صنعاء لكل اليمنيين.. استعادة العاصمة تبدأ باستعادة الصف

سبتمبر نت: مقال/ اللواء الركن (م) دكتور خالد بن شويل الغامدي
ليست صنعاء مدينة بعيدة عن هموم اليمنيين، ولا قضية تخص أبناءها وحدهم؛ إنها عاصمة ينبغي أن تكون لكل اليمن، لا مقرا لاحتكار السلطة ولا عنوانا لغلبة جماعة على شعب. واستعادتها لا تعني رفع راية فوق مبنى، بل إعادة الدولة إلى وظيفتها: حماية المواطن، وصون حقوقه، وخدمة الناس دون تمييز.
وقد دخلت البلاد مع عملية #فجر_اليمن ، التي أطلقتها القوات الحكومية في الخامس من أكتوبر، مرحلة مواجهة أوسع من أي وقت مضى؛ إذ لم تعد المعركة اشتباكا محدودا على خط واحد، بل صراعا متزامنا على الساحل الغربي، وباب المندب، ومأرب، وتعز، والجوف، وصولا إلى أطراف صنعاء.
المعركة قبل العاصمة
لا يمكن فهم طريق صنعاء دون فهم أهمية باب المندب. فالمضيق ليس مجرد موقع جغرافي، بل بوابة البحر الأحمر إلى خليج عدن، وممر ملاحي دولي تتجاذبه أطراف الصراع منذ سنوات. وقد أعلنت القوات الحكومية، بدعم من ألوية العمالقة وقوات درع الوطن وإسناد جوي من التحالف، السيطرة على المضيق وجزيرة ميون والمرتفعات المطلة عليه، بعد تطهير ذو باب ومطارها ومعسكر العرضي، ثم التقدم إلى المخا.
هذه المكاسب لا تُقاس بالأرض وحدها. فاستعادة الساحل الغربي تعني قطع أو تضييق خطوط الإمداد البحرية والبرية، وإضعاف قدرة الجماعة على إسقاط نفوذها على الممر الدولي، وفتح مساحة للضغط شمالا نحو الحديدة وتعز. وقد وصف نائب وزير الدفاع اليمني هذه المرحلة بأنها كسر للهجوم الحوثي على الساحل الغربي وتعز، قبل الانتقال إلى ما بعدها.
مأرب.. قلب المعادلة
أما مأرب، فهي الجبهة التي تختبر عمق التوازن العسكري. فالسيطرة على محيطها ومعسكراتها ومرتفعاتها لا تعني تقدما بريا فحسب، بل تمس خطوط الإمداد والقدرات الصاروخية والمسيّرة ومخازن السلاح. وقد استهدفت العمليات مواقع قرب جبل هيلان وجبهة رغوان ومعسكر ماس، بالتوازي مع ضربات جوية على التحصينات والتعزيزات.
وهنا تكمن رسالة عملية: لا يمكن استعادة صنعاء بمعزل عن تأمين الأطراف التي تغذيها وتحميها. فالعاصمة ليست هدفا منفصلا عن الجغرافيا الاستراتيجية؛ إنها قمة هرم قوته العسكرية واللوجستية، وإسقاطها يتطلب إضعاف قاعدته قبل الاقتراب من واجهته.
الغارات والكلفة الإنسانية
شهدت الأيام الماضية اتساعا واضحا في الضربات الجوية؛ إذ أفادت القوات الحكومية بتنفيذ آلاف العمليات الاستهدافية، بينما تحدث المتحدث العسكري الحوثي عن عشرات الغارات خلال يوم واحد استهدفت صنعاء ومأرب وصعدة والجوف وحجة وتعز.
غير أن الدقة العسكرية لا تلغي الكلفة الإنسانية. فقد أُبلغ عن ضربات في محيط مطار صنعاء الدولي، ووقوع إصابات وأضرار في منشآت مدنية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة النزوح والمعاناة. وهنا يفرض الواقع على كل طرف مسؤولية أخلاقية وعسكرية: أن تُوجَّه العمليات نحو القدرات القتالية ومراكز القيادة والإمداد، لا أن تتحول المدن إلى ساحات انتقام يتحمل مواطنوها ثمنها.
البردوني والانكسار من الداخل
في قصيدته #الغزو_من_الداخل، يضعنا عبد الله البردوني أمام سؤال موجع عن أسباب انكسار الوطن:
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري
والأفظع اليوم أن نعرف مواضع الخلل، ثم نواصل السير في طرقه نفسها؛ أن ندرك كلفة التمزق، ثم نمنحه أسماء جديدة؛ وأن نطالب باستعادة اليمن، بينما ينشغل كل طرف بحساب نصيبه قبل أن يستعيد الجميع وطنهم. ليست المشكلة في نقص الشعارات، بل في المسافة بين ما نقوله عن الدولة وما نفعله لبنائها.
ولقد منح البردوني هذا الاغتراب صورة لا تزال تستدعي التأمل:
يمانيون في المنفى
ومنفيون في اليمن
جنوبيون في صنعا
شماليون في عدن
هنا يصبح الوطن ضيقا بأبنائه، ويغدو اليمني غريبا بين أهله، لا لأنه جاء من خارج البلاد، بل لأن الانتماءات الصغيرة تقدمت على حقه في المواطنة. وحين تتحول المدينة إلى سؤال عن الأصل والمنطقة والمذهب، بدلا من أن تكون فضاء للعمل والحياة، فإن الخسارة تصيب اليمن كله.
لا استعادة بلا ضمانات
يا أبناء اليمن، في الشمال والجنوب، وفي الداخل والمهجر: لا يطلب منكم أحد أن تتطابقوا في الرأي، أو أن تنسوا مظالمكم، أو أن تتنازلوا عن حقوقكم. المطلوب أن تدركوا أن الحقوق تحتاج إلى دولة تضمنها، وأن الخلاف يحتاج إلى مؤسسات تنظمه، وأن غياب الدولة يحول كل مطلب عادل إلى معركة مفتوحة بلا ضمانات.
ولذلك فإن جمع الصف لا يبدأ بإسكات المختلف، بل بالإنصات إليه. ولا يبنى بإنكار جراح الجنوب، أو تجاهل معاناة الشمال، أو توزيع شهادات الوطنية بحسب المنطقة والانتماء. يبنى بالتزام واضح: لا عودة إلى الإقصاء، ولا قبول باحتكار السلطة باسم السلالة أو السلاح أو الجغرافيا.
وفي أشد صور القصيدة قسوة، يقول البردوني:
ومن مستعمر غاز
إلى مستعمر وطني
وهي عبارة تستحق أن تُقرأ بوصفها تحذيرا لكل سلطة: لا يكفي أن يكون الحاكم من أبناء البلاد كي تكون ممارسته وطنية. فالوطنية تقاس بما يحفظ للناس حريتهم وحقوقهم، لا بما يرفعه المتسلط من شعارات. ومن يعامل اليمن باعتباره ملكا لجماعته، يعيد إنتاج الاستلاب وإن تحدث بلسان أهله.
رسالة إلى القوى والقادة
إلى القوى السياسية والعسكرية: لن يكون الطريق إلى صنعاء أقصر ما دمتم تستنزفون طاقتكم في صراعات النفوذ. فنجاح «فجر اليمن»، مهما بلغت مكاسبه في باب المندب والساحل الغربي ومأرب، لن يتحول إلى انتصار وطني ما لم يترافق مع وحدة قرار، وانضباط سلوك، وضمانات تمنع تكرار منطق الاحتكار بعد استعادة الدولة.
اجعلوا استعادة الدولة هدفا مشتركا، واتفقوا على ضمانات تمنع احتكارها بعد استعادتها. فالمواطن يحتاج إلى مشروع يعرف فيه مكانه وحقوقه، لا إلى وعود تطلب منه التضحية ثم تتركه خارج القرار. وإصلاح المؤسسات، وضبط الخلافات، واحترام الناس في مناطق الحضور، جزء من معركة استعادة الثقة قبل استعادة العاصمة.
صنعاء ليست جائزة
وإلى أبناء صنعاء: أنتم أهل العاصمة وشركاء في مستقبلها، ولستم متهمين بواقع فرض عليها. أي مشروع وطني جدير باسمه يجب أن يحميكم، ويصون كرامتكم، ويطمئنكم إلى أن استعادة الدولة لا تعني الانتقام، وإنما إنهاء الخوف وفتح الطريق أمام حياة آمنة.
ويتردد سؤال البردوني كأنه دعوة إلى كسر الجمود:
أيا صنعا متى تأتين
من تابوتك العفن؟
لكن صنعاء لا تجيب عن هذا السؤال وحدها. يجيب عنه اليمنيون حين يحولون التطلع إلى عمل، والاختلاف إلى حوار، والتضحيات إلى مشروع دولة. فلا يكفي أن نطالب العاصمة بالخروج من أسرها، بينما نظل نحن أسرى حساباتنا الضيقة.
ختاماً..
إن استعادة صنعاء، إذا جاءت، لن تكون نهاية المعركة؛ بل بداية اختبار حقيقي لليمنيين جميعا. فالعاصمة التي تُستعاد بالسلاح قد تُفقد من جديد إذا لم تُستعاد بالعدالة، والدولة التي تُستعاد بالقوة قد تنهار ثانية إذا لم تُبنَ على المواطنة والقانون.
صنعاء لا تُستعاد بالشعارات وحدها، بل بإرادة مشتركة، وتنظيم مسؤول، وخطاب يفرق بين الجماعة المسلحة والمجتمع، وبين مواجهة مشروع الهيمنة وحماية المدنيين. وتُستعاد كذلك بأفق سياسي يطمئن الناس إلى أن الغد لن يكون نسخة أخرى من الإقصاء.
ليس المطلوب أن يتفق اليمنيون على كل شيء اليوم، بل أن يتفقوا على ما يجعل اختلافهم ممكنا غدا: دولة ومواطنة وقانون، وقرار وطني لا يحتكره طرف.
فإذا أراد اليمنيون استعادة صنعاء، فليبدأوا باستعادة ثقتهم بعضهم ببعض؛ وإذا أرادوا استعادة اليمن، فليجعلوا العاصمة بابا للشراكة، لا جائزة للغلبة. وهكذا فقط تخرج صنعاء من تابوتها، لا لتعود كما كانت، بل لتصير عاصمة لكل اليمنيين.