد يغرق الطرف المقابل في دوامة من الترضيات السياسية لمكونات طارئة، باتت تشكل عبئا سياسيا وأخلاقيا، واستنزاف هائل للموارد الوطنية والمالية دون تقديم أثر ملموس على الأرض، بل يضعف جبهة المواجهة، ويشتت الجهود نحو معارك جانبية لا تخدم القضية المصيرية، وعليه فإن الاستمرار في سياسة المراضاة على حساب الاستثمار في جبهات القتال والبناء المؤسسي الحقيقي، يعطي المليشيا فرصة ذهبية لترسيخ أقدامها، وزيادة كلفة الحسم المستقبلي.
إن الحقيقة الماثلة اليوم هي أن الوقت ينفد، وأن خيار الحسم العسكري الخاطف لم يعد مجرد خيار مطروح، بل ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يكتمل بناء الجدار الطائفي العازل الذي تشيده الجماعة الحوثية بين أبناء الوطن الواحد، وإن بقاء مؤسسات الدولة والتحالف في حالة من الركود بانتظار حلول سياسية فارغة، بينما المليشيا تعد العدة لمستقبلها الإجرامي لهو مقامرة بمصير أمة بأكملها، فالمصلحة الوطنية العليا تستدعي توجيه كل الطاقات والإمكانات المادية والبشرية نحو الداخل اليمني وإيقاف نزيف الأموال التي تهدر على تمثيل دبلوماسي وإعلامي متضخم غير فاعل، والبدء الفوري في تحرك عسكري وسياسي حازم ينهي حالة الارتباك والجمود، فكل يوم يمر دون حسم حقيقي يعني تمكينا أكبر للمشروع الطائفي، وزيادة مضاعفة في فاتورة التحرير التي يدفعها اليمنيون من دمائهم وهويتهم ومستقبل أجيالهم.
إن الرهان على عامل الوقت دون تحرك جذري هو رهان خاسر بكل المقاييس السياسية والعسكرية، إذ إن المعركة اليوم ليست مجرد استعادة جغرافيا، بل هي معركة استعادة إنسان وتاريخ يراد لهما الاغتراب عن محيطهما العروبي والوطني.
ما يجب التأكيد عليه هو أن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الشرعية والتحالف تفرض عليهم اليوم وأكثر من أي وقت مضى، الانحياز الكامل لخيارات الحسم وتجاوز سياسة الاحتواء والمهادنة التي لم تنتج سوى مزيد من التغول الحوثي، فالتاريخ لن يغفر لمن انشغل بتدليل (هوامش القضية) وترك (متنها) يغرق في ظلام الأدلجة الطائفية، والبدار في هذه اللحظة الفارقة ليس مجرد حاجة تكتيكية، بل هو طوق النجاة الأخير للحفاظ على يمنٍ جمهوري تعددي، قبل أن يستيقظ العالم على واقع جديد مفخخ بأجيال لا تؤمن بغير لغة الموت والإقصاء سبيلا.