الأخبار الرئيسيةمقالات

الشائعات والأخبار الكاذبة وأثرها وموقف الشريعة الاسلامية والمشرع اليمني منها

 

سبتمبر نت – القاضي/ عقيل تاج الدين

في أوقات الحروب والأزمات والاضطرابات، لا تقتصر المعركة على ميادين القتال، ولا تُحسم نتائجها بالسلاح وحده؛ إذ أصبحت المعلومة أحد أهم أسلحة الصراع، وأصبح الخبر الكاذب والشائعة والدعاية المضللة قادرة على إحداث آثار قد تتجاوز في خطورتها أحياناً آثار بعض الأعمال المادية المباشرة.
فالعدو الذي يعجز عن اختراق موقع عسكري قد يحاول اختراق العقل والمعنويات، والذي لا يستطيع هزيمة المقاتل في الميدان قد يسعى إلى هزيمته نفسياً، من خلال نشر أخبار كاذبة عن الخسائر، أو القيادات، أو انهيار الجبهات، أو نقص السلاح والذخيرة، أو هروب الوحدات، أو وقوع انتكاسات غير حقيقية، أو تضخيم خسارة محدودة وتحويلها إلى صورة توحي بانهيار شامل.
وهنا تتحول الشائعة من مجرد كلام متداول إلى أداة من أدوات الحرب النفسية، ويصبح نشرها وتداولها، متى توافرت شروط التجريم، فعلاً يمس الأمن العام والاستعدادات الحربية والروح المعنوية للقوات المسلحة والمجتمع.
أولاً: الشائعة ليست مجرد خبر كاذب
الشائعة هي معلومة أو رواية تنتشر بين الناس دون أن تستند إلى مصدر موثوق، وقد تكون مختلقة بالكامل أو مبنية على واقعة جزئية جرى تحريفها أو تضخيمها أو إخراجها من سياقها.
أما الخبر الكاذب فهو نقل واقعة أو معلومة على خلاف الحقيقة مع توافر العلم بكذبها والقصد إلى نشرها، أو في الحالات التي يحدد فيها القانون نطاق التجريم وفقاً لعناصر الجريمة الخاصة بكل نص.
وتزداد خطورة الشائعة عندما تتوافر فيها ثلاثة عناصر:
1. سرعة الانتشار.
2. ارتباطها بموضوع حساس يمس الأمن أو الجيش أو المجتمع.
3. قدرتها على التأثير في السلوك والمواقف والمعنويات.
ولذلك فإن خطورة الشائعة لا تقاس فقط بكونها كاذبة، وإنما كذلك بالنتائج التي يمكن أن تترتب على نشرها وتداولها.
ثانياً: أثر الشائعات على معنويات القوات المسلحة
الجيش يعتمد في جانب كبير من قدرته القتالية على الثقة والانضباط واليقين بالهدف والقيادة والزملاء.
ومن ثم فإن الحرب النفسية تستهدف هذه العناصر تحديداً.
إذا كانت الشائعة خطيرة داخل المؤسسة العسكرية، فإن آثارها على المجتمع لا تقل خطورة.
1. إثارة الخوف والهلع
عندما تنتشر أخبار كاذبة عن سقوط المدن أو انتشار الأمراض أو انهيار مؤسسات الدولة أو وقوع مجازر أو أعمال انتقام واسعة، فإنها تخلق حالة من الخوف الجماعي.
وقد نص قانون الجرائم والعقوبات اليمني صراحة على تجريم بعض صور إذاعة الأخبار أو البيانات أو الإشاعات الكاذبة عندما يكون من شأنها إثارة الفزع بين الناس أو إضعاف الروح المعنوية في الشعب.
2. زعزعة الثقة بالمؤسسة العسكرية
عندما تتكرر الأخبار الكاذبة التي تتحدث عن انهيار الوحدات العسكرية أو فشل القيادات أو نقص الإمكانات، فإنها قد تؤدي إلى خلق حالة من الشك داخل المؤسسة العسكرية، حتى ولو كانت تلك الأخبار لا تستند إلى حقيقة.
فالخطر لا يكمن في الخبر الكاذب ذاته فقط، وإنما في الأثر النفسي المتراكم لتكراره. ومتى فقد المواطن ثقته بالمعلومة الرسمية وبمؤسسات الدولة، أصبح أكثر قابلية لتصديق الشائعة، وهنا تدخل الدولة والمجتمع في دائرة خطيرة من انعدام الثقة وانتشار الفوضى المعلوماتية.

3. إضعاف الروح المعنوية للمقاتلين
المقاتل الذي يتلقى بصورة مستمرة أخباراً عن هزائم غير حقيقية أو خسائر مبالغ فيها قد يبدأ في الشعور بأن المعركة خاسرة، وأن التضحيات لا جدوى منها، وأن الظروف تتجه نحو الانهيار.
وقد يؤدي ذلك إلى الخوف والتردد وفقدان الثقة بالنفس وبالقيادة.
4. التأثير في أسر المقاتلين:
الشائعة لا تصل إلى الجندي وحده؛ بل تصل إلى أسرته فعندما تنتشر أخبار كاذبة عن مقتل وحدة أو سقوط موقع أو محاصرة مجموعة من الجنود، فإن الأسرة قد تعيش حالة من الذعر، وقد تنتقل هذه الحالة إلى المقاتل نفسه، فتؤثر في تركيزه واستقراره النفسي.

5. خلق الشك بين أفراد القوات المسلحة:
ومن أخطر الشائعات تلك التي تستهدف العلاقة بين القادة والمرؤوسين أو بين الوحدات العسكرية، كأن تنشر ادعاءات عن الخيانة أو التخاذل أو التخلي عن بعض الوحدات.
فهذه الأخبار، إذا كانت كاذبة ومتعمدة، يمكن أن تؤدي إلى تفكيك الثقة الداخلية، وهي من أهم عناصر القوة العسكرية.
6. التأثير في القرارات والسلوك:
قد تؤدي المعلومة الكاذبة إلى اتخاذ قرارات مبنية على واقع غير موجود، خصوصاً إذا صدرت في ظروف العمليات العسكرية. ولهذا فإن نشر المعلومات العسكرية الحساسة من غير مصادرها المخولة لا يمثل مجرد مخالفة إعلامية، وإنما قد يترتب عليه خطر مباشر على سلامة القوات والعمليات.
7.تمزيق النسيج الاجتماعي
قد تستهدف بعض الشائعات قبيلة أو منطقة أو فئة اجتماعية أو مؤسسة معينة، فتخلق حالة من العداء والاحتقان.
ولهذا حظر قانون الصحافة والمطبوعات ما يؤدي إلى إثارة النعرات القبلية أو الطائفية أو العنصرية أو المناطقية أو السلالية، وبث روح الشقاق والتفرقة بين أفراد المجتمع.
8. إرباك الحياة العامة
الشائعة قد تتسبب في سلوك جماعي غير مبرر؛ كالتدافع على المواد الغذائية، أو سحب الأموال، أو النزوح، أو إغلاق المحال، أو تعطيل المؤسسات، أو الهروب من المناطق الآمنة، بناءً على معلومات غير صحيحة.
وبذلك يمكن أن تتحول الشائعة إلى عامل اضطراب اجتماعي واقتصادي وأمني.

رابعاً: الشائعة في المنظور الشرعي (الكتاب والسنة)
لم يقف الإسلام موقف المقيد تجاه خطورة الكلمة، بل صنف بث الأخبار الكاذبة والمقلقة في زمن الحروب كجريمة خطيرة تهدد الأمن القومي والأمة بأسرها.
أ: القرآن الكريم ووصم “المرجفين”:
سمى القرآن الكريم مروجي الشائعات وباثي الخوف بـ “المرجفين”، وقرنهم بالمنافقين في أشد آيات الوعيد:
(لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا) [الأحزاب: 60]. فالإرجاف هو اضطراب القلوب بالخوف الناشئ عن الأخبار المضللة. كما وضع القرآن القاعدة الذهبية للتعامل مع الأخبار زمن الأزمات والحروب في قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83]، مبيناً أن إذاعة الأخبار القتالية دون تمحيص أو رجوع للقيادة الميدانية هي تخريب مباشر للمجهود الحربي.
ب: السنة النبوية والتحذير من كسر المعنويات:
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على سلامة الجبهة الداخلية، ونهى عن التثبيط والتخذيل. ورد في الحديث: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) [رواه مسلم]، وفي موازين الجيوش، يعتبر الحديث بكل ما يسمع فتحاً لثغرات اختراق العدو للروح المعنوية للجنود.
خامساً:: موقف المشرع اليمني من بث الشائعات والأخبار الكاذبة (قراءة قانونية)
وعياً من المشرع اليمني بجسامة هذا الفعل وأثره الكارثي على حماية الوطن، فقد تعامل مع بث الشائعات في زمن الحرب ليس كجرم عادي أو جنحة صحفية، بل كجريمة صريحة من جرائم الخيانة العظمى والإضرار بالدفاع الوطني، وتناولها في أكثر من موضع في التشريعات العامة والعسكرية ، وبحسب طبيعة الخبر والنتيجة والقصد والمصلحة المحمية، على النحو التالي:
1. حماية الاستعدادات الحربية والروح المعنوية
أ. قانون الجرائم والعقوبات العام (رقم 12 لسنة 1994م)
المادة (126) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م من أبرز النصوص التي قررت عقوبة الإعدام على من يتعمد ارتكاب فعل بقصد إضعاف القوات المسلحة، ومن ذلك إذاعة أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو القيام بدعاية مثيرة، متى كان من شأن ذلك إلحاق الضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد أو العمليات الحربية للقوات المسلحة أو إثارة الفزع بين الناس أو إضعاف الروح المعنوية في الشعب.
وهذا النص يكشف بوضوح أن المشرع اليمني ينظر إلى الحرب النفسية التي تستهدف القوات المسلحة والشعب باعتبارها فعلاً بالغ الخطورة.
واللافت هنا أن المشرع لم يقصر الحماية على القوات المسلحة، وإنما مدها إلى الروح المعنوية في الشعب، إدراكاً منه أن الجبهة العسكرية والجبهة الشعبية مترابطتان.
ب. قانون الجرائم والعقوبات العسكرية (رقم 21 لسنة 1998م)
فصل التشريع العسكري الأفعال بحسب طبيعة المسرح العملياتي (“خدمة الميدان” مقابل “الأوقات العادية”):
المادة (15 / ط): نصت على أن يُعاقب بالإعدام أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة كل من أرتكب بقصد الخيانة: “إذاعته أو نشره أو ترديده أثناء خدمة الميدان بأية وسيلة أخباراً أو بيانات أو شائعات بقصد إثارة الفزع أو الرعب أو إيقاع الفشل بين القوات وكان من شأن تلك الأخبار أو البيانات أو الشائعات أن تؤدي إلى تحقيق ذلك الغرض.”
والمادة (26 / و): عالجت صورة أخرى من صور إرباك القوات عن طريق الإشارات أو الشائعات الميدانية السريعة: بنصها التالي:”يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بجزاء أقل منه يتناسب مع نتائج الجريمة كل شخص خاضع لأحكام هذا القانون ارتكب إحدى الجرائم الآتية وقت خدمة الميدان… و: إطلاقه عيارات نارية أو استعماله إشارات ضوئية أو ألفاظاً أو أية وسائل أخرى بحيث تمكن عن قصد من إيقاع فشل أو إعلان استنفار بدون مبرر سواء كان ذلك أثناء المعركة أو أثناء المسيرة أو في الميدان…”
2. تجريم إذاعة الأخبار التي تكدّر الأمن العامة
نصت المادة (136) من قانون الجرائم والعقوبات العام على معاقبة من يذيع أخباراً أو بيانات كاذبة أو مغرضة أو دعاية مثيرة بقصد تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق ضرر بالمصلحة العامة.
وهذا النص أوسع من نطاق الأخبار العسكرية؛ فهو يحمي الأمن العام والمصلحة العامة من آثار النشر الكاذب المتعمد.
3. تجريم نشر الأخبار الكاذبة التي تكدّر السلم العام
كما تناولت المادة (198) من قانون الجرائم والعقوبات العامة نشر الأخبار الكاذبة أو المزورة أو المختلقة أو المنسوبة كذباً إلى الغير، متى كان من شأنها تكدير السلم العام أو الإضرار بالصالح العام، مع تشديد الأثر العقابي إذا تحقق تكدير السلم العام أو الإضرار بالصالح العام فعلاً.
وهنا يتضح أن المشرع يميز بين مجرد نقل معلومة وبين النشر الكاذب ذي الأثر الضار على السلم أو الصالح العام.
سادساً: موقف قانون الصحافة والمطبوعات
لم يقتصر التنظيم على قانون الجرائم والعقوبات، بل وضع قانون الصحافة والمطبوعات قيوداً على النشر حمايةً للمجتمع والدولة.

فقد أوجب القانون على الصحفي الحصول على المعلومات والحقائق من مصادرها الموثوقة ونقلها إلى الجمهور بصورة صادقة وأمينة، كما حظر نشر المعلومات غير الموثوق بصحتها أو تشويه المعلومات الصحيحة أو نسبة الأقوال والأفعال إلى الأشخاص والجهات دون التحقق من صحتها.

كما حظر القانون نشر ما يؤدي إلى إثارة النعرات وبث روح الشقاق والتفرقة، وتعمد نشر بيانات أو أخبار غير صحيحة بما يؤدي إلى التشويش والبلبلة، فضلاً عن التحريض على العنف والإرهاب.

وهذا يعني أن حرية الصحافة لا تعني حرية اختلاق الوقائع، كما أن حرية التعبير لا تمنح صاحبها حصانة من المسؤولية عندما يتحول النشر إلى فعل مجرّم تتوافر عناصره القانونية.

سابعاً: الفرق بين النقد المشروع والشائعة المجرّمة
من المهم جداً عدم الخلط بين الأمرين.
فليس كل خبر خاطئ بالضرورة جريمة، وليس كل نقد للمؤسسة العسكرية أو أداء الدولة شائعة.
هناك فرق بين النقد والشائعة وبين السر، والخبر الغير مؤكد:
فالنقد هو : إبداء رأي أو تقييم لسياسة أو أداء أو قرار، ولو كان قاسياً، ما دام في إطار القانون.
الشائعة هي: اختلاق واقعة أو نشر معلومة كاذبة أو مغرضة وتداولها على نحو من شأنه إحداث أثر ضار، متى توافرت عناصر الجريمة التي حددها القانون.
والمعلومة العسكرية السرية: هي المعلومات التي يحظر القانون نشرها أو إذاعتها حمايةً لأمن الدولة والقوات المسلحة.
والخبر غير المتحقق منه: وهو الخبر الذي يقتضي التثبت قبل النشر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحرب أو حياة الناس أو الأمن أو القوات المسلحة.
ومن ثم فإن مكافحة الشائعات لا تعني إسكات النقد، وإنما تعني منع تحويل الكذب والتضليل والتحريض إلى أدوات للإضرار بالأمن والمجتمع والقوات المسلحة.

ثامناً: وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الخطر أكبر
في الماضي كانت الشائعة تحتاج إلى وقت حتى تنتقل من منطقة إلى أخرى، أما اليوم فقد تنتشر خلال دقائق إلى ملايين الأشخاص.
وقد يقوم شخص واحد بإنتاج خبر كاذب، ثم يقوم آلاف الأشخاص بإعادة نشره دون تحقق، فيتحول الخبر خلال ساعات إلى ما يشبه “الحقيقة الاجتماعية” رغم أنه لا أساس له.
والأخطر أن بعض الشائعات تُصاغ بطريقة احترافية، فتستخدم:
– صوراً قديمة على أنها حديثة.
– مقاطع من حوادث سابقة.
– وثائق مزورة.
– حسابات وهمية.
– تسجيلات صوتية مفبركة.
– تصريحات منسوبة كذباً إلى مسؤولين.
– عناوين مثيرة.
– أرقاماً مضخمة.
– معلومات صحيحة جزئياً جرى تركيبها في سياق كاذب.
ومن هنا فإن إعادة النشر دون تحقق قد تسهم في توسيع الضرر، حتى إذا لم يكن الناشر الأول هو من اختلق الشائعة.
تاسعاً: المسؤولية الوطنية في مواجهة الشائعة
مواجهة الشائعة ليست مسؤولية الجيش وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا الصحفيين وحدهم، وإنما هي مسؤولية مشتركة.
وتبدأ المواجهة من خلال:
1. سرعة إصدار المعلومة الصحيحة
فالفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الشائعة.
كلما تأخرت الجهة المختصة في توضيح الحقيقة، زادت مساحة الشائعات والتفسيرات.
2. وجود مصدر رسمي موثوق
ينبغي أن تكون هناك جهة واضحة تتولى المعلومات المتعلقة بالعمليات والأحداث العسكرية، بحيث يعرف المواطن والمقاتل من أين يحصل على الخبر الصحيح.
3. التحقق قبل النشر
لا ينبغي للمواطن أن يتعامل مع الهاتف ومواقع التواصل باعتبارها مصدراً للحقيقة، وإنما عليه أن يسأل:
من أين جاء الخبر؟
هل مصدره معروف؟
هل توجد جهة رسمية أو موثوقة تؤكده؟
هل الصورة حديثة؟
هل التصريح منسوب إلى صاحبه فعلاً؟
4. عدم إعادة نشر الشائعة
أحياناً يكون الشخص الذي يعيد نشر الخبر جزءاً من سلسلة انتشار الشائعة، حتى وإن لم يكن هو من اختلقها.

ولهذا يجب أن يكون المبدأ:
«لا تنشر ما لم تتحقق؛ ولا تجعل هاتفك أداة في يد من يريد إضعاف معنويات الجيش والمجتمع.»
عاشراً: الشائعة كسلاح في الحرب النفسية
الحرب النفسية تقوم في جوهرها على التأثير في إرادة الخصم قبل أو أثناء أو بعد المواجهة العسكرية.

ومن أخطر صورها:
اختلاق الانتصارات للعدو، وتضخيم خسائر القوات، ونشر أخبار الخيانة والانقسام، وإثارة الخوف، والتشكيك في القيادة، ونشر الإحباط بين المقاتلين وأسرهم.
ولذلك فإن مواجهة الشائعة ليست مجرد عمل إعلامي، وإنما هي جزء من حماية الأمن الوطني والأمن العسكري والأمن المجتمعي.
والعدو قد ينفق ملايين الدولارات لإنتاج حملة إعلامية، بينما يكفي مواطن واحد يضغط زر “إعادة إرسال” لكي تنتشر الرسالة في آلاف الهواتف.

خاتمة
إن الشائعة في زمن الحرب ليست دائماً كلاماً عابراً، والخبر الكاذب ليس دائماً مجرد خطأ إعلامي؛ فقد يتحول إلى سلاح نفسي يستهدف الإنسان قبل أن يستهدف الموقع العسكري.

فإذا استهدفت الشائعة الجندي، فإنها تستهدف معنوياته؛ وإذا استهدفت أسرته، فإنها تستهدف استقراره النفسي؛ وإذا استهدفت المجتمع، فإنها تستهدف ثقته وأمنه؛ وإذا استهدفت الدولة، فإنها تستهدف هيبتها وقدرتها على إدارة الأزمة.
ولهذا أدرك المشرع اليمني خطورة هذا السلوك، فوضع نصوصاً تجرّم صوراً من إذاعة الأخبار والبيانات والإشاعات الكاذبة أو المغرضة عندما ترتبط بالإضرار بالاستعدادات الحربية أو العمليات العسكرية أو إثارة الفزع أو إضعاف الروح المعنوية، كما جرم صوراً أخرى من الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن العام أو السلم العام أو المصلحة العامة.
لكن المواجهة القانونية وحدها لا تكفي؛ فالقانون يعاقب بعد وقوع الفعل وتوافر أركانه، بينما الوقاية تبدأ قبل ذلك من الوعي، وسرعة نشر الحقيقة، وشفافية الجهات المختصة، ورفع الوعي الإعلامي، والتثبت قبل إعادة النشر.

إن المعركة الحقيقية ضد الشائعات هي معركة من أجل العقل والثقة والمعنويات.

وفي ظروف الحرب، قد تكون حماية معنويات جندي واحد حمايةً لمعنويات وحدة كاملة، وقد تكون حماية وعي أسرة واحدة حمايةً لمعنويات مقاتل في الجبهة، وقد يكون منع انتشار شائعة واحدة حمايةً لمجتمع كامل من الخوف والاضطراب.
فلا تمنحوا الشائعة ما لا تستحقه من ثقة، ولا تجعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي منصات مجانية للحرب النفسية.
تحقق قبل أن تصدق، وتثبت قبل أن تنشر، واعلم أن الكلمة في زمن الحرب قد تكون موقفاً وطنياً، وقد تتحول ـ إذا كانت كاذبة ومتعمدة وذات أثر ضار ـ إلى جريمة يعاقب عليها القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى