بيادق المشروع الإيراني

افتتاحية 26 سبتمبر
إعلان مليشيا الحوثي مبايعتها للمدعو (مجتبى خامنئي) مرشدا لإيران يمثل لحظة الحقيقة التي تتهاوى عندها كافة الأقنعة السياسية والمناورات الإعلامية التي حاولت المليشيا التستر خلفها لسنوات ، فهذه الخطوة لا تكتفي بكونها اعترافا صريحا بالتبعية، بل هي إعلان سقوط كامل لمفهوم السيادة الوطنية والتمايز المحلي ونقل الصراع في اليمن من سياقه الداخلي إلى كونه جبهة متقدمة في مشروع إيراني توسعي عابر للحدود.
إن هذه البيعة تقطع الشك باليقين في أن المليشيا ليست إلا أداة وظيفية وذراعا مسلحا تدار من طهران، حيث أثبتت تبعيتها المطلقة لولاية الفقيه أنها لا تملك قرارا مستقلا ولا مشروعا يمنيا كما تدعي وتغرر البسطاء، بل هي كيان عقائدي وسياسي يدين بالولاء الكامل لمرجعيات خارجية لا ترى في اليمن سوى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وورقة ضغط لتعزيز النفوذ الإيراني.
لقد أسقطت هذه الخطوة كافة الروايات المضللة التي حاولت تصوير الحوثيين كحركة سياسية نابعة من مظلومية محلية أكدت بما لا يدع مجالا للبس أن بنية هذه الجماعة قائمة على الانصهار الكلي في استراتيجية (تصدير الثورة) الإيرانية مما يجعلها غريبة عن النسيج اليمني وهويته العربية.
إن هذا الإعلان يثبت أن ما تعرضت له الدولة اليمنية ومؤسساتها لم يكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كان عملية اختطاف ممنهجة للجغرافيا والإنسان لصالح مشروع توسعي انتهازي يستخدم المليشيات كبيادق لتقويض الأمن القومي العربي وتهديد المصالح الدولية واستقرار المنطقة برمتها وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة وحيدة مفادها أن التعامل مع هذه المليشيا كلاعب سياسي محلي هو وهم لا يخدم سوى أجندة طهران التدميرية، ويؤكد أن استعادة الدولة اليمنية ضرورة حتمية لقطع دابر التغلغل الإيراني وحماية أمن الإقليم من مخاطر هذا الارتهان العقائدي والسياسي المطلق.
إن هذا الارتهان الحوثي للمرجعية الإيرانية لا يقف عند حدود التبعية السياسية فحسب ، بل يتجاوز ذلك إلى كونه استلابا كاملا للهوية الوطنية اليمنية وتجييرا لتاريخها وجغرافيتها لخدمة أوهام الإمبراطورية الفارسية.
وإن مبايعة مرشد إيراني هي بمثابة (إعلان وفاة) لأي ادعاء بالسيادة وتحويل اليمن من دولة ذات ثقل حضاري وتاريخي إلى مجرد (ولاية) تابعة تدور في فلك (الولي الفقيه)، حيث تسخر دماء اليمنيين ومقدراتهم لخوض معارك بالوكالة لا ناقة لليمن فيها ولا جمل، سوى تنفيذ الأجندة التوسعية لطهران التي لا ترى في حلفائها سوى أدوات استهلاكية لتحقيق غاياتها الاستراتيجية.
وعلاوة على ذلك فإن هذا الإعلان يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وقانوني لا يمكن التهرب منه، فالتغاضي عن طبيعة هذه المليشيا كذراع عسكرية عابرة للحدود هو الذي منحها الوقت لترسيخ هذا الارتهان.
ما يحدث اليوم يثبت أن الحوار مع جماعة ترهن قرارها ومصيرها لمرشد في دولة أخرى هو ضرب من العبث السياسي، إذ لا يمكن الوصول إلى سلام مستدام مع طرف لا يملك حق التوقيع على قراره إلا بعد العودة إلى عاصمته الروحية والسياسية طهران.
إن خطورة هذه البيعة تكمن في أنها تنقل الصراع من صراع على السلطة أو الشراكة الوطنية إلى صراع وجودي بين (الدولة الوطنية) بمفهومها الحديث وبين (المليشيا الطائفية) التي تسعى لتقويض مفهوم الوطن لصالح (الأممية الطائفية)، مما يهدد بتحويل المنطقة إلى بؤرة صراع دائم لا تنتهي إلا باستعادة الدولة اليمنية لسيادتها وقرارها بالقضاء على هذا المشروع الدخيل.