مقالات

شهيدات في محراب الحرية

بقلم/ بلال الطيب

كثيرون هم من ذهبوا شامخين، ضحـوا بأرواحهم رخيصة من أجـل إيجاد وطن خـالٍ من التشوهات، كانـوا وما زالوا مصابيح فجـرنا الجديد، وعصارة نضالنا المُمتد.

ما زالت دمـاؤهم الزكية تُحرك فينا روح «الثورة»، تلك الـروح الـوثابة التي تتبنـاهـا السجيـة الإنسانيـة السليمة والمسالمة، التي تأبى «المذلة»، التواقة لـ«الحرية»، والمنتصرة لـ«الكرامة والإنسان».

لا شيء غير رائحة البارود، وصوت الرصاص، ودوي المدافع، هكذا كـان صباح تعـز، في جمعة «لا حصانة للقتلة» «11/11/2011»، وما زال، وكأنه قدر هذه المدينة الحالمة ألا تصحو كوابيسها.

لم تفلح حينها محاولات «البلاطجة» في إثناء الحشود عن التوافد والحضور، قصفوا ساحة الحرية بالسلاح الثقيل، امتلأت «الساحة» بـ«الثوار»، وملأت هتافاتهم الأرجاء، وتكفل صداها الهادر بمحاصرة وخنق القتلة.

كانت «تفاحة العنتري» أول الواصلين، افترشت سجادتها أمام فندق المجيدي، وبجانبها «زينب الحزمي، وياسمين الأصبحي»، وحين قصفت الساحة بـ«السلاح الثقيـل» كُـن أول الضحـايـا.

– تفاحة: «إن شاء الله أنني اليوم بعد عزيزة الله يرحمها، ويكتبنا من الشهداء ويتقبلنا معهم».

– زينب: «إن شاء الله نحنا اليوم من الشهداء..».

– ياسمين: «إذا دفنتموني فشيعوني وادفنوني الجمعة أو الخميس أو الاثنين لكي تكون المسيرة مكتملة والكل يمشوا في جنازتي».

هكذا كان سيناريو الفصل الأخير لشهيدات الحالمة، حسب حديث «زينب المخلافي» الجريحة الناجية من ذلك الموت المحقق.

سطرن ثلاثتهن «تفاحـة، زينب، يـاسمين» على ظهر «أول متر مربع لساحة الحرية والثورة» أبهى لحظات التضحية والفداء، كانت إحداهن الشهيدة «تفاحة العنتري» من اكتشف العالم بسقوطها جاذبية الثورة اليمنية، كانت زوجـة أبي وأمي الثانية، بفقدانهـا تجرعت أسرتي الصغيرة أكبر وأقسى الأحزان، خُيـل لي أن روح والدي «محمود الطيب» المُولع حينها بالثورة والثوار تستعد هي الأخرى للمغادرة.

خيمت على والدي «الطيب» نـوبات متتالية من حُـزن ثقيـل، كادت تذهب بوضاءة وجهه، ونقاء سجيته، وديمومة محبته، وحين عجزت مواساتنا بالتخفيف عنـه، ذكـرنـاه بـ«اليمن» فعاد صلباً قـوياً كما هي عـادته.

ما زلنا جميعاً نتذكر ذلك المَشهد الحزيـن، تلك الفاجعـة والحدث الاستثنائي الذي استحوذ على أحزاننا بفعل الصـورة التي بثت التفاصيل دون رتوش.

يا لها من ذكـرى مـؤرقة لوجع طويل، تتجدد حزناً وقهراً، وتثير فينا رغبة لرؤية اليمن الاتحادي المنشود، وأهداف ثورة «11 فبراير» تتحقق، كي لا تذهب تضحية من ذهبوا شامخين سدى.

تعز «الثورة والبطولة» التي هزت عرش الطغاة، وأذلت كبرياءهم ذات ثورة، ما زال الجنون الحوثي السلالي يلقي بحممه عليها، وينتقم منها شر انتقام، يريد استباحتها، يريد تركيعها، يريد إذلالها، ولكن أنى له ذلك، ففيها رجال صامدون كالجبال، ونساء ثائرات عصيات على الانكسار.

ذهب الطغاة من بيت «حميد الدين» وبقيت تعز، وذهب الزعيم وأحذيته، وبقيت تعز،وسيذهب السيد وعبيده، وستبقى تعز، لأنها كانت وما زالت أيقونة الثورة، وساحتها «الحرية» منطلقها.

زر الذهاب إلى الأعلى