مقالات

ما بعد كسر التهدئة .. قراءة في آفاق المواجهة القادمة

 

سبتمبر نت: مقال/ العميد عبدالحكيم الشريحي

شهدت المنطقة الإقليمية تحولا استراتيجيا بالغ الخطورة بعد إقدام جماعة الحوثي على استهداف ناقلتي النفط السعوديتين (إنسيليا وليلى) في المياه الإقليمية والملاحة الدولية بالبحر الأحمر وإعلانها الصريح فرض حصار بحري على الموانئ السعودية. هذا التصعيد غير المسبوق يمثل تجاوزا صريحا لكافة الخطوط الحمر التي حافظت على حالة التهدئة النسبية خلال السنوات الماضية وينقل الصراع مباشرة من مربع التهديدات غير المباشرة إلى مواجهة وجودية تمس أمن الطاقة العالمي والاقتصاد الإقليمي في الصميم، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات عسكرية وسياسية حتمية ومفتوحة.
ويبدو أن السيناريو الأكثر واقعية ونضجا في مواجهة هذا التحدي هو تحرك عسكري (سعودي – يمني) مشترك وواسع النطاق. وتنطلق قوة هذا الخيار من تكامل الأدوار بين الطرفين ، حيث تدرك الرياض أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لحسم المعارك الكبرى ، مما يستدعي تقديم إسناد جوي ولوجستي واستخباراتي سعودي مكثف ، يقابله تحرك بري حاسم وقوي للقوات الحكومية اليمنية على الأرض. وسيركز هذا التحرك بالدرجة الأولى على انتزاع الأوراق الاستراتيجية التي تهدد بها الجماعة أمن الملاحة وتحديدا استكمال تحرير موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى لقطع لسانها البحري ، بالتزامن مع تحريك الجبهات الحيوية الأخرى لتشتيت قدراتها.
هذا المسار يحظى بغطاء سياسي وشرعي كامل ، كونه يدمج بين الدفاع السعودي المشروع عن السيادة والمياه الإقليمية وواجب مساندة الدولة اليمنية لاستعادة مؤسساتها وإنهاء التهديدات التي تجر البلاد إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالح اليمنيين.

وفي موازاة ذلك ، يبرز سيناريو الردع السعودي المنفرد والمباشر كخيار سريع وحازم ، حيث تشير المعطيات إلى إمكانية تنفيذ عمليات جوية خاطفة ونوعية تستهدف بنك أهداف استراتيجي يشمل مراكز تصنيع وتعديل الطائرات المسيّرة والصواريخ ورادارات المراقبة الساحلية وغرف العمليات وذلك بهدف شل القدرات الهجومية للحوثيين بشكل عاجل ودون الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

كما لا يمكن فصل هذه التطورات عن سيناريو التدويل الكامل للمعركة وتداخل الجبهات ، خاصة في ظل التصعيد المستمر بين واشنطن وطهران والضربات الأمريكية المتتالية ، مما قد يسرع من إطلاق عملية دولية أوسع تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية لحماية مضيق باب المندب وهو ما يمنح أي تحرك عسكري يمني سعودي غطاء دوليا حاسما.
إن القراءة الفاحصة لمجريات الأحداث تؤكد أن الخيار الدبلوماسي قد استنفد أغراضه تماما بعد هذا الاستهداف الخطر وأن التحرك
العسكري المشترك بات الخيار الأكثر إلحاحا لتغيير موازين القوى وفرض واقع جديد على الأرض ، إذ إن ترك السواحل والمنافذ البحرية الحيوية تحت رحمة التهديدات المستمرة أصبح خطرا وجوديا لا يمكن للمنطقة أو للمجتمع الدولي التعايش معه أو القبول باستمراره.

زر الذهاب إلى الأعلى