نوفمبر.. دروس وعبر

سبتمبر نت/ مقال – العميد عبدالحكيم الشريحي
يحتفل شعبنا اليمني العظيم في كل انحائه وساحاته بالذكرى الـ 58 لعيد الاستقلال الوطني التتويج العملي لنضال شعبي طويل ضد الاستعمار البريطاني الذي جثم على شعبنا في المحافظات الجنوبية 128 سنة..
ان احتفاءنا بذكرى الاستقلال يكتسب أهمية كبرى في حياتنا السياسية والنضالية، إذ انه ليس مجرد احتفاء بحدث سياسي، بل برمز للتضحية والوحدة الوطنية التي تمكنت من تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والقبلية لتحقيق هدف واحد مشترك هو التحرر من الاستعمار بعد ان انجز الخلاص من الكهنوت الامامي المتخلف.
إن استحضار هذه الذكرى اليوم، في ظل راهن اليمن المكتظ بتعقيدات الصراع الدائر مع مليشيا ارهابية كهنوتية متخلفة، ليس مجرد واجب تاريخي، بل هو ضرورة لاستخلاص الدروس والعبر التي قد تحمل مفتاح الخروج من الأزمة الحالية الى رحاب الامن والاستقرار..
إن الدرس الأبرز الذي يقدمه ال 30 من نوفمبر 1967 هو ضرورة “توجيه البوصلة” باتجاه هدف انجاز التحرر، إذ أدركت القوى الوطنية آنذاك أن الخلافات الداخلية يجب أن تُؤجل، في سبيل توجيه كل الطاقات نحو الهدف الأسمى، وهو التخلص من الوجود الأجنبي وهو درس يجب ان يؤخذ به اليوم حتى لا تتحول هذه الطاقات الى تهديد حقيقي يغذي الخلافات البينية داخل صفوف الشرعية.
إن روح نوفمبر تدعونا إلى إعادة تعريف “التهديد المشترك” – وهو اليوم ليس استعماراً أجنبياً تقليدياً، بل هو المشروع التوسعي الايراني الذي تحاول انجازه الاداة الايرانية مليشيا الحوثي الارهابية والتي ماكان لها ان تستديم كل هذه السنين لولا هذه الخلافات البينية المعثرة لبناء دولة جامعة، وتغول المصالح الفئوية، والاستنزاف اللامحدود للموارد.
أن نيل الاستقلال في ال ٣٠ من نوفمبر ١٩٦٧ لم يكن نهاية المطاف لدى الثوار، بل كان الخطوة الأولى في مشروع بناء الدولة. إذ شهدت المرحلة التي تلت 1967، ورغم التضحيات الجليلة، صراعات داخلية مريرة، حيث أدى التنافس على السلطة وغياب إجماع وطني حقيقي على شكل الدولة المدنية المنشودة إلى إضعاف الكيان الوليد. هذه العثرة التاريخية هي مرآة لما يعانيه اليمن حالياً ، إن الفشل في تأسيس عقد اجتماعي جديد هو الوقود الذي يمد شريان المليشيا الحوثية الارهابية بعناصر الاستدامة والبقاء ، و إن العبرة المُلحة لراهن اليمن اليوم تكمن في ضرورة العودة إلى “المشروع الوطني الجامع” كإرث أصيل لروح التحرير كون تعقيدات الصراع الحالي تتطلب حلاً يتجاوز المنطق المناطقي أو الفئوي أو الأيديولوجي الضيق ، حلا يرتقي الى مستوى التضحية التي قُدمت ولا زالت في سبيل الخلاص من مليشيا ارهابية عبرتقديم التنازلات السياسية مثلما تنازلت الفصائل الوطنية عن خلافاتها في وجه المستعمر.
نعم يجب على كل القوى السياسية الفاعلة اليوم أن تقدم تنازلات مؤلمة في سبيل إنقاذ الدولة.
ان العمل على إعادة اللحمة الاجتماعية وتأكيد الهوية الوطنية اليمنية الجامعة، التي تذوب فيها الأجندات الخارجية و الأهداف المنبثقة عن المصالح الشخصية الضيقة التي تهدد مستقبل الأجيال هو ما يتطلبه راهننا المكتظ بكم هائل من المهددات الوجودية لمستقبلنا وهويتنا الوطنية.
إن الذكرى الـ 58 لعيد الاستقلال تدعونا إلى تذكر أن الوحدة والتضحية هما القوتان الدافعتان وراء كل انتصار. ، إنها دعوة للقوى السياسية والشخصيات الاجتماعية الفاعلة الحالية لاستلهام صمود الآباء والأجداد في مواجهة الاستعمار والتوجه نحو تحقيق هدف القضاء على المشروع التوسعي الايراني الخبيث ممثلا بأداة تحقيقه مليشيا الحوثي الارهابية وصولا الى بناء سلام مستدام ودولة مدنية حديثة تستوعب الجميع.