جريمة العبث بالنظام الوجودي للدولة

سبتمبر نت/ مقال – صلاح القميري
هناك جرائم لا تسرق الأرواح ولا تحرق الممتلكات ولا تجرح أجسادا بل تنال من إمكانية النظام نفسه.
إنها جريمة العبث بالنظام الوجودي للدولة، حيث يصير الإرهاب الأمني ابتزازاً بالوكالة، وتُتخذ حماية المواطن سلعة تمنح مرة وتحتجز أخرى، وتنقلب الدولة حامية الأمن رهينة في قبضة عصابات لا ترى في الوطن إلا غنيمة.
وهذه الجريمة التي تباشرها أذرع سائبة وعصابات طارئة، ليست خروجاً عن القانون فحسب، بل هي، في عمق المنظور الجنائي المعاصر.. جريمة ضد أمن الدولة القومي تبلغ مبلغ الخيانة العظمى وتستوفي كل أركان التنظيم الإرهابي كما لو كانت جريمة منظمة تعبر كل الحدود، إنها قطيعة منهجية مع العقد الذي يربط المواطن بدولته، ومحاولة لتطبيع الفوضى كأنها قدر لا جريمة.
ليس بناء نراه، بل انهيار للنسيج الخفي الذي تجعل الحياة ممكنة، إنه ذاك اليقين الهادئ الذي لا تشعر به إلا حين يغيب، أن الغد سيشبه اليوم، وأن الفجر سيأتي كعادته، وأن الوطن يظل وطناً حتى لو أغمضت عينيك. وتلك الثقة العضوية التي تجعل المواطن أمناً في وطنه ليس لأنه مهم، بل لمجرد أنه مواطن، إنه الأفق الجماعي الذي يمكن المجتمع من أن يحلم بمستقبل، بدل أن يظل أسير حلقة مفرغة من ردود الفعل، فمن يعبث بتلك الطبقات، لا يرتكب جريمة ضد نصوص القانون، بل يرتكبها ضد شرط قيام أي مجتمع، إنه يقطع الجذور التي منها ينبت الأمن، ثم يقف ليتهم الشجرة بأنها عقيم.
ليست تلك الجريمة فردية ولا عابرة
بل هي نظام إجرامي متكامل يتلاعب بالملف الأمني، فيجعل حماية المواطن أداة للمساومة، والسياسة لعبة ابتزاز بالوكالة، لا تهاجم الدولة من خارجها، بل تربكها من داخلها بأذرع تزعم أنها منها، ثم تخرج مسرحية الفوضى الممنهجة، ويدعى الناس إليها تحت شعارات براقة ليصيروا جنوداً في حرب لا تعنيهم.
وأخطر ما في تلك الجريمة هو انقلاب الدوافع، فترى الصغار الحمقى والسذج لا يعرفون أنفسهم مجرمين، إنهم أسرى الجهل المركب يظن أحدهم نفسه بطلاً محارباً للجريمة، وهو ذاته من يخدم الجريمة، وهنا يكمن “القصد الجنائي غير المباشر، أن يقبل الجاني بانهيار النظام الوجودي كوسيلة لغاية وهمية، فيصبح الشر عنده خيراً، والبناء جريمة، والتدمير بطولة، إنه ذلك الوهم الذي يحوّل الرذيلة إلى فضيلة، فيقتنع المرء أنه حين عجز عن بناء وطنه، فإن تدميره هو النضال الحقيقي، إنه كما يقال، منطق العهر السياسي: أن تمارس الرذيلة وأنت تنكر طبيعة ما تفعل. انفصام إجرامي يصير فيه التدمير عبادة، والابتزاز واجباً، والفوضى وطناً بديلاً.
ولماذا لا يكون العقاب انتقاماً بل انتزاعاً للعدالة؟
لأن معاقبة الأداة الصغير ليست ثأراً، بل تخليصاً له من سراب البطولة التي سُكر بها، وكشفاً لحقيقته البائسة، قطعة شطرنج في يد لاعب لا يراه، وملاحقة المخطط الكبير ليست سياسة، بل إعلان حرب على عبث العباقرة الصغار الذين يلعبون بمصائر الأمم كأنها رقعة شطرنج، ووقف تلك الجريمة ليس حلاً أمنياً، بل ضرورة وجودية، فالعقاب هنا ليس جزاء وفق منطق الردع والزجر وحده، بل هو تطهير للنسيج المجتمعي على طريقة العدالة الترميمية حيث يعاد بناء الثقة التي تعمد الجاني إلى تفكيكها خيطاً خيطاً، فأي مجتمع يسمح بابتزاز دولته من الداخل، هو مجتمع ألغى عقله قبل أن تلغى أمنه، وأي مجتمع يرضى أن تكون أمنه رهينة عند عصابات، فهو كمن يستجدي السارق ليعيد له ماله. وهذه الجريمة تستحق باباً مستقلاً في قانون الإرهاب. وهكذا يكتب سجل الجريمة في قانون الغد، كل من سعى، بأي وسيلة، إلى تحويل الأمن – وهو حق عام لا يقبل المساومة – إلى سلعة سياسية أو مادة للابتزاز، سواء بالوكالة عن كيانات خارجية أو بتوظيف أذرع داخلية، فقد ارتكب جريمة العبث بالنظام الوجودي.
إنها ليست جريمة تفجير أو اغتيال فقط، بل حالة دائمة من الريبة المزمنة، تجعل المواطن معلقاً بين الخوف والرجاء، بين أمن مشروط وفوضى ممنهجة.
إلى متى يظل هذا العبث؟
يظل طالما ظنت الأداة أنها حرة، وهي لا تعدو أن تكون مرآة لإرادة سيدها، ويظل طالما ظن المخطط أنه يلعب لعبة كبرى، وما هو إلا غر صغير يلهو بعظام الموتى، ويظل طالما لم ينتبه المجتمع إلى القاعدة الجنائية الأصيلة، أن الجاني الحقيقي ليس من أطلق الرصاصة، بل من أجبره على إطلاقها، أليس هذا هو “الاستثناء السيادي” الذي حذر منه الفلاسفة؟ حين تصير حياة الإنسان مجرد “حياة عارية” لا تحميها القوانين، ويصير الخوف هو الحاكم لا العقد الاجتماعي.
لكن الحقيقة القاسية أنك لا تستطيع العبث بالنظام الوجودي إلى الأبد، لأنه مثل التنفس، لا يحسه المرء إلا حين يهدد وجوده، وحين يفقد، يفقد الجميع – الجاني قبل الضحية – قدرتهم على الاستمرار.
والعدالة وإن تأخرت لا تسقط بالتقادم، بل تصير أقسى، والجاني الحقيقي سواء من خطط خلف الحدود أو من نفذ بسذاجة داخل الوطن مسجل في ذاكرة الأرض قبل ذاكرة القانون.
لأن الجريمة ضد النظام الوجودي، هي جريمة ضد الزمن الأفقي للمجتمع لا تسرق الحاضر فقط، بل تختطف المستقبل، وتلوث الذاكرة الجماعية بجرح لا يندمل. وإلى أن يأتي يوم الحساب الجنائي، تظل هذه جريمة لا توصف إلا بأنها استباحة الأمن باسم الأمن، وانتحار الوطن بالوكالة.
إن أعظم ما يفعله العبث بالنظام الوجودي أنه لا يقتل الدولة دفعة واحدة، بل يعلّمها أن تموت بالتقسيط. يسرق غداً هنا، ويهز ثقة هناك، ويجعل المواطن يتعلم ألا يتطلع إلى الأفق، لأن الأفق صار موعداً مع فخ، إنه لا يعلن حرباً على الوطن، بل يقنع الوطن أنه في حرب مع نفسه. وهذه هي المفارقة القاتلة: أن يجعل الضحية تحمي جلادها، وتظن أن الفوضى قدرها، وأن انهيار اليقين هو طبيعة الأشياء.
لكن العدالة ليست عقاباً يأتي من خارج النظام، بل هي اللحظة التي يسترد فيها الزمن توازنه. إنها تلك اللحظة التي يكتشف فيها الجاني أن ما ظنه نصراً كان مجرد تأجيل لهزيمته، لأن الفوضى، حين تخرج من قمقمها، لا تخدم أحداً، تأكل الجلاد قبل الضحية، وتبتلع المخطط قبل الأداة، وإلى أن يأتي يوم الحساب الجنائي، تبقى هذه الجريمة لا توصف إلا بأنها استباحة الأمن باسم الأمن، وانتحار الوطن بالوكالة، ولعب بالنار على جسد مشتعل. وكسر هذا الوهم هو أولى معارك العدالة. بل هو استرداد للعقل قبل استرداد الأمن، وللذاكرة قبل استرداد الأرض، ولليقين قبل استرداد الغد.