الافتتاحية

التخادم الناعم

افتتاحية 26سبتمبر

تُشكل النزاعات المسلحة والأزمات الوطنية اختباراً حقيقياً لمدى تماسك المجتمعات ووعي نخبها السياسية والإعلامية.

وفي غمرة هذه الصراعات ، لا تقتصر المواجهة على الجبهات العسكرية فحسب ، بل تتعداها إلى معارك أشد ضراوة وتأثيراً وهي معارك الفكر والخطاب والرأي العام.

فبينما تتصدى المؤسسات الرسمية للتهديدات المباشرة ، تتشكل في الخفاء مسارات أخرى من التأثير قد تتسبب في تقويض الاستقرار وتفتيت الجبهات الداخلية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

إن خدمة المشاريع الانقلابية والتخادم مع الجماعات المسلحة لا ينحصران في رفع شعاراتها المعلنة أو الانخراط المباشر في صفوفها التنظيمية ، إذ توجد أنماط أكثر خطورة وتأثيراً من الدعم غير المباشر ، تُمارس غالباً تحت غطاء حرية التعبير أو الاختلاف السياسي.

ويتجلى هذا النمط من التخادم الضمني عندما تُستغل التباينات الحزبية والسياسية لتبرير الانتهاكات ، أو للتشكيك المستمر في شرعية مؤسسات الدولة والتقليل من فاعلية المؤسسة العسكرية وتضحياتها في الميدان.

إن هذا السلوك الإعلامي والسياسي ينعكس بصورة مباشرة على الروح المعنوية للشعوب ، حيث يعمل على بث روح الهزيمة وتثبيط العزائم في مواجهة المشاريع الفوضوية.

وما يغفله البعض هو أن إضعاف المؤسسات الوطنية والتقليل من شأنها في لحظات الحرج التاريخي لا يمثل مجرد موقف معارض ، بل يقدم خدمة مجانية للمليشيات المناهضة للدولة ويمنحها مساحة مجانية للتمدد وفرض أمر واقع على حساب استقرار الوطن ومستقبل أبنائه.

وبناءً على ذلك ، فإن المواجهة الحاسمة للمشاريع الانقلابية تتطلب استراتيجية متكاملة لا تكتفي بالجهد العسكري في ميدان المعركة ، بل تمتد لتشمل بناء جبهة فكرية وسياسية صلبة ،تكمن وظيفتها في التصدي للخطابات والرؤى التي تسعى لتفكيك النسيج الوطني أو إضعاف الموقف الجمعي المناهض للجماعات المسلحة.

ويبقى الوعي القومي والمسؤولية الوطنية هما خط الدفاع الأول لمنع تحويل الخلافات السياسية الطبيعية إلى أدوات تخريبية تُستغل لخدمة أعداء الدولة والهوية الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى