سبتمبر الممتد.. والدائرة تضيق

سبتمبر نت/ د. علي مهيوب العسلي
في سبتمبر ثلاثة تواريخ تتجاور في أسبوع واحد. فالحادي والعشرون تحتفل به مليشيا ارهابية انقلبت على ثورة سبتمبر وتحكم بالغلبة، والثالث والعشرون يحتفل به جارٌ كبير وقفت بلاده معنا ولا تزال إلى جانبنا، والسادس والعشرون لا يحتاج اليمني إلى من يأمره بحبه، لأنه يسكن الذاكرة قبل أن يدخل التقويم. وبين هذه التواريخ يتحدد معنى اليمن الذي نريد، وتضيق الدائرة على من صادر أحدها.
تمر الذكرى الرابعة والستون لثورة 26 سبتمبر 1962م، ونحن لا نقف أمامها وقفة من يجتر الذكريات، وإنما وقفة من يحاسب الحاضر بميزان أهدافها.
لم تكن سبتمبر تبديلَ حاكمٍ بحاكم. كانت خروجًا من نظام الإمامة الكهنوتية، التي جعلت الحكم حقًا خاصًا لسلالة، ورفعت الحاكم إلى مقامٍ لا يُسأل فيه ولا يُحاسَب، إلى نظام جمهوري ينتقل فيه اليمني من الخضوع لعبدٍ يدعي أنه «قنديل» وأن الشعب «زنابيل»، إلى عبادة رب العباد وحده، ومن الرعية إلى المواطنة المتساوية. وكانت عودةً بالناس إلى مبادئ الإسلام: العدل والمساواة وكرامة الإنسان، بعيدًا عن توظيف الدين لاحتكار السلطة.
وحين ظهر مشروع خرافة 21 سبتمبر 2014م، وهو مشروع نشأ يمنيًا لكنه ارتبط بالمشروع الإيراني، لم يأتِ ليكمل ما بدأه الأحرار، بل جاء بانقلابٍ مسلح على الثورة والدولة والجمهورية، ثم مد يده إلى اسم سبتمبر ليمنحه معنى آخر. والأسماء تُستعار، أما المعاني فلا.
وقد عاد في ظل هذا الانقلاب ما لم نتصور أن نراه في وطن جمهوري: شعارٌ يُفرض على الناس أن يصرخوا به في كل مناسبة، وألفاظٌ كـ«زنبيل» و«قنديل» تصنف اليمني بنسبه لا بعلمه وعمله. ولم تفرض الجمهورية شيئًا من ذلك، وإنما فرضه سلوك المليشيا الارهابية وامتيازاتها. وجواب سبتمبر عليه المواطنة المتساوية؛ حقٌ لا يمنحه أحد ولا يسحبه أحد.
والدائرة تضيق
والدائرة تضيق على الانقلاب، ولا أقول ذلك تمنيًا بل قراءةً لاتجاه. فالقوة التي لا تتحول إلى دولة لا تكسب بمرور الوقت بل تخسر، ومن يحتاج كل يوم إلى غلبة جديدة ليبقى فقد بدأ يفقد أساس بقائه، والإمامة سقطت عام 1962م وقد بدت راسخة.
تضيق عليه في الإقليم، فقد اتسعت خصوماته حتى شملت جواره. وتضيق عليه في الداخل، فقد أنهك من يحكمهم بالجباية والتجنيد والفقر، وما بُني على القهر لا يدوم. وتضيق عليه في الوعي، فحاجته إلى فرض شعارٍ يُصرخ به في كل مناسبة دليلٌ على أن الناس لا يرددونه طوعًا. وحين تضيق الدوائر الثلاث معًا تصير نهايته أقرب مما يظن، والموعد بيد الله ثم بأيدي اليمنيين.
أهداف الثورة ميزانٌ لنا وله
وأهداف الثورة الستة سلسلةٌ واحدة: تحررٌ من الاستبداد وحكمٌ جمهوري لا تصنعه الغلبة ولو هتف أصحابها باسم الجمهورية؛ فمن احتاج إلى السلاح ليقنعك بأحقيته بحكمك فقد خسر حجته. وإزالةٌ للفوارق والامتيازات؛ فالدولة التي تقدم الولاء على الكفاءة تخسر كفاءاتها ثم تخسر الناس. ويحرس ذلك جيشٌ وطني ولاؤه للدولة، وأقول لقراء صحيفة الجيش إن أخطر ما يهدد أي جيش تعدد الولاءات لا قلة العتاد. ويكتمل بارتقاءٍ بالشعب في كل مجالاته، ومجتمعٍ ديمقراطي تعاوني عادل مستمد من روح الإسلام، ووحدةٍ يمنية في إطار الوحدة العربية.
وعندما نحاكم مليشيا الحوثي الارهابية بهذا الميزان يسأل كل يمني، في مناطقها وفي المناطق المحررة: ماذا قدمت للإنسان اليمني مما لم يكن قائمًا في الجمهورية؟ لقد قطعت الراتب، وفرضت الجبايات، وجندت الأبناء وزجت بهم في الجبهات بدل المدارس، ونصبت المشانق وأقامت المحاكمات الصورية، وحولت البدرومات إلى سجون للمختطفين، وزرعت الألغام في الطرق والقرى، وأحلت المشرفين محل مؤسسات الدولة. وأخفت وهجرت وكتمت الأفواه. فأيُ «جديد» جاءت به غير مصادرة الدولة، وإفقار الناس، وتوسيع دائرة القهر؟
وفي المقابل لا يجوز أن نكتفي بإدانة ما هناك. فسبتمبر تُختبر في مناطق سيطرة المليشيا الارهابية بمدى تحرير الإنسان والأرض من مشروع الإمامة، وتُختبر في مأرب وتعز وعدن وسائر المناطق المحررة بمدى الوفاء بالتزامات الدولة: راتبٌ في موعده، وكهرباء، وأمن، وقضاء نزيه، وسوق عادلة، وجاهزية قصوى لاستعادة ما اغتصبه الانقلاب. فالجمهورية تُثبت نفسها بما تقدمه للناس لا بما تخطب به. ولا يكتمل الارتقاء بالشعب بغير تحرير عقله من التجهيل والشعوذة والإفقار؛ فمن يتحكم في المنهج والمنبر يتحكم في وعي الأجيال.
ومن موقعي في الاقتصاد الزراعي أقول إن أعظم ثروات اليمن مزارعٌ يخرج إلى أرضه فجرًا، وإن الاقتصاد القائم على الغنيمة لا ينتج غذاءً ولا يصنع أمنًا. وما يُنجز على الأرض في هذه الحرب يصنعه المواطنون أنفسهم: تكافلٌ اجتماعي، ومدارس ومراكز صحية، وطرقٌ وعرة تُرصف في جبل حبشي وتعز وغيرهما. فنحيي هذه الروح، وندعو الدولة إلى الإسهام معها بتمويلٍ ميسر وتشريعٍ حامٍ وإشرافٍ فني.
وقد عرفت اليمن التعاون الأهلي قبل أن يُسمى سياسة؛ فبئرٌ وطريقٌ ومدرسةٌ أنجزها أبناء القرى بأيديهم. وإحياء هذا الإرث في تعاونيات أهلية إنتاجية وتسويقية، ورقابة شعبية على المال العام، هو الجواب العملي على جماعة تجبي الأموال باسم الدين؛ فالتعاون فعلٌ طوعي يبدأ من الناس ويعود عليهم، والجباية قسرٌ يبدأ من فوق ويبقى فوق. والثورة التي لا تصير مؤسسات تتحول إلى ذكرى.
ومن هنا المفارقة: المليشيا الارهابية تتحدث عن اليمن الواحد وهي تقسمه بين «قناديل» و«زنابيل»، وتخاصم عمقه العربي، وترتهن لمشروع إيراني عابر للحدود. والوحدة التي أرادتها سبتمبر عقدٌ تصونه المواطنة المتساوية، لا ضمٌ ولا إلحاقٌ ولا غلبةٌ تفرضها جماعة. وقد وقفت المملكة العربية السعودية معنا بصدق في معركة استعادة الدولة والجمهورية، ونشاركها فرحة يومها الوطني السادس والتسعين، ونتطلع إلى شراكة استراتيجية تقوم على وحدة المصير والتكامل؛ شراكةً لا وصاية، ودعمًا لجيشٍ وطني قراره يمني.
حين تكتمل الدائرة
غير أن الدائرة لن تكتمل حول عنق الانقلاب ما لم تكتمل أولًا بيننا: بتوحيد القرار، وتقديم الوطن على الحزب، والكفاءة على القرابة، والخدمة على الخطابات. فالمليشيا بقيت اثني عشر عامًا لم تعش على قوتها وحدها، بل على تفرق صف الجمهوريين، وعلى دعم إيراني وثقت تقارير أممية جانبًا منه.
ومن يدري، فقد نحتفل هذا العام باستعادة العاصمة، فيكون العيد عيدين. وإن لم يكن، فبإذن الله وحوله وقوته سنحتفل في العام القادم بزوال الإمامة من اليمن إلى الأبد، وقد صححنا مسار ثورتنا الظافرة.
فسبتمبر ليست يومًا في التقويم؛ هي فكرة دولة، وروح جمهورية، وذاكرة شعب، ومستقبل وطن. والخلود لشهدائها الذين بذلوا أرواحهم من أجل الجمهورية والحرية.
26 سبتمبر هي الثورة، و21 سبتمبر هو الانقلاب والتمرد والارهاب. عاشت الجمهورية اليمنية.. ولا إمامة بعد سبتمبر.