مقالات

تجذر ثورة الـ26 من سبتمبر في الذاكرة الوطنية

 

سبتمبر نت: القاضي الدكتور/ نافع العلفي

هناك أشياء تستطيع السلطة أن تمنع ظهورها في الشارع، لكنها لا تستطيع أن تنتزعها من ذاكرة الناس. ومن بينها ذكرى ثورة 26 سبتمبر المجيدة؛ يومٌ ارتبط في الوعي اليمني بميلاد الجمهورية، وظل على مدى عقود واحداً من أبرز رموز الذاكرة الوطنية.
لكن المفارقة أن إحياء هذه الذكرى في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الارهابية أصبح خلال السنوات الأخيرة مناسبة تتجدد معها حملات المنع والاعتقال والملاحقة. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بموقف سياسي من الثورة فحسب، وإنما بحق اليمني في أن يتذكر، وأن يعبر، وأن يرفع علم بلاده، وأن يشارك سلمياً في مناسبة وطنية دون أن يتحول ذلك إلى سبب لاحتجازه وسجنة.
منذ نكبة 21 سبتمبر 2014م، دخلت اليمن مرحلة مختلفة في تاريخها السياسي والدستوري. ومع استمرار الانقسام وتعدد مراكز القوة، لم تعد المعركة على مؤسسات الدولة وحدها؛ بل امتدت إلى الرموز والذاكرة ومعنى الجمهورية في الوعي العام، وتكتسب هذه المسألة بعداً أكثر خطورة عندما تقترن بالملاحقة الأمنية.
ففي سبتمبر 2023م، قالت منظمة العفو الدولية إن مليشيا الحوثي شنت حملة اعتقالات طالت عشرات المتظاهرين الذين تجمعوا لإحياء ذكرى 26 سبتمبر، وإن بعض المحتجزين استُهدفوا بسبب حمل العلم الجمهوري.
وتكرر المشهد في سبتمبر 2024م، وثقت هيومن رايتس ووتش، بالتعاون مع معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، اعتقالات طالت عشرات الأشخاص بسبب الاحتفال بالذكرى أو نشر محتوى عنها؛ وذكرت حالات ارتبط فيها الاعتقال برفع العلم اليمني أو وجوده على سيارة أو نشر مواد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولم تتوقف الوقائع عند ذلك. ففي سبتمبر 2025م، أفادت هيومن رايتس ووتش باعتقال عشرات الأشخاص على خلفية الاحتفال بذكرى الثورة أو النشر عنها، وتحدثت عن حالات لم تتمكن فيها أسر محتجزين من معرفة أماكن وجودهم أو التواصل معهم. كما أشارت إلى أن بعض هذه الوقائع قد ترقى، بحسب ظروف كل حالة، إلى الإخفاء القسري.
في أوقات النزاع، لا تسقط حقوق الإنسان. والاحتجاز لا يصبح مشروعاً لمجرد أن المناسبة محل خلاف سياسي؛ إذ تظل الحرية الشخصية، وحرية التعبير، والتجمع السلمي، وضمانات القبض والاحتجاز، محكومة بالقانون.
والقانون اليمني نفسه لا يترك مسألة القبض بلا ضوابط؛ حيث أشارت المادة (172) ومابعدها من قانون الإجراءات الجزائية اليمني، التي نظمت إجراءات القبض وحالاته, وقد اشترطت سنداً قانونياً للقبض، وتثير مسؤولية السلطات عن الاعتقال دون أمر أو تهمة واضحة.
أما أخطر ما يمكن أن يحدث للذاكرة الوطنية فهو أن تتحول إلى شيء تخشاه السلطة. فالذاكرة لا تُمحى بقرار، والثورة لا تختفي لأن صورة حُذفت من هاتف أو لأن علماً أُنزل من يد صاحبه. يمكن اعتقال الإنسان، لكن لا يمكن اعتقال ذاكرته. ويمكن مصادرة العلم، لكن يصعب مصادرة دلالته. ويمكن منع الاحتفال في الساحات، لكن لا يمكن إجبار شعب كامل على نسيان ما يراه جزءاً من تاريخه.
ومن هنا فإن ذكرى ثورة 26 سبتمبر لا ينبغي أن تكون مناسبة لاستعادة الخصومة وحدها، وإنما فرصة للتذكير بأن الدولة التي تحترم نفسها تحترم ذاكرة مواطنيها، وأن الجمهورية التي قامت على فكرة المواطنة لا ينبغي أن تجعل الانتماء الوطني سبباً للخوف.
إن نكبة 21 سبتمبر بما يمثله من تحول مفصلي في مسار الدولة اليمنية يجب أن يبقى موضوعاً للبحث والنقد والنقاش الحر؛ لكن استحضاره لا ينبغي أن يكون على حساب ذكرى ثورة 26 سبتمبر، ولا أن يتحول اختلاف اليمنيين في تقييم التاريخ إلى مبرر لمصادرة حقهم في التعبير السلمي عنه.
وفي الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، تظل الرسالة الأوضح:
لا تعتقلوا سبتمبر؛ فالذكرى ليست شخصاً يُحتجز، والعلم ليس جريمة، والذاكرة الوطنية ليست ملكاً لسلطة أو جماعة.
إنها ملك اليمنيين جميعاً؛ يحفظونها بالنقاش، ويختلفون حولها بالكلمة، ويحمونها بالقانون.
فإذا كانت الثورة قد أرادت للإنسان اليمني أن يتحرر من الخوف والاستبداد الكهنوتي ومصادرة حرية الرأي والتعبير, فإن الوفاء الحقيقي لمعناها اليوم هو أن يصبح حقه في الحرية والكرامة والتعبير والذاكرة مصوناً، لا أن يكون الاحتفال بها سبباً جديداً للخوف.
فـــــ26 سبتمبر لا تُعتقل قبل أن تكون يوماً في التقويم, ذاكرة وطن في وجدان شعب.

زر الذهاب إلى الأعلى