مقالات

لحظات حسم الاستقلال

 

 

سبتمبر نت/ مقال – القباطي أمين

 

شكل الاستقلال الوطني، المتمثل بإجبار قوات الاحتلال البريطاني على مغادرة جنوب اليمن، لحظة تاريخية فارقة لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية؛ لحظة فصلت بين عهد مرير فرض فيه المستعمر هيمنته وسياساته القائمة على قاعدة “فرق تسد”، وبين عهد جديد استعاد فيه اليمنيون سيادتهم وحقهم في تقرير مصيرهم وصياغة مستقبل وطنهم.

 

كان 30 نوفمبر 1967م يوماً مشهوداً في تاريخ اليمن، يوم ميلاد وطن جديد وإعلان رسمي بانتهاء أكثر من 129 عاماً من الوجود البريطاني، وعلى امتداد تلك العقود، قدّم اليمنيون تضحيات جساماً، وخاضوا مسارات متعددة من النضال، صابرين على القمع والبطش الأمريكي، ودافعين ثمن الحرية بدماء الشهداء وعرق المناضلين الذين آمنوا بأن الاستقلال حق لا يمكن التفريط به.

 

لقد جاء الثلاثون من نوفمبر تتويجاً لنضال وطني طويل، لا يمكن للتاريخ أن يغفل فصوله الملحمية، فمن الانتفاضات القبلية والشعبية التي كانت تندلع رفضاً للاستعمار، مروراً بالمظاهرات الواسعة في عدن، وصولاً إلى الكفاح المسلح الذي فجر شرارته الشهيد البطل غالب راجح لبوزة من جبال ردفان، انطلقت مسيرة التحرر بمشاركة أحرار اليمن من كل ربوعه شمالاً وجنوباً، ولم يكن الرجال وحدهم في واجهة المعركة، فالمرأة اليمنية حضرت بفاعلية في مختلف ميادين النضال، مقدّمة نماذج استثنائية في الشجاعة، وتبقى المناضلة دعرة مثالاً حياً على بطولات المرأة التي خاضت معارك مباشرة ضد جنود الاحتلال وسجّلت حضوراً لا يُنسى.

 

وتنوعت مسارات الكفاح الوطني — سياسياً وعسكرياً وثقافياً — ما جعل الضغط على المستعمر يتعاظم، وجعل رحيله أمراً محتوماً، وفي 30 نوفمبر 1967م، انتزع أبناء اليمن استقلالهم وأمسكوا بزمام إدارة شؤون دولتهم، بعد أن أسندت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن قيادة المرحلة إلى المناضل قحطان محمد الشعبي الذي أصبح أول رئيس للبلاد، وشكّل أول حكومة وطنية عقب رحيل آخر جندي بريطاني.

 

وفي خطاب إعلان الاستقلال، أكد قحطان الشعبي إيمان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بوحدة اليمن الطبيعية شمالاً وجنوباً، مشدداً على أن الحكومة ستعمل بالتشاور مع قيادة الجمهورية العربية اليمنية لبحث السبل العملية لتحقيق هذا الهدف الوطني السامي، إدراكاً منه أن الوحدة كانت ولا تزال مشروعاً تاريخياً يجسّد تطلعات اليمنيين كافة.

 

هكذا، لم يكن يوم الاستقلال حدثاً عابراً، بل خلاصة نضال جماعي متصل، جسّد إرادة شعب رفض الخضوع، وآمن بأن الحرية حق تنتزعه الشعوب حين تتحد، وأن الأوطان تُبنى بتضحيات الرجال والنساء الذين سطروا بدمائهم فجر 30 نوفمبر المجيد.

زر الذهاب إلى الأعلى