الحالة اليمنية والموقف الدولي منها

كتبه – د. عبده عبدالله
تشخيص الحالة :
في تقرير الشفافية الدولية لعام 2011 م المعني بالفساد جاء ترتيب اليمن في المرتبة 164 من 182 دولة شملها التقرير ، وصنفت الحكومة اليمنية بأكثر الحكومات فساداً سياسياً وعسكريا واقتصاديا، يحكمها صالح منذ ثلاثة عقود من الزمن.
هذا الواقع كان الأجدر بالدولة أن تتبنى إصلاحات جوهرية، غير أنها تناغمت مع التوجه لقلع العداد، وتأبيد الحكم لصالح وتوريثه. .
تهديد المعارضة بالشارع
هددت المعارضة بالنزول للشارع احتجاجا على تردي الأوضاع وكيفية إدارة الدولة، غير أنها لم تكن تمتلك الاستراتيجية والتوقيت والتحكم في بوصلتها، وظلت عصى تلوح بها حتى اندلاع ثورتي تونس ومصر2011م.
مبادرة صالح والمواقف منها
إطاحة الثورة التونسية بالرئيس التونسي زين العابدي ، ثم إسقاط الثورة المصرية حسني مبارك في غضون شهر من اندلاعهما، الامر الذي دفع بصالح لتقديم تنازلات كبيرة للمعارضة، توقيا لثورة مماثلة، اختصرها في ثلاث جمل: “لا للتمديد، لا للتوريث، ولا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء” .
لم يلتفت المحتجون لتلك المبادرة واستمروا في حراكهم الثوري الذي بدؤه باحتجاجات وتظاهرات في23 يناير و27 يناير و2 فبراير 2011م.
أما المعارضة فأعلنت في بيان لها صدر في 13 فبراير، دعت فيه الحزب الحاكم لبناء الدولة اللامركزية، والاعتراف بالقضية الجنوبية وحلها حلاً عادلاً، والوقف النهائي للحروب في صعدة، والتوزيع العادل للثروة لتحقيق العدالة والمساواة ، وبناء المؤسسات الوطنية على أساس وطني ، وجعل مواجهة الإرهاب قضية وطنية بعيداً عن التوظيف والاستثمار.
الموقف الدولي من الحالة اليمنية
ففي 20 مارس ، حث الأمين العام الأمم المتحدة بان كي مون الحكومة اليمنية لإتخاذ إصلاحات جريئة و الدخول في حوار وطني مع المعارضة.
وفي 25 يوليو أعلن المبعوث الاممي ابن عمر موقف الأمم المتحدة من الحالة اليمنية وهو أن “أي حل للأزمة يجب أن يكون داخلياً”.
واتصل اوباما هاتفيا بصالح في 2 فبراير2011م مشيدا بالإصلاحات التي وعد بها، ويطلب منه الإيفاء بوعوده ويتخذ الإجراءات الملموسة.
واعتبر الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني: إن على الرئيس اليمني علي عبد الله صالح البدء الآن في عملية انتقال سلمي للسلطة وفق جدول زمني.
ثورة 11 فبراير والمواقف منها
هي سلسلة احتجاجات شعبية، سيّرها الشباب في 23يناير ، و27 يناير، و2 فبراير، وصولا الى 11 فبراير منادية باسقاط نظام حكم الرئيس صالح ، وتبني إصلاحات حقيقية في مختلف مجالات الحياة، فعمدت السلطة إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين واختطافهم، وقد جرّم المجتمع الدولي كل أشكال العنف ضد المتظاهرين، ودعا لمحاسبة العناصر الضالعة في العنف، ووصف ما يجري في اليمن بجرائم ضد الإنسانية، وتوعد بحمل ملفها الجنائي الرئيس صالح وكل معاونيه.
موقف الأحزاب من ثورة 11 فبراير:
وقفت أحزاب المعارضة موقفا شابه الغموض والتردد، وتباينت مواقفهم في عملية مساندتها والالتحاق بها، وذلك لحسابات يراها كل فصيل من واقع تجربته النضالية، ثم ما لبثت في يوم الأحد 20 فبراير 2011 أن دعت كافة المكونات الحزبية والمجتمعية للنزول إلى الشارع، ومساندة المحتجين المطالبين صالح عن الحكم .
موقف القبيلة:
أما القبيلة فـأيدت الثورة الشبابية السلمية وتوافدت للاعتصام بساحات التغيير وميادين الحرية، وفَقَدَ صالح ورقة القبيلة، وهو ما اضطره للقبول بالمبادرة الخليجية التي تحثه على التنحي عن السلطة .
الموقف الدولي:
اتسمت المواقف الدولية إزاء الثورة اليمنية بالغموض وشابها عدم الوضوح، بخلاف موقفها من الثورات الأخرى في ظرفها الزمني، وتعاملت معها كأزمة سياسية طرفاها النظام والمعارضة.
المبادرة الخليجية:
في أبريل 2011م قَدّم مجلس مقترحات لانتقال السلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، بين الأحزاب وصالح، وضغط المجلس على صالح من أجل تنحيته، ووافق صالح أخيرا في 23 نوفمبر على الاستقالة مقابل الحصانة، ونقل سلطات الرئاسة قانونا إلى نائبه عبد ربه منصور هادي .
الحالة اليمنية في ولاية هادي:
في 21 فبراير 2012 ، انتخب المشير عبد ربه منصور هادي رئيسا توافقيا للمرحلة الانتقالية التي نصت عليها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
ينظر الثوار والمعارضة المساندة لمطالبهم أن انتخابه استكمال لأهداف ثورة الشباب التي بدأت قبل عام من انتخابه.
أما صالح فكان يطمح أن يكون رئيسا للرئيس هادي غير أنه وظف خبرته بصالح لتجاوزه، مما عرض حياته للخطر من أكثر من عملية اغتيال نجا منها.
حكومة الوفاق وإعاقتها:
في 20 نوفمبر 2012م أصدر هادي قرارا بتكليف محمد سالم باسندوة بتشكيل حكومة الوفاق الوطني لقيادة المرحلة الانتقالية التي تسبق موعد الانتخابات الرئاسية، ورغم جديتها وكفاءتها ومؤازرتها إقليميا ودوليا إلا أن النظام السابق المتجذر في المؤسسات الحكومية عمل على زعزعة الأمور في البلد، وإعاقة مهامها، الذي يهدد الانتقال السياسي الجاري، وللمساعدة في وقف هذه التهديدات أصدر مجلس الأمن القرارات(2204) (2140) (2015) تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة قضت بتمديد العقوبة لبعض الرموز السياسية السابقة حتى 26 فبراير 2016م، وتجميد الأصول ، وحظر السفر ، وتم تمديد ولاية فريق الخبراء للجنة 2140 إلى 25 مارس 2016، ورغم ذلك لم يجدي ردعاً لهم.
الانقلاب على الشرعية وتداعياته
تطبيقا لمضامين الحلول المطروحة في المبادرة الخليجية انطلق مؤتمر الحوار الوطني بحضور جميع الأطياف السياسية والمجتمعية وناقشت القضايا الرئيسية في البلد، وخرجوا بمخرجات كحلول للقضايا الرئيسية اتفق جميعهم عليها، لكن سرعان ما انقلبت الحركة الحوثية على ذلك، بتحالفها مع علي صالح، وعملت على حصار العاصمة اليمنية صنعاء ، حتى اقتحامها في 21مارس2014 وطردها السلطات الحكومية، واستيلائها على السلطة ، للاستحواذ على القرار السياسي، وتم محاصرة الرئيس هادي وحكومته وجعلهم تحت الاقامة الجبرية، فأصدر مجلس الأمن قراره(2201) في 15 فبراير 2015، يطالب الجماعة بسحب مسلحيها من المؤسسات الحكومية ،وطالبهم بالانخراط في مفاوضات السلام، لكنها لم تمتثل لذلك.
ووفقا لدعوة مجلس الأمن وقعت الشرعية مع الحوثيين اتفاق السلم والشراكة ، فلم تلتزم الجماعة بأي من بنوده، وسعت لتوظيف الرئاسة والحكومة لسياستها فقدم الرئيس هادي ورئيس الحكومة بحاح استقالتهما في 22 يناير 2015م.
وفي خطوة تالية أصدر الحوثيون ما أسموه بالإعلان الدستوري” في 6 فبراير وقاموا بحل البرلمان، وتمكين “اللجنة الثورية” بقيادة محمد علي الحوثي لقيادة البلاد، وأعلنوا عن عزمهم تشكيل مجلس وطني من 551 عضوًا، ومجلس رئاسي من خمسة أعضاء بقيادة محمد علي الحوثي وهو ما رُفض محليًا ودولياً.
لم يبت مجلس النواب في الاستقالة، وغادر هادي إلى عدن في 21 فبراير، وفي 26 فبراير 2015، أصدر مجلس الأمن بيانًا يصف فيه عبد ربه منصور هادي بالـ “رئيس الشرعي” داعيًا جميع الأطراف وبالذات الحوثيين إلى الانخراط بحسن نية في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة.
واصلت الجماعة تمردها وصولا إلى عدن في 26 مارس 2015، فغادر هادي إلى السعودية.
عاصفة الحزم:
بدأت العمليات في الساعة الثانية صباحاً بتوقيت السعودية من يوم الخميس 5 جمادى الثانية 1436 هـ – 26 مارس 2015م وأعلنت السعودية بأن الأجواء اليمنية منطقة محظورة ، محذرة من الاقتراب من الموانئ اليمنية، وذلك استجابة لطلب تقدم به الرئيس هادي لإيقاف الحوثيين.
وعملت دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية على موافقة مجلس الأمن على مشروع القرار 2216 الذي تقدمت به وتحفظت روسيا بالتصويت عليه.
وقد استطاعت عاصفة الحزم أن تنقذ اليمن والمنطقة والأمن الدولي من الاطماع الإيرانية التي تدفع بالحوثي كأداة لتحقيق أهدافها غير المشروعة .
من خلال هذا الاستعراض للموقف الدولي متمثلا بمجلس الأمن من الحالة اليمنية لا سيما بعد الانقلاب يتجلى أنه فشل في إلزام الانقلابين في تنفيذ بنود قراراته خاصة القرار رقم (2216) غير أن القرار يعطي حقا للدول التي يهدد أمنها وسلمها الاجتماعي من الدفاع عن نفسها .
الرهان في هذه المعركة والمعول عليه في وحدة الصف، لتحقيق الهدف وانهاء الانقلاب، والولوج للمرحلة القادمة لمعالجة آثار الانقلاب، في اليمن الاتحادي الجديد.