الجدعان ..فداء العظماء

العميد/ علي محمود يامن
ثمة نماذج محدودة في التاريخ البشري لظاهرة الفداء الجماعي الاختياري تبرز على فترات متباعدة من الزمن وبين أعراق متنوعة من البشر وعلى أرضيات متعددة من بواعث النضال الإنساني لكنها تظل نسبية الحدوث وضيقة المساحات ومتباعدة الأزمنة في كل المجتمعات والقوميات والأعراق والقبائل.
لكن الفداء الجماعي الباذخ العطاء والمتوالي الحدوث والوافر الوجود والمتجرد المآرب الذي قدمته الجدعان القبيلة والمعنى، الفرد والمجموع، شيء لا يخطر على بال كل كتاب التاريخ ورواة السير.
ثمة خيال جامح لواقع معاش وأساطير تذهل العقول لأحداث معاصرة على بقعة صغيرة من وجه الأرض ومن ثلة قليلة مباركة من صناديد البشر في نقطة صغيرة على خارطة الوطن اليمني العظيم قليلة السكان عظيمة العطاء كبيرة الفداء شديدة البأس عميقة الإيمان صادقة الجنان أعز ما فينا قبيلة الجدعان.
ليس على وجه الأرض لها شبيه في الفداء الضخم والتضحية الجسيمة ونكران الذات المبالغ في تلبسه من قبل فئة قليلة من البشر تحضر في المغرم وتغيب عند المغنم.
في الجدعان وحدها دون سواها الكل يقاتل من أجل كرامة اليمن وعزة الوطن وشرف القبيلة وقيم المجتمع الجميع بروح فدائية جماعية وبقيم جمهورية صرفة.
قوم خلقهم الله ليقدموا للناس صورة حية للقيم الإنسانية والوطنية والأخلاقية الرفيعة المتجسدة في مجموعة من البشر تمشي على البسيطة وتآكل من خشاش الأرض وتعيش في الدنيا كعابر سبيل تشتاق الى العزة والكرامة والحرية, وتقتات على معاني المجد وآيات الفداء تفشخ قلوب آبائها وتوزع خلايا أفئدة ابنائها في رؤوس الجبال وبطون الأودية وعند أطراف الصحراء لينعم البشر والشجر والحجر بالأمن والسلام في بلد امتهن قوم فيه حرفة القتل ووظيفة توزيع الموت وصناعة الدمار وتعميم الشر على كل شيء تمر جحافلهم من على مقربة منه.
في بواكير الأسبوع المنصرم ارتقى رجل مسن على مشارف السبعين من العمر شهيدا الى رحاب السمآوات من ساحات الفداء ومواطن الشرف ليدافع عن بقية من كرامة الوطن الذي تنكر له كثير واقتات على بؤسه جمع من بنيه ، شيء عظيم من البطولة وقيمة كبيرة من معاني الفداء لشيخ هو اكبر مشائخ اليمن في المعنى والقدر في الفداء وروح التضحية ما أعلاه من مرتبة وما ارفعه من مقام ان يزاحم هذا الشيخ الطاعن في السن شباب وطنه مرثون سباق الموت من اجل اليمن ، لكن ما لم يكن في الخيال ولا يخطر على قلب بشر ان يلحق بخمسة من ابنائه وتسعة من ابناء اخوته وجمع مبارك من ابناء قبيلته وصناديد عشيرته سبقوه في الاستبسال على عتبات الوطن المكلوم ، اي ارواح هذه ومن اي ضوء تلك النفوس ومن اي جواهر هؤلاء البشر ومن اي طينة تلك الأمهات التي شرفهن الله بهذه الخلفة.
شيء لا تصدقه العقول وقصص هي الى الخيال منها الى الحقيقة اقرب . لو قدر لنا ان نقرأ تلك الأسفار في التاريخ لقلنا خيالات كتاب وشطحات مؤرخين وأساطير اقوام جمح بهم شرود الا وعي ، لكن ماذا عسانا نقول لحقائق نعيشها كل يوم ذات مساء و ذات صباح انها أقدار الله التي شاءت ان نعيش زمنا جمع الله فيه المتناقضات ومايز بين الأشياء بأضدادها.
رحم الله شيخ الشهداء وأبو الشهداء وعم الشهداء وخال الشهداء وعجينة الله في الشهادة والفداء الشيخ الشهيد والعلم الفريد / حمد بن ناصر رقيب الاجدعي.
حفظ الله اليمن من كل سوء ومكروه