الصحافة اليمنية من تحقيق المكاسب إلى قبضة الجرائم الحوثية

سبتمبر نت/تقرير – أحمد عفيف
كل عام يحتفي اليمنيون بيوم الصحافة اليمنية في التاسع من يونيو الذي صادف هذا العام يوم الثلاثاء الماضي، لكن المعادلة تغيرت منذ تمرد المليشيا الحوثية على الحكومة الشرعية لتتحول مظاهر الاحتفاء إلى مآتم وعزاءات ومطالبات ومناشدات جراء الانتهاكات والجرائم والتعسفات التي مارستها المليشيات والتنظيمات الإرهابية بحق الصحفيين والإعلاميين ومؤسساتهم.
وبالإضافة إلى جرائم القتل والاختطاف والتعذيب والمنع والمصادرة والتحريض والتضييق، يواجه الصحفيون هذا العام أخطارا مهددة لحياتهم من قبيل قرارات الإعدام خارج القانون وتلقي رسائل التهديد بالقتل من مصادر مجهولة وحوادث الاغتيال لمن يمارسون المهنة والمكوث في المعتقلات بظروف سيئة وغير صحية بالتزامن مع تفشي الأوبئة والأمراض والحميات وتأكد إصابات بالأوبئة في أوساط العاملين داخل السجون.
تشهد الحقوق والحريات الإعلامية انتكاسة غير مسبوقة، جعلت من بيئة العمل الصحفي والإعلامي بيئة غير آمنة في ظل مليشيات متمردة عن الحكومة الشرعية وهشاشة الموقف الدولي تجاه المنتهكين لحقوق وحريات الصحفيين والإعلاميين، فمن المفترض أن يتم تفعيل الآليات الدولية الخاصة بحماية هذا الوسط في مرحلة الحرب التي تشهدها البلاد لكن الموقف الدولي يظل ضعيفا حتى اللحظة.
قبضة حديدية
في بيانها الصادر بمناسبة يوم الصحافة اليمنية طالبت نقابة الصحفيين اليمنيين بإنهاء القبضة الحديدية على المهنة واصفة الوضع الذي يعيشه الصحفيون بشديد الخطورة والصعوبة، وقالت في البيان: “إن الحرب الدامية التي تعرضت لها الصحافة اليمنية ابتداء من استباحة وسائل الإعلام ونهبها ومطاردة الصحفيين والمصورين وإيقاف العشرات من وسائل الإعلام ونهبها، وحجب المئات من المواقع الإلكترونية المحلية والعربية والدولية يجب أن تتوقف، وأن تتعامل المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي مع أزمة الصحافة اليمنية بما يناسب تضحياتها منذ بداية الحرب وحتى اليوم”.
كما طالبت في البيان كافة المنظمات الدولية المعنية بحرية الرأي والتعبير مواصلة ضغوطها للإفراج عن جميع الصحفيين وإطلاق رواتب العاملين في وسائل الإعلام الرسمية والتحقيق في كل قضايا القتل والاعتداءات التي لن تسقط بالتقادم وفقا للبيان.
وأوضح البيان أن “نقابة الصحفيين اليمنيين وفي مثل هذه الأوضاع العصيبة تشعر بأسى كبير أن تأتي هذه المناسبة وهناك 16 صحفيا يعانون الويلات في السجون، بعضهم صدرت بحقهم أحكام سياسية ظالمة بالإعدام”.
مصفوفة مطالب
في ذات السياق أطلقت 30 منظمة معنية بحقوق الإنسان بالحقوق والحريات الإعلامية مصفوفة مطالب لخلق بيئة مشجعة وآمنة للعمل الصحفي والإعلامي، وإيقاف آلة العنف والجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين والإعلاميين، ولعل أبرز ما ورد في البيان يتلخص في النقاط التالية:
– التوقف الفوري عن استهداف الصحفيين، أو التضييق عليهم وعلى الحريات الإعلامية بأي شكل من الأشكال.
– رفضنا توظيف أو تسييس أو استغلال قضايا الصحفيين، ورفضنا الزج بملف الصحفيين فيما يسمى بـ “التبادل” لأن هذا يتناقض مع كل القوانين والتشريعات الدولية والمحلية، واتفاقيات حقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة، ويعتبر انتهاكا خطيرا يجب أن يتوقف فورا.
– الدعوة للإفراج الفوري عن الصحفيين كافة، دون قيد أو شرط، ومساءلة الأطراف التي تورطت في تعذيب وقتل الصحفيين وتقديمها للعدالة.
– إطلاق سراح وضمان سلامة الصحفيين المختفين قسريًا للعام السادس على التوالي.
– التحقيق الفوري في جرائم الاغتيال، وملاحقة القتلة وكشف نتائج التحقيق للرأي العام، ونطالب بملاحقة كل مرتكبي جرائم قتل الصحفيين وعدم إفلاتهم من العدالة.
– التضامن مع كافة الصحفيين اليمنيين الذين تعرضوا للتشريد والملاحقة والانتهاكات الخطيرة، ومطالبة الجهات كافة بسرعة صرف مرتبات الصحفيين وتسوية أوضاعهم.
– رفض سياسات المماطلة والتأجيل التي أسفرت عن استمرار بقاء الصحفيين رهن التعذيب والسجون، طيلة خمس سنوات، وهي نتيجة كارثية للتغاضي عن سلوك القمع والانتهاكات لحقوق الإنسان، وغياب آليات فاعلة لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وتمثل نقطة سوداء في سجل حقوق الإنسان وحرية الصحافة.
– سرعة الإفراج عن الصحفيين وسجناء الرأي والناشطين السياسيين كافة وفي مختلف السجون والمعتقلات التابعة لأطراف النزاع في اليمن، حرصا على حياتهم عقب تفشي جائحة كورونا في اليمن، وتنفيذا للقوانين والمبادئ الإنسانية ومعاهدات حقوق الإنسان وحرية الصحافة.
وفي البيان أعلنت المنظمات الموقعة عن عزمها تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة قضايا الصحفيين في السجون والمعتقلات ومناصرة كافة القضايا التي تتعرض للعنف والانتهاك.
حملة مناصرة
في هذه المناسبة دعا إعلاميون وناشطون ومنظمات إعلامية ووسائل إعلام إلى المشاركة بحملة مناصرة إعلامية لقضايا الصحافة والإعلام في اليمن. شارك في الحملة الكثير من المعنيين ومن الوسط الصحفي والإعلامي وحققت نجاحا كبيرا في صناعة رأي عام مساند لقضايا الصحفيين والإعلاميين، وتعددت القضايا والموضوعات التي تم ضخها لصالح الحملة لكن أبرز ما ركزت عليه تمثل في:
– رفض ممارسات الابتزاز السياسي من قبل مليشيا الحوثي بقضية الصحفيين المختطفين لديها منذ خمس سنوات، من خلال الزج بهم في عمليات تبادل الأسرى، فهم صحفيون مشمولون بالحماية وفقا للقوانين والعهود الدولية وليسو أسرى حرب.
– استنكار موافقة المبعوث الأممي على ضم الصحفيين المختطفين لصفقات التبادل، والمطالبة بإطلاقهم فورا دون قيد أو شرط.
– مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عقابية رادعة على مليشيا الحوثي تفضي هذه الإجراءات إلى الإطلاق الفوري للصحفيين المختطفين بشكل عاجل نظرا لتفشي الأوبئة والأمراض في ظل ظروف غير صحية يعيشونها في السجون والمعتقلات.
– تقديم اقتراحات متعلقة بتفعيل آليات محلية لحماية الصحفيين ومطالبة المنظمات الدولية بإسناد هذه الآليات.
كما اشتملت موضوعات الحملة على سرد وقائع الانتهاكات المرتبكة بحق الصحفيين والإعلاميين معززة بالصور وتسجيلات الفيديو، ومعلومات متعلقة بالواقع الصعب الذي يعيشه الصحفيون وأسرهم في ظل هذه المهددات.
أقسى الانتهاكات
يقول محمد المقرمي رئيس مركز الإعلام الإنساني لـ”26سبتمبر: ” التاسع من يونيو يصادف يوم الصحافة اليمنية، وفي ذات التاريخ من يونيو 2015م مارست مليشيا الحوثي في صنعاء أقسى الانتهاكات لحقوق الصحفيين؛ حيث اختطفتهم واقتادتهم إلى سجونها ومارست في حقهم أقسى أنواع التعذيب غير آبهة بحرية الصحافة والقانون الإنساني الدولي الذي يحمي الصحفيين ويحتّم على جميع الأطراف احترامهم وحمايتهم لممارسة عملهم النبيل في كشف الحقيقة دون أي ضغوط تمارس ضدهم؛ لينتصروا للحقيقة الغائبة في خضم الصراعات، ويكونوا سندًا للإنسان والمواطن والقضايا العادلة التي غابت في ظل الانتهاكات المتعددة للحريات والحقوق”.
وأشار المقرمي إلى أن “حرية الصحافة أصبحت حلما بعيد المنال في ظل هذا الوضع المأساوي الكارثي الذي يمر به اليمن وتتحكم ببعض ترابه مليشيات لا تعترف بالحقوق ولا تعرف معنى الحريات، وتسعى بكل قواها لحرف مسار الصحافة والصحفيين ليصبحوا مجرّد أبواق يسبحون بحمد المليشيات ويلمّعون قيادات غارقة في الانتهاكات”.
قضية المختطفين
في مقال نشره بهذه المناسبة، تحدث الكاتب الصحفي حسين الصوفي عن قضية المختطفين في سجون مليشيا الحوثي، ولخص البعد القانوني لقضيتهم بأن كافة العهود والمواثيق والقوانين والأعراف الدولية والمحلية تمنع اختطاف الصحفيين والتضييق عليهم، مستنكرا المغالطات التي مارستها المنظمات الدولية في توصيف القضية على الرغم من وضوحها وانعدام أي إشكاليات مرتبطة بالنصوص المتعلقة بها، وتساءل الصوفي عن سر مكوث الصحفيين في سجون المليشيا فترة خمس سنوات على الرغم من عدالة قضيتهم ووضوحها، وعن سر هشاشة الموقف الدولي تجاه هذا الملف.
وما ذهب إليه حسين الصوفي يؤيده الكثير من نشطاء الحقوق والحريات الذين يبدون اندهاشهم من الموقف الأممي المتخاذل والمخالف لأطر الشرعية الدولية، إذ بإمكان الأمم المتحدة القيام بعملية ضغط لإطلاق الصحفيين المختطفين واتخاذ إجراءات عقابية إن لزم الأمر.
تجويد الخطاب
الصحفي جلال الصمدي له رأي أوسع في هذا الإطار، فهو يرى أن الصحافة اليمنية تعيش محنة حقيقية وكبيرة لا تتعلق فقط بالانتهاكات التي تطال مؤسساتها والعاملين فيها، فهناك إشكالية متعلقة بالحرب البينية المتسعة بين المؤسسات الصحفية ذاتها وتكريس الخطاب نحو تأجيج الصراعات والشخصنة وتعزيز العنف.
يقول الصمدي لـ”26سبتمبر: “الصحافة اليمنية تعيش محنة حقيقية وهي أكثر من مجرد محنة سياسية بل محنة عبث بعقول الناس وضمائر القراء فالصحافة اليوم يقع على عاتقها دور كبير في توجيه الرأي العام نحو مسلك أو أهداف معينه تراعي فيها مصالح المجتمع والناس وتغيير واقع الصحافة اليمنية”.
ومن أجل تفعيل الدور الحقيقي للصحافة بعيدا عن المنزلقات الخطرة يؤكد جلال بأنه “يجب علينا جميعا الابتعاد عن الإثارة والضجيج المضر بالوطن ونتجه نحو الإعلام التنموي والتطويري الصادق الذي يساعد على البناء والتطوير وإبراز السلبيات بالتزامن مع تقديم الحلول التي تساعد على القضاء عليها”.
مكاسب ولكن
اكتنزت مخرجات الحوار الوطني الشامل مكاسب حقيقية لقطاع الإعلام والثقافة، وتضمنت وثيقة الحوار كثيرا من القرارات والتوصيات والموجهات الدستورية والمحددات القانونية التي قدمت حلولا جذرية وجدية لحلول مشكلات الماضي وترسيخ قواعد صلبة ومتينة كفيلة بإحداث تنمية إعلامية شاملة ومتكاملة ومستدامة، وبسط أرضية واسعة لممارسة الحقوق الإعلامية والصحفية دون تعقيدات بيروقراطية أو إجراءات قمعية، ابتداء من إصلاح منظومة الإعلام وإبعادها من قبضة الرسمية، مرورا بمنح استقلالية مطلقة لمؤسسات ووسائل الإعلام انتهاء بحق الإعلاميين في الحصول على البيانات والمعلومات والوثائق واستخدامها، علاوة على ذلك لم تغفل المخرجات الجوانب المتعلقة بحماية الصحفيين والإعلاميين فكان من ضمن القرارات التي تضمنتها المخرجات إصدار قانون خاص بحماية الصحفيين والإعلاميين، ونورد هنا جانبا بسيطا من المخرجات التي تضمنتها الوثيقة كما وردت:
– تجريم استغلال المال العام والإعلام العام وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية لصالح حزب أو فئة بعينها.
– يكفل الدستور للمواطنين حق الحصول على المعلومات بشفافية تامة.
– تعزيز الدور التوعوي للإعلام ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب بما يكفل نشر الثقافة القانونية واحترام القانون.
– تفعيل دور وسائل الإعلام والتوجيه والثقافة في إحياء الثقافة الإسلامية المعتدلة، وتفعيل دور الوازع الإيماني والوطني في نبذ الفساد ومحاربته والحد منه.
– النص في القانون على ضمان حق المواطنين ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في الحصول على المعلومات واستخدامها، والقيام بدورهم في الرقابة وتعزيز جوانب الشفافية في السياسات الحكومية والإجراءات الإدارية وخاصة ما يتعلق بالقضايا المالية لتمكين المواطنين والأحزاب والجهات المعنية من القيام بدورهم في عملية الرقابة والمحاسبة.
– إصدار قانون لحماية الإعلاميين والصحفيين وضمان استقلاليتهم بما يضمن حرية التعبير للقيام بدورهم في ترسيخ الحياة الديمقراطية وقيم النزاهة والحكم الرشيد.
– يوصي الفريق بإلغاء محكمة الصحافة.
– إنشاء هيئة أو مجلس أعلى للإعلام يضمن الحيادية والاستقلالية المالية والإدارية والمهنية بما يعزز قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وينظم القانون تشكيلة الهيئة أو المجلس وشروط شغل الوظائف فيه.
– حرية الفكر والرأي مكفولة ومن حق كل فرد التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو الرسم أو الإشارة أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير.
– لا يجوز حبس شخص أو صحفي على ذمة رأي كما لا يجوز إكراه أي فرد على البوح بآرائه وأفكاره وقناعاته بأي شكل من الأشكال.
– من حق الأفراد والمؤسسات والجمعيات والأحزاب امتلاك وإطلاق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية بمجرد الإخطار.
– يحظر وقف أو إغلاق أو مصادرة الصحف أو المطبوعات أو وسائل الإعلام الأخرى إلا بحكم قضائي بات.
– إعادة النظر في كادر الإعلاميين من حيث الراتب والتأمين الصحي والاجتماعي بما يضمن لهم العيش الكريم ويحافظ على كرامتهم واستقلاليتهم وحيادهم.
هذه جزء يسير مما تحقق من مكاسب لقطاع الإعلام والثقافة في مخرجات الحوار الوطني الشامل، وبينما كان الوسط الإعلامي والصحفي في انتظار تحققها واقعا، انقلبت مليشيا الحوثي على السلطة واستحكمت على مؤسسات الدولة وأجهزتها لتشهد الحقوق والحريات الإعلامية والصحفية أسوأ عهودها في تاريخ اليمن الحديث، حيث شهدت سنوات الانقلاب الخمس إغلاق كافة المؤسسات الإعلامية والصحفية الواقعة في إطار سيطرتها ومصادرة ممتلكات وتجهيزات وسائل الإعلام، وتعرض الإعلاميين والصحفيين للقتل والمطاردة والاختطاف والتعذيب والمنع والمصادرة لتختفي حرية الرأي والصحافة ويسود خطاب الكراهية والعنف والطائفية والتطرف من خلال وسائل إعلام محدودة تابعة للمليشيا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل استهدفت المؤسسات الإعلامية بالقصف المباشر وتعرضت المواقع الإلكترونية للقرصنة والحجب، وصودرت حرية التعبير في منصات التواصل الاجتماعي، ودخلت الصحافة اليمنية في مرحلة الشلل التام جراء كل ذلك، وفي ظل هذه المخاطر الكبيرة لم يتمكن الإعلاميون من كشف الحقائق للناس وبدلا من قيامهم بدورهم المنُاط بهم ظلوا ولازالوا يغالبون هذه المخاطر وينشغلون بالحصول على آليات للخلاص من ممارسات المطاردة والتحريض والعنف والاختطاف والتعذيب.
أتاحت المناطق المحررة مساحة جديدة وواسعة لحرية الصحافة والإعلام ما سمح لوسائل الإعلام بإعادة تشكيل بنيتها المؤسسية والبدء بتفعيل دورها، وهي أرضية يمكن البناء عليها لتعزيز فاعلية الإعلام والصحافة وبناء آليات مرحلية حتى على مستوى المجتمع المدني لتوفير الحماية الأساسية لمنتسبي الصحافة والإعلام، والكرة الآن في ملعب وسائل الإعلام لإعادة تشكلها في إطار اتحادات ونقابات وشبكات تنصب جهودها نحو الضغط المستمر لإيجاد الحلول والبدائل والآليات التي من شأنها حماية هذه المؤسسات ومنتسبيها، كخطوة أولى في طريق عكس مخرجات الحوار والمقررات الدولية ذات الصلة في قوانين ونظم ولوائح تنفيذية تحقق في مجملها حرية الرأي والتعبير والعمل الإعلامي والصحفي.