صناع الحرية

في حضرة الشهيد صدام الرعيني

بقلم اديب الفروي

الدكتور صدام محمد عبد السلام الرعيني  من أبناء شرعب السلام  تلك المنطقة المشهورة بشجاعة أهلها ومواجهتهم لجحافل المليشيا الانقلابية  التي ذاقت الويلات في مدينه تعز على أيدي أبناء تلك المدينة وريفها.

شاب في العشرينيات من عمره يحمل مؤهلا علميا في العلوم الطبية الصيدلانية ، بدأ حياته العملية بعد تخرجه من الجامعة لمده سنة في مستشفى المظفر بتعز صقل من خلالها مواهبه العملية والعلمية لخدمة اليمن وابناء مدينته الجميلة تعز وكانت أولى محطاته في رحلة الحياة العملية.

لم يكن لطموحه حدود وكانت أحلامه تعانق السماء فالأيام التي سبقت ثوره الحادي عشر من فبراير  كانت البلاد العربية تعج بثورات الربيع العربي التي أسقطت أنظمه التخلف والعمالة والاستبداد كأوراق الخريف وحال بلادنا لم يكن بأحسن حال من تلك البلدان العربية  التي تشترك في أنظمه خذلت شعوبها وتواطأت على إبقاء تلك الشعوب في تأخر وأحوال معيشية  بائسة جعلت الشباب العربي يثور عل تلك الأنظمة وكان سباقا لتغيير تلك الأوضاع .

الدكتور صدام الرعيني أحد الشباب اليمني الذي لديه نفس آمال وطموحات إخوانه العرب الذين خرجوا الى الساحات وميادين الاعتصامات للمطالبة برحيل انظمة التخلف العربية.

مع اندلاع ثوره الحادي عشر من فبراير  كان الدكتور صدام الرعيني أحد الشباب اليمني السابقين إلى ميادين وساحات الاعتصام للمطالبة برحيل نظام الرئيس على صالح  إلى جانب إخوانه  الشباب من أنحاء اليمن الذين خرجوا الى الساحات والميادين  املاً في حياه حرة كريمة.

واستمر الدكتور صدام الرعيني مرابطا في ساحات الاعتصام حتى نزع تلك الاعتصامات التي توجت بتوقيع على صالح على المبادرة الخليجية  وتسليمه السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي  التي شابت فترة توليه السلطة وما قبل الانقلاب الكثير من المؤامرات من قبل طرفي الانقلاب وحين تعرضت البلاد للخطر والانقلاب على مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وكافة الحوارات والاتفاقات بين الأطراف السياسية اليمنية.

كان الدكتور صدام قد استشعر الخطر كبقية إخوانه شباب الحادي عشر من فبراير  فخرجوا مدافعين عن مخرجات الحوار وما اتفق عليه اليمنيون ، ومن تهديدات الحوثي وصالح التي تمثلت بالانقلاب على كل تلك المنجزات التي تحققت لثورة الحادي عشر من فبراير والسماح لمليشيا الحوثي باجتياح عمران وصنعاء للانقضاض على ثوره الـ 11 من فبراير وشباب تلك الثورة ومنجزاتها .

وكان يعلم الشهيد الدكتور صدام الرعيني أن الخطر لم يعد على ثوره الـ 11 من فبراير بل تجاوز ذلك إلى تهديد الجمهورية ومكتسباتها وثوراتها التحررية  وكل مكتسبات تلك الثورات .

وكان خروج الشهيد الدكتور صدام الرعيني في مظاهرات ضد اجتياح صنعاء من طرفي الانقلاب  إلى جانب إخوانه علامه ورسالة واضحه للانقلاب أن ما حدث لن يلقى الترحاب أو السكوت كونه يهدد مستقبل اليمن وأبناءه الذين يحلمون بحياة كريمة  وان اجتياح صنعاء من قبل مخلفات الامامة وصالح كان علامه خطر ونذير شؤم على البلد واشاره لعوده نظام الأئمة في وجه جديد وأكثر خطورة  من ذي قبل .

لم تثمر المظاهرات التي خرج فيها الشهيد  الدكتور صدام الرعيني عن أي نتيجه  لإيقاف زحف واجتياح الحوثيين لليمن والمدن اليمنية  فكانت الكارثة.

فرأى الشهيد الدكتور الرعيني أن الأمور خرجت عن السيطرة  ولم تعد المظاهرات تجدي نفعا والسلمية التي ظل عليها الثوار لأكثر من عامين لم تعد مجدية في ضوء اجتياح المدن والاعتقالات ونهب المعسكرات وتدمير دور القران والمساجد وكثير من تبعات الاجتياح الغاشم وجرائمه التي توجت بالانقلاب في 21 سبتمبر وهو الموعد الذي يحمل دلالات كبيره من أهمها الانقلاب على الثورة والجمهورية وعهد جديد لدولة الامامة الذي لن يكتب له النجاح .

تأكد لدى الشهيد الدكتور صدام الرعيني  أن  الخطر الذي تمثل بالانقلاب على الرئيس هادي تجاوز ذلك إلى تهديد اليمن ومستقبل اجياله وثوراته فخرج إلى جانب إخوانه  لمواجهه ذلك الانقلاب الغاشم على الدولة والجمهورية  فكان من أول الشباب الذين التحقوا  إلى جبهات المقاومة وتحديدا تعز التي كانت وستظل من أعنف واكبر الجبهات التي انهارت فيها جحافل الانقلاب الغاشم ولم يتبقى فيها سوى تشييعها إلى مثواها الأخير  ودفنها ومعها أحلام الإمامة البائدة والواهمة والحالمة بعوده حكم التخلف .

لكن الشهيد الدكتور صدام الرعيني  كان له صولات  وجولات أخرى  بعد تضحياته وبطولاته الكبيرة في جبهات تعز فانتقل إلى ميدي بطلب من المنطقة العسكرية الخامسة في الرابع عشر من رمضان.

ووصل إلى جبهه ميدي في تاريخ 10 شوال الماضي  لمشاركة إخوانه جهادهم ونضالهم بهذه الجبهة بميدي التي اذاقت الانقلاب الويلات وحولت أحلام تلك المليشيا المتخلفة إلى جحيم يستعر من كل جوانب ذلك الانقلاب المتهالك الذي يعيش آخر أيامه.

رحلة الشهيد الدكتور صدام الرعيني الجهادية  بجبهة ميدي   لم تطول  حيث استشهد داخل مدينة ميدي أثناء تحريرها من المليشيات قبل عيد الأضحى بليلة واحده .

لم يمضي على استشهاده إلا أيام قلائل بعد وصوله جبهه ميدي ولم تكن هذه الجبهة محطاته الأولى في رحله نضاله وجهاده وكأنه كان على عجله من أمره للقاء ربه واشتياقه إليه فاشتاق الله إليه.

لا شيء يشبه الاشتياق، لكن الشوق في حضرة الشهادة يصبح جميلاً، لم يترك أخي الشهيد  الدكتور صدام محمد عبد السلام الرعيني – في رحيله وجع الفقد، بل تعويضاً لأرواحنا عما ينقصها من طمأنينة.

أكتب اليوم عن أخي الشهيد ، وهنا يتجلى الحب والشوق وما كان من حياة، هنا في حضرة الدكتور صدام ، لا أكف عن الضجيج والكلام، أقترب منه يبتسم  وينتصر على الصمت بسكونه وهدوئه.

أكتب اليوم عن الشهيد  صدام ، الذي تغير كل شيء في غيابه، حتى ضوء الصباح الذي كان يتشكل على هيئة وجهه الهادئ بات مختلفاً بعد شهادته، أجده معلقاً في السماء، يصلنا قليل من وهجه لكنه يلازمه حيث هو، لأنه الضوء وشكل الفرح.

لا أذكر الكثير من التفاصيل عن الشهيد ، رغم أنها لا تنتهي ربما يطغى العشق على كل اللحظات التي عاشها وتصبح كل الذكريات لحظة شوق ونظرة طويلة إلى كرم الله الذي لا ينتهي، مع الشهيد صدام  حيث يصبح الصبر بداية لقاء جديد، ويصبح الليل فرصة لاستحضار كل الذكريات.

كانت الساعة تقارب الثامنة مساء،  التقينا قبل أن يستشهد الأخ صدام بيوم أو يومين  كنت اتمنى  حتى أحظى بعناق أخير لكنه  ذهب سريعا ، تلك أفضل اللحظات التي رأيته فيها  هادئا مطمئن البال  لحظات تنبئ انه كان على موعد مع القدر.

كل الحب تجلى في الشهيد صدام  تلك اللحظة، ووددت لو يغرق في قلبي ويختفي عن أعين العالم لما رأيت من حسن خلق وحسن هندام وابتسامة خفيفة ملؤها الأمل والشوق إلى لقاء الله والتفاؤل بأيام أكثر إشراقة .

لم تكن المرة الأولى التي يغادرنا الشهيد صدام للجهاد، ولا المرة الأولى التي يترك فيها أجمل ما لديه، من عائلة  وحب وصداقات،رحل باحثاً عن سعادته  الأبدية.

أشتاق إلى الشهيد  بقدر اشتياق محمد إلى نيل تلك الحياة.

شهيد .. كلمة يسمعها الكثير .. ويتمنى نيلها الكثير .. ويبذل لها الكثير .. وينام ملئ عيونهم الكثير ملتهين عنها .. ويسهر الكثير في انتظارها .. ويشتاق الكثير لأن يكونوا أصحاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم في جنات عدن على إثرها ..

لكن لا ينالها إلا الرجال ممن يهبون أنفسهم للذود عن دينهم وأرضهم وهم قليل ..هي الشهادة فيا فرحة من نالها ..

رحم الله الشهيد الدكتور صدام محمد عبد السلام الرعيني  واسكنه فسيح جناته والهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون .

زر الذهاب إلى الأعلى