مقالات

الحماية الجنائية للأطفال في النزاعات المسلحة ومسؤولية مليشيا الحوثي الإرهابية عن الانتهاكات الجسيمة

 

سبتمبر نت: القاضي/ صلاح القميري

تُعد حماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة من القواعد الأساسية في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لما تفرضه طبيعة الطفولة من حماية خاصة تحول دون استغلال الأطفال أو تعريضهم لمخاطر الأعمال العدائية. وقد تطورت هذه الحماية إلى منظومة قانونية تحظر وتجرّم، متى استوفت الأفعال عناصرها وشروطها، قتل الأطفال وتشويههم، وتجنيدهم أو استخدامهم في الأعمال العدائية، واختطافهم، والعنف الجنسي ضدهم، والهجمات غير المشروعة على المدارس والمرافق الصحية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة في اليمن في ضوء ما وثقته تقارير الأمم المتحدة وآليات الرصد والتحقيق الوطنية والدولية من انتهاكات جسيمة بحق الأطفال، ونسبت جانباً منها إلى مليشيات الحوثي، ولا سيما تجنيد الأطفال واستقطابهم وتدريبهم واستخدامهم أو تعريضهم للأعمال العدائية، فضلاً عن صور أخرى من القتل والإصابة والاختطاف والاحتجاز والعنف الجنسي والهجمات التي ألحقت أضراراً بالمدارس والمرافق الصحية.
ولا تستند المسؤولية القانونية إلى مجرد الاتهام السياسي أو الإعلامي، وإنما إلى الوقائع والأدلة القابلة للتحقق والإسناد القضائي. ولذلك، فإن نسبة الانتهاكات إلى مليشيات الحوثي بوصفها جماعة منظمة لا تعني تلقائياً مسؤولية كل فرد من أفرادها، وإنما تستوجب تحديد الأشخاص الذين ثبت ارتكابهم للجريمة أو مساهمتهم فيها بأي صورة من صور المساهمة الجنائية، كما تستوجب بحث مسؤولية القيادات والآمرين متى توافرت شروطها القانونية.
ويقوم الإطار القانوني للمساءلة على تداخل التشريع اليمني مع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والبروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وقواعد القانون الدولي العرفي، ونظام روما الأساسي في حدود انعقاد اختصاصه.
كما تبرز أهمية قانون حقوق الطفل رقم (45) لسنة 2002م، وقانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم (21) لسنة 1998م، وسائر التشريعات الجزائية والإجرائية ذات الصلة، مع الالتزام بمبادئ الشرعية الجنائية وشخصية المسؤولية وقواعد الاختصاص والإسناد.
وتتناول منظومة الأمم المتحدة ستة انتهاكات جسيمة ضد الأطفال، هي: قتل الأطفال وتشويههم، وتجنيدهم أو استخدامهم في الأعمال العدائية، والعنف الجنسي ضدهم، واختطافهم، والهجمات على المدارس والمستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية. غير أن إدراج فعل ضمن هذه الانتهاكات لا يعني تلقائياً ثبوت جريمة حرب، بل يتعين تحديد طبيعة الواقعة وسياقها وصلتها بالنزاع وعناصرها المادية والمعنوية والنص القانوني المنطبق عليها.

أولاً: الأساس القانوني للحماية الجنائية للأطفال
تقوم الحماية الجنائية للأطفال على منظومة متكاملة من:
1-التشريع اليمني، وفي مقدمته قانون حقوق الطفل وقانون الجرائم والعقوبات العسكرية والقوانين الجزائية والعسكرية والإجرائية الأخرى .
2-اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م.
3-البروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة.
4-اتفاقيات جنيف لعام 1949م.
5-البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977م.
6-قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.
7-نظام روما الأساسي في الحدود التي ينعقد فيها الاختصاص الدولي.
وتتكامل هذه المصادر في توفير حماية خاصة للأطفال، مع اختلاف طبيعة الالتزامات وحدود التجريم والاختصاص التي يقررها كل مصدر.

ثانياً: الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق الأطفال

تشمل الانتهاكات الجسيمة للأطفال في النزاعات المسلحة قتلهم وتشويههم، وتجنيدهم أو استخدامهم في الأعمال العدائية، والعنف الجنسي ضدهم، واختطافهم، والهجمات على المدارس والمستشفيات، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وتكتسب هذه الأفعال وصفها الجنائي بحسب طبيعة كل واقعة وظروف ارتكابها وتوافر عناصر الجريمة في القانون الوطني أو الدولي. ومن ثم يجب التمييز بين التوصيف الحقوقي للانتهاك وبين التكييف الجنائي للجريمة، إذ لا يثبت الأخير إلا باستكمال عناصره وإسناده إلى شخص محدد.

ثالثاً: مسؤولية مليشيات الحوثي وقياداتها عن الانتهاكات

اثبتت التقارير ذات الصلة باليمن إلى توثيق أنماط مستمرة من الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال، ونسبت نسبة مهمة منها إلى مليشيات الحوثي، وبخاصة في مجال تجنيد الأطفال واستقطابهم وتدريبهم واستخدامهم في الأعمال العدائية وتعريضهم لمخاطر القتال.
وتقتضي المساءلة الجنائية الانتقال من إثبات وجود الانتهاك إلى تحديد مرتكبيه وأدوارهم. ومن ثم، فإن المسؤولية لا تقتصر على الفاعلين المباشرين، وإنما تمتد إلى قيادات مليشيات الحوثي الإرهابية وكل من ثبتت صلته الجنائية بالفعل، متى أثبتت الأدلة أنه أصدر أمراً، أو حرض، أو ساعد، أو سهّل، أو ساهم في ارتكاب الجريمة بأي صورة من صور المساهمة المقررة قانوناً.
كما تمتد المسؤولية إلى القادة والآمرين متى ثبتت سلطتهم وسيطرتهم الفعلية، وعلمهم بالجرائم أو توافرت شروط العلم القانونية، وقدرتهم على منعها أو وقفها أو معاقبة مرتكبيها، ثم تقاعسوا عن اتخاذ التدابير التي يوجبها القانون.
وتزداد أهمية مسؤولية القيادة عندما تكشف الأدلة عن وجود سياسة أو نمط منظم أو متكرر للانتهاكات، أو عن أوامر وتعليمات أدت إلى ارتكابها أو استمرارها.
ولا يعني ذلك تقرير مسؤولية جماعية لمجرد الانتماء؛ فالانتماء إلى الجماعة لا يكفي وحده للإدانة، وإنما تثبت المسؤولية الجنائية الفردية بحق كل من ثبت بالدليل ارتكابه للجريمة أو مساهمته فيها، أياً كانت صفته أو موقعه التنظيمي.

رابعاً: تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية

يمثل تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية من أخطر صور استغلال الطفولة، لما يترتب عليه من تعريض الطفل للقتل والإصابة والاستغلال النفسي والجسدي.
وقد وثقت التقارير ذات الصلة باليمن حالات عديدة ومستمرة لتجنيد أطفال واستقطابهم وتدريبهم وإرسالهم إلى مناطق القتال. وفي إطار نظام روما الأساسي، تتعلق المادة (8/2/هـ/7) بتجريم تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة بصورة فعلية في الأعمال العدائية في سياق النزاعات المسلحة غير الدولية.
ولا ينتقص الحد العمري الوارد في النص الجنائي الدولي من الحماية الأوسع المقررة للطفل بموجب اتفاقية حقوق الطفل وغيرها من قواعد الحماية الدولية.

خامساً: مسؤولية القيادة والمساهمة الجنائية

تقوم المسؤولية الجنائية على أساس الفعل الشخصي والمساهمة المثبتة في الجريمة. ولذلك، يجب أن تشمل التحقيقات كل من تكشف الأدلة عن دوره في ارتكاب الانتهاكات، سواء كان فاعلاً أصلياً أو شريكاً أو محرضاً أو مساعداً أو مسهلاً أو آمراً.
كما يجب بحث مسؤولية القيادات التي توافرت لديها سلطة وسيطرة فعلية على مرتكبي الجرائم، وثبت علمها بها أو توافر الظروف القانونية التي تقوم معها المسؤولية، مع قدرتها على منعها أو وقفها أو معاقبة مرتكبيها.
وعليه، فإن قيادة مليشيات الحوثي الإرهابية لا تُعفى من المساءلة بسبب المركز القيادي، كما لا يُعفى أي منتسب للجماعة متى ثبتت مساهمته الشخصية في الجريمة؛ وفي الوقت ذاته لا تقوم المسؤولية لمجرد العضوية، وإنما على أساس الأدلة التي تثبت الفعل أو المساهمة أو الأمر أو التحريض أو المساعدة أو توافر شروط مسؤولية القيادة.

سادساً: القيمة القانونية للتقارير الوطنية والأممية والدولية

تمثل تقارير اللجنة الوطنية للتحقيق وتقارير الأمم المتحدة وآليات الرصد والتوثيق الوطنية والدولية مصدراً مهماً لكشف أنماط الانتهاكات وتحديد الضحايا والأماكن والفترات الزمنية والجهات المنسوب إليها ارتكاب الأفعال.
غير أن هذه التقارير لا تمثل أحكاماً قضائية ولا تغني عن التحقيق الجنائي الفردي. وتكمن قيمتها في توفر المعلومات والقرائن وخيوط التحقيق التي يمكن دعمها بالأدلة الأصلية، والشهادات، والوثائق، والأدلة الرقمية، والتقارير الطبية، والأوامر والتعليمات وغيرها من وسائل الإثبات.
وبذلك تنتقل الواقعة من مرحلة التوثيق والرصد إلى مرحلة الإثبات الجنائي والإسناد القضائي.

سابعاً: المساءلة الوطنية والدولية واختصاص القضاء العسكري

يمثل القضاء الوطني المسار الأساسي للمساءلة متى انعقد اختصاصه وفق القانون. ولا يكفي وقوع الجريمة أثناء نزاع مسلح لانعقاد اختصاص القضاء العسكري، وإنما يتحدد الاختصاص وفق قواعد الاختصاص الموضوعي والشخصي والمكاني التي يقررها التشريع الوطني.
وفي نطاق الجرائم الداخلة في الاختصاص العسكري، يمثل قانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم (21) لسنة 1998م أحد الأطر الوطنية الأساسية، إلى جانب التشريعات الإجرائية النافذة. ومن ثم فإن اختصاص القضاء العسكري يستند الي نصوص المواد من) 20-23)باب جرائم الحرب الذي يقرر الولاية القضائية الوطنية ، لا إلى مجرد وصف الواقعة فحسب بأنها جريمة حرب.
وعلى المستوى الدولي، يمكن بحث آليات الاختصاص العالمي وفق القانون الوطني للدولة المعنية، وكذلك اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في الحدود التي يقررها نظام روما الأساسي، وفق المادة (12/3)، متى توافرت بقية شروط الاختصاص.

الخاتمة:
يتضح أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة تمثل منظومة قانونية متكاملة تتجاوز الالتزام الإنساني إلى الحماية الجنائية والمساءلة القضائية. وتكشف التقارير الوطنية والأممية والدولية ذات الصلة باليمن عن أنماط مستمرة من الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال، ونسبت جانباً مهماً منها إلى مليشيات الحوثي الإرهابية، ولا سيما تجنيد الأطفال واستقطابهم وتدريبهم واستخدامهم في الأعمال العدائية وتعريضهم لمخاطر القتال.
وتشكل هذه الوقائع أساساً مهماً للتحقيق والمساءلة، شريطة تحويل المعلومات الموثقة إلى أدلة قابلة للتحقق والإسناد القضائي.
وعليه: فإن المسؤولية الجنائية يجب أن تطال قيادات مليشيات الحوثي الإرهابية الذين ثبت اصدارهم الأوامر أو توجيهها أو تحريضها أو مساعدتها أو مساهمتها في ارتكاب الانتهاكات باي صوره، أو ثبت علمهم بها وتوافر سلطتها وسيطرتها الفعلية مع إخفاقهم في منعها أو وقفها أو معاقبة مرتكبيها وفقاً للقانون.
كما تمتد المساءلة إلى كل من ثبت من أفراد الجماعة أو المنتسبين إليها ارتكابه لأي من تلك الجرائم أو مساهمته فيها بأي صورة من صور الاتفاق الجنائي والمساهمة الجنائية، أياً كان موقعه أو صفته.
وبذلك لا تقوم المسؤولية على مجرد الانتماء إلى الجماعة فحسب ، وإنما على الانتماء المقترن بالفعل الجرمي أو المساهمة الجنائية الثابتة بالدليل، ولا يحول الموقع لقيادات الملشيات أو النفوذ التنظيمي دون المساءلة متى استوفت شروطها القانونية.
ومن ثم، فإن المساءلة الفعالة تقتضي الانتقال من التوثيق إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى الإثبات، ومن الإثبات إلى الإسناد القضائي للوقائع ، ومن ثم إلى المحاكمة والعقاب، بما يكفل حماية الأطفال وإنصاف الضحايا ومساءلة كل من ثبتت مسؤوليته عن الانتهاكات، وفي مقدمتهم من تثبت مسؤوليته من قيادات مليشيات الحوثي الإرهابية ومنتسبيها ومساهميها، وفقاً لمبادئ الشرعية الجنائية وشخصية المسؤولية وضمانات المحاكمة العادلة.

زر الذهاب إلى الأعلى