مقالات

فبراير.. ثورة القيم المشتركة

ياسر الرعيني

 

رسمت فبراير أهدافاً كبيرة ليمن كبير يتسع لكل أبنائه بعيداً عن أطماع الاستئثار بالسلطة والثروة وحكم الفرد تحت ظلال راية الجمهورية، التي جاءت لتحرير الوطن والمواطنين من كل صنوف الاستئثار بالسلطة والعبودية، والانعتاق من الظلم، وبناء الأرض والإنسان.

 

قبل انطلاق شرارة ثورة فبراير 2011، كان الوطن قد وصل إلى حافة الانهيار السياسي والاقتصادي، وانسدت كل آفاق التفاهمات السياسية بعد إغلاق الأبواب أمام كل المساعي لإنقاذ الوطن، وشهدت البلاد تدهوراً اقتصادياً، وضع اليمن في مرتبة أسوأ دول العالم التي يتغول فيها الفساد، وترتب على ذلك ارتفاع معدلات البطالة، وتدهور المستوى التعليمي، والمنظومة الصحية، واختلالات كبيرة طالت كافة المجالات.

 

عشرات الآلف من خريجي الجامعات وطلاب الدراسات العليا، ومئات الآلاف من الشباب الذين لم تتح لهم فرصة إكمال تعليهم أو حتى الحصول على عمل؛ في بلد تحول النفوذ فيه إلى طبقة موغلة في الثراء، تنهب ثروات البلاد وخيراتها دون أي اعتبار لمعظم فئات الشعب التي تعيش تحت خط الفقر.

 

لم يجد الشعب، شبابه وشيوخه، نساؤه وأطفاله، من مخرج لهم سوى الخروج في ثورة سلمية، ثورة الحرية والكرامة والنضال والوطنية، تستكمل أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وتصحح مسار الجمهورية، وتعيد ثقة الشعب بنفسه، وتنتزع حقوقه المسلوبة، وتؤسس للكثير من مفاهيم الوطنية والديمقراطية، والعدالة والمساواة، التي كانت قبل ذلك شعارات جوفاء بفعل تكريس سلطة الفرد وقبضته المطلقة على السلطة والثروة، وبفعل تعزيز مراكز النفوذ والفساد فيها على حساب الوطن والمواطن.

 

كانت ثورة فبراير ولا تزال نقطة بيضاء ناصعة في تاريخ اليمن الذي جعلت منه محط إعجاب العالم بقيمه العظيمة وسلمية ثورته ونضوج شبابه وصبر وعزيمة شعبه العظيم.

 

جاءت فبراير لتجعل من كل الوطن شعلة حضارية، بعد أن قدمه النظام للعالم كبؤر للتخلف والعنف والثأر، وكانت منطلقاً ليسمع العالم صوت شبابها وعقولها وروادها وقبائلها، ينادون جميعاً وفي كل المحافظات بالمدنية وسلمية النضال وإعلاء قيم المواطنة والحرية والعدالة والتعايش والسلام انطلاقاً من إرث اليمن التاريخي الحضاري.

 

لست هنا بصدد ذكر فضائل ثورة فبراير أو التذكير بها، فهي ليست مجرد مناسبة يحتفل بها شعبنا اليمني، بل هي عقيدة وطنية، وقومية النضال المشترك بين كل أبناء اليمن، ومجدنا التليد الذي اجتمعت فيه كل مفاخر وقيم اليمنيين وسماحتهم العظيمة من مختلف محطات النضال.

 

وفي العيد العاشر لثورة فبراير المجيدة، يجب أن نقف عند بعض القضايا الهامة التي يتخذ منها البعض ذريعة للنيل من ثورة فبراير وقدسية أهدافها، ولعل من أبرزها ضعف أداء المؤسسات، وهو وزر لم يكن للثورة فيه يد ولا جريرة سوى أنها أتاحت فرصة الشراكة في إدارة المرحلة للجميع والذي استغله أعداء الثورة وارباب الفساد في إضعاف المؤسسات وإعاقة الانتقال الى اليمن الجديد،  كما كانت المرحلة الانتقالية فرصة للأحزاب والقوى الوطنية المنخرطة في صفوف الثورة لتنتهج أسلوباً أكثر رشداً ومسؤولية تجاه البلد الا أن الكثير منهم اخفق في ذلك.

 

لقد باركت ساحات الثورة إدارة المرحلة وأملت فيها خيراً، غير أن فعالية الدولة العميقة، ومعها أعداء الدولة المدنية، كانت أكثر فاعلية في تعطيل مسار المرحلة الانتقالية، إضافة إلى تحالفها مع اللوبي الإمامي للقضاء على آمال الشعب واجهاض المرحلة الانتقالية.

 

ليس غريبا إذا أن تتعمد القوى المعطلة للمرحلة الانتقالية والتي لم تستفد من الفرص التي منحها الثوار تحميل فبراير ما حدث نهاية 2014 من انقلاب للمليشيات الحوثية الإرهابية على الدولة وما أعقب ذلك من جرائم وأزمات قادتها تلك المليشيات الإرهابية..!! وهذا مناف للعقل والمنطق ومجاف للحقيقة والواقع فكل المشاكل والأزمات التي مرت بها اليمن منذ 2014 لم تكن وليدة ثورة 2011، فالحوثي ودعاوى الانفصال هي أزمات سابقة لفبراير، لعب بها رأس النظام السابق قبل الثورة بسنوات، ودعمها انتقاما من الثورة بعد قيامها بسنوات.

 

والعجيب محاولة البعض ممن استمرأ الفساد والاستبداد تبرير تحالف الثورة المضادة مع الحوثي انتقاما من الشعب الذي ثار في وجه النظام الفاسد تحت مبررات تعزز الفساد والاستبداد والظلم، وتؤسس للقبول بسلطة الفرد واجتزاء قيم ومبادئ الجمهورية والمواطنة، فيقارن بين ما يحدث اليوم وما حدث بالأمس بعقلية الفساد والاستبداد نفسه..!  وليس من المعقول أن نقبل بنصف الظلم ونصف الفساد ونصف الحرية ونصف المواطنة وسلطة الفرد، وكما ثار الشعب وناضل في وجه من يحاول الانتقاص من تلك القيم فهو اليوم أشد نضالا وتضحية في مواجهة كل من يحاول المساس بها أو يطمح في القضاء عليها، حتى تقوم الدولة اليمنية حاملة كل قيمنا العظيمة كاملة غير منقوصة.

 

لقد كانت ثورة فبراير عظيمة بقيمها ونبل أهدافها، وسلامة وسائلها ونهجها.. لم يقتلع شباب الثورة شجرة ولم يعتدوا على مؤسسة ولم يسعوا للتنكيل من خصوم الثورة رغم مضاضة الظلم الذي طالهم، كما أن الثورة لم تكن متحورة حول قيادات معينة فلم نشاهد أي صور رفعت لأي من قيادات المعارضة أو قيادات الثورة، بل كانت ثورة أهداف ومبادئ يؤمن بها كل وطني حر.

 

لقد حملت فبراير كل القيم المشتركة والأهداف الثورية الخالدة منذ سبتمبر وأكتوبر وليس فيها ما يفرق أو يخلق النزاع بين من يؤمن بقيم الحرية والعدالة والمواطنة وسيادة النظام والقانون، وقد تجسدت كل تلك القيم والمبادئ والأهداف في مخرجات الحوار الوطني العقد الاجتماعي الجديد الذي توافق عليه اليمنيون لبناء يمن اتحادي يتسع لكل أبناءه ويحقق كل تطلعاتهم في النهضة والبناء والتنمية والعيش الكريم.

 

تلك القيم هي التي تجمعنا جميعاً في مواجهة مشروع الإمامة وكل مشاريع الفوضى والفساد والاستبداد.

 

الرحمة والخلود للشهداء والشفاء للجرحى والمجد لكل المناضلين المدافعين عن الوطن وجمهوريته وسيادته.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى