أحدث الاخبارمقالات

الجمهورية أولاً

 

سبتمبر نت: القاضي د. أحمد عطية
عضو الفريق القانوني للمجلس الرئاسي

ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ليست ذكرى عابرة في تاريخ اليمن، وليست مناسبة للاحتفال ثم نعود بعدها إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يكن؛ سبتمبر قضية وطن، ومشروع دولة، وذاكرة شعب، ومعركة مستمرة من أجل أن يبقى اليمن جمهورياً حراً، وأن تبقى إرادة اليمنيين فوق كل ادعاء بالحق في الحكم أو احتكار للسلطة باسم السلالة أو النسب أو الكهنوت.
في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، لم يخرج اليمنيون بحثاً عن تغيير شكلي في اسم الحاكم، وإنما خرجوا من أجل تغيير جوهري في طبيعة الدولة والمجتمع والإنسان. خرجوا للتحرر من الاستبداد، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وبناء جيش وطني يحمي البلاد ويحرس الثورة ومكتسباتها. وهذه ليست شعارات طارئة، بل أهداف واضحة أعلنتها الثورة ودفعت أجيال من اليمنيين ثمناً باهظاً من أجلها.
لقد كانت الإمامة بالنسبة لليمنيين تجربة سياسية وتاريخية ارتبطت بالحكم الفردي واحتكار السلطة، ولذلك جاءت ثورة سبتمبر لتضع حداً لذلك النموذج وتفتح الطريق أمام الجمهورية والمواطنة المتساوية وسيادة الشعب. والمؤلم أن اليمن اليوم يواجه محاولة لإعادة إنتاج خطاب يقوم على مفاهيم يرى خصوم الحوثيين أنها امتداد للمشروع الإمامي، بينما تؤكد القيادة اليمنية في خطاباتها أن الصراع الراهن يرتبط بالدفاع عن الجمهورية والشراكة الوطنية وسيادة الشعب.
الخطر الحقيقي ليس في أن يتغير اسم الإمامة، وإنما في أن تعود فكرتها. فإذا أصبح الحكم حقاً حصرياً لجماعة أو أسرة أو سلالة، وإذا أصبح المواطنون درجات، وإذا أصبحت الدولة ملكاً لجماعة، وإذا تحول الولاء للوطن إلى ولاء للأشخاص، وإذا جرى إخضاع مؤسسات الدولة للقوة والسلاح، فإن جوهر المشكلة الإمامية يكون قد عاد، حتى لو تغيرت الأسماء والشعارات.
ولهذا فإن الدفاع عن سبتمبر ليس دفاعاً عن الماضي فقط؛ بل دفاع عن المستقبل.
والحوثي، في نظر خصومه السياسيين والعسكريين، لا يمثل مجرد انقلاب على حكومة أو خلافاً سياسياً عابراً، بل مشروعاً يسعى إلى إعادة بناء السلطة والمجتمع وفق تصور يتعارض مع مفهوم الجمهورية والمواطنة المتساوية. وقد وثّقت خطابات رسمية يمنية اتهامات للحوثيين باحتكار المؤسسات والموارد، وتقييد الحريات، والتدخل في القضاء والتعليم، وفرض نموذج سياسي وصفته تلك الخطابات بالكهنوتي.
ومن هنا يجب أن يفهم اليمنيون أن معركة الجمهورية لا تحتمل التمزق الداخلي.
لا يمكن أن ندافع عن سبتمبر ونحن مختلفون على أصل الجمهورية، ولا يمكن أن نحمي الدولة ونحن نقدم خلافاتنا الحزبية والمناطقية والمذهبية على مصلحة الوطن، ولا يمكن أن نواجه مشروعاً يريد احتكار اليمن بينما ينشغل الجمهوريون بتصفية حساباتهم فيما بينهم.
إن الجمهورية ملك لكل اليمنيين.
و26سبتمبر ملك لكل اليمنيين.
والجيش الوطني ملك لكل اليمنيين.
والدولة ملك لكل اليمنيين.
ولهذا فإن الواجب اليوم هو أن يلتف اليمنيون حول مؤسسات الدولة والقيادة السياسية الشرعية، وأن يوحدوا صفوفهم في مواجهة أي مشروع يريد مصادرة قرار اليمنيين أو إعادة البلاد إلى نظام يقوم على الامتياز والاستعلاء واحتكار الحكم.
ولا يعني الالتفاف حول القيادة السياسية إلغاء النقد أو إسكات الرأي أو تعطيل حق المواطن في المحاسبة؛ بل يعني توحيد البوصلة الوطنية حول الثوابت التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة: الجمهورية، الدولة، المواطنة المتساوية، وحدة اليمن، وسيادة الشعب.
لقد أثبت التاريخ أن الانقسامات الداخلية كانت دائماً باباً تتسلل منه المشاريع المناقضة للدولة.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للجمهوريين اليوم أن يتحول خلافهم السياسي إلى عداوة تستنزف قواهم، بينما يظل المشروع الإمامي يعمل على الأرض، ويبني مؤسساته، ويعيد تشكيل وعي الأجيال.
يا أبناء اليمن:
إن الذين صنعوا سبتمبر لم يكونوا جميعاً من حزب واحد، ولا من منطقة واحدة، ولا من قبيلة واحدة؛ جمعهم هدف أكبر من كل هذه الانتماءات: أن يكون اليمن لليمنيين، وأن يكون الحكم دولة لا سلالة، ومواطنة لا طبقات، وقانوناً لا نزوة، ومؤسسات لا جماعة.
ومن الوفاء لشهداء سبتمبر أن نحافظ على المعنى الذي ضحوا من أجله، لا أن نحول ذكراهم إلى مهرجان سنوي وكلمات عاطفية.
سبتمبر مسؤولية. والجمهورية مسؤولية. والدولة مسؤولية.
وحماية هذه المكتسبات مسؤولية كل يمني.
إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التشرذم، بل إلى اصطفاف جمهوري واسع، تتقدم فيه مصلحة الوطن على الحسابات الحزبية والمناطقية، وتتكاتف فيه القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية حول مشروع الدولة، وتدعم مؤسساتها، وتدافع عن الجمهورية، وتعمل على استعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني.
لقد قال رئيس مجلس القيادة في إحدى كلماته بمناسبة سبتمبر إن إحياء الذكرى ينبغي أن يتحول إلى دعوة للتماسك والثبات واستعادة مؤسسات الدولة والدفاع عن الجمهورية.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نتمسك به اليوم:
لا عودة إلى الإمامة.
لا عودة إلى الكهنوت.
لا حكم بالسلالة.
لا دولة داخل الدولة.
لا شرعية فوق إرادة الشعب.
لا بديل عن الجمهورية.
ومن أراد أن يختلف سياسياً فليختلف، ومن أراد أن ينتقد فلينتقد، ومن أراد أن يطالب بالإصلاح فليطالب به؛ لكن يجب أن نتفق جميعاً على أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يبنى على أنقاض الجمهورية.
إن سبتمبر لم يمت، لأن فكرة الحرية لا تموت، وفكرة الجمهورية لا تموت، وإرادة الشعب لا تموت.
وإذا كان هناك من يحاول أن يعيد اليمن إلى التخلف من جديد بعد أن أسقط اليمنيون حكم الإمامة في السادس والعشرين من سبتمبر، فإن الرد الحقيقي ليس بالشعارات وحدها، وإنما بوعي الشعب، ووحدة الصف، وقوة الدولة، وصلابة المؤسسات، والتفاف اليمنيين حول مشروع الجمهورية.
ستبقى راية سبتمبر مرفوعة، وستبقى الجمهورية هي العنوان، وسيبقى اليمن وطناً لكل أبنائه، لا ملكاً لجماعة، ولا امتيازاً لسلالة، ولا غنيمة لحزب.
ومن أراد أن يحمي سبتمبر، فليحمِ الجمهورية.
ومن أراد أن يحمي الجمهورية، فليحمِ الدولة.
ومن أراد أن يحمي الدولة، فليوحد الصف الجمهوري.
فاليمن لا يحتمل أن يخسر الجمهورية مرة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى