المسؤولية الجنائية الدولية عن جريمة الاغتيال السياسي

اللواء/ شعفل حسين علوي
كان السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الأولى حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند مع زوجته من قبل طالب صربي يدعى غافريلو برينسيب في 28 يونيو/حزيران عام 1914 أثناء زيارتهما لسراييفو.
وبعد شهر من هذه الحادثة أعلنت النمسا الحرب على صربيا، فبدأت آلية التحالفات الأوروبية تتفاعل، حيث ناصرت روسيا صربيا وأعلنت الحرب على النمسا فقامت ألمانيا بإعلان الحرب على روسيا.
وشاركت في الحرب عند بدايتها مجموعتان هما قوات الحلفاء (الوفاق الثلاثي) بزعامة المملكة المتحدة، ودول المركز بزعامة ألمانيا، وتوسعت التحالفات مع اتساع دائرة الحرب ودخول العديد من الدول فيها إلى جانب أحد الفريقين.
دامت الحرب أكثر من أربع سنوات، تحولت خلالها من حرب أوروبية إلى حرب عالمية (1918-1914)، تسببت الحرب في خسائر بشرية كبيرة حيث لقي أكثر من ثمانية ملايين شخص مصرعهم وجرح وفقد الملايين، كما خلفت خسائر اقتصادية كبيرة، فانتشر الفقر والبطالة، كما عرفت الدول المتحاربة أزمة مالية خانقة بسبب نفقات الحرب الباهظة، فازدادت مديونية الدول الأوربية وتراجعت هيمنتها الاقتصادية لصالح دول أخرى.
وبعد أن وضعت الحرب العالميّة الثانية أوزارها ، وتمخضّ عنها بداية تأسيس منظمة تهتّم بقضايا الدول المستقلة بعد ما لاقته من آثار مدمرة إثر الحرب العالميّة الثّانية والتي كان من أسباب ظهورها الفشل الذّريع الذي منيت به عصبة الأمم في تحقيق أهدافها من حفظ الأمن والسّلام الدوليين من اندلاع الحرب العالميّة الثانيّة بعد عشرين عاماً من تأسيسها استدعى من قادة وزعماء دول الحلفاء على تشكيل تنظيم دولي جديد ، بهدف تحقيق الأمن والسّلام في العالم ، وحل النّزاعات الدولية بالطرق السّلميّة ، فتمّ تأسيس منظمة الأمم المتّحدة ، وهي منظمة دوليّة تأسّست في تاريخ الرّابع والعشرين من أكتوبر لعام 1945م ، من أهدافها تحقيق الأمن والسّلم الدوليين إبّان الحرب العالميّة الثانية ، ومقرّها الدّائم في نيويورك في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
مع العلم أن حفظ السلم والأمن الدوليين من ابرز مقاصد الأمم المتحدة – بحسب الفقرة “1” من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة – ، لذا بذلت الجهود الاممية الكثيفة في حماية حقوق الإنسان خلال النزاعات المسلحة، وقد أكدت نصوص هذه الاتفاقيات عن مسؤولية كل شخص ينتهك هذه القواعد وإقرار مسؤوليته الجنائية دون الاعتداد بصفته الرسمية، سواء كان فردا أو موظفا ساميا كما أسهمت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة في لفت الانتباه للمجتمع الدولي إلى ضرورة احترام حقوق الإنسان في وقت النزاعات المسلحة ، ومن أجل احترام حقوق الانسان – سواء في الحرب والسلم – حق الانسان في الحياة ، ومنع أي شخص أو جماعة أو دولة أو أي جهة قتل النفس خارج القانون.
وتعتبر جريمة الاغتيال انتهاكاً صارخاً لكافة معايير حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، كما بينتها كثير من المعاهدات والمواثيق الدولية.
فجريمة الاغتيال السياسي تعد انتهاكا صارخاً للحق في الحياة وفق ما جاء في المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ” لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه “. كما نص البند الأول من المادة السادسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن ” الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً”.
كما أن اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12/ آب أغسطس 1949م ، أدانت جريمة الاغتيال السياسي من خلال المواد التالية :
1- أوجبت في المادة الأولى منها تعهد الدول الأطراف السامية المتعاقدة ، ” بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال”.
2- كما نصت المادة (32) من نفس الاتفاقية على أنه ” تحظر الأطراف السامية المتعاقدة صراحة جميع التدابير التي من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة للأشخاص المحميين الموجودين تحت سلطتها”.
3- كما نصت المادة (47) على أنه ” لا يحرم الأشخاص المحميون الذين يوجدون في أي إقليم محتل بأي حال ولا بأية كيفية من الانتفاع بهذه الاتفاقية…”. واعتبرت المادة الثانية من الاتفاقية أن سياسة القتل بجميع أشكاله في جميع الأوقات والأماكن هي من الأفعال المحظورة.
4- كما نصت المادة (147) من نفس الاتفاقية على تعريفها للمخالفات الجسيمة أنها ” هي التي تتضمن أحد الفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية. واعتبرت أن القتل هي إحدى المخالفات الجسيمة”.
ومن ناحية أخرى، تحظر مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بالوقاية الفعالة من عمليات الإعدام خارج نطاق القانون تحت أي ذريعة حتى وإن كان زمن الحرب، وحسب المبدأ الأول والذي جاء فيه ” يجب على الحكومات أن تحظر قانونيا جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، وأن تضمن اعتبار أي عمليات مثل هذه، جرائم حرب بموجب قوانينها الجنائية، وأن يعاقب عليها بالعقوبات المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار مدى خطورة هذه الجرائم، ولا يجوز التذرع بالظروف السياسية الداخلية أو أي حالة طوارئ أخرى كمبرر لتنفيذ عمليات الإعدام هذه.
فالمادة (33) من نفس المعاهدة تؤكد أنه يحظر بشكل خاص قتل أو جرح أفراد يتبعون لدولة معادية أو جيش معاد بشكل غادر، أو قتل أو جرح عدو يلقى سلاحه أو لا تعد بحوزته وسائل دفاع ويستسلم طواعية، مع عدم استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد تسبب في معاناة غير ضرورية.
ومن القواعد الأساسية في القانون الدولي العرفي عدم جواز تحويل المدنيين والأهداف المدنية مطلقاً إلى هدف للهجوم، وتنطبق هذه القاعدة في جميع الظروف، ومنها في خضم نزاع مسلح شامل وبسبب طبيعتها العرفية فإنها ملزمة لجميع الأطراف. فكما نصت المادة السادسة فقرة (ج) من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية “نورمبرغ” اتفاقية لندن المؤرخة 6 أغسطس 1945 في تحديدها للجرائم ضد الإنسانية، فإن عملية القتل هي ضمن الجرائم ضد الإنسانية. واعتبرت نفس المادة أن القادة والمنظمين والمحرضين، المساهمين والمشاركون في إعداد وتنفيذ خطة عامة أو في اتفاق جنائي لارتكاب جرائم سابقة يكونون مسؤولين على جميع الأفعال التي ارتكبت بواسطة أي من الأشخاص في سبيل تنفيذ تلك الخطة”.
كما أن المادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 تعتبر عملية القتل العمد هي من ضمن الجرائم ضد الإنسانية.