22 مايو .. البوصلة والمسار

افتتاحية 26سبتمبر
في حياة الشعوب والأمم محطات فارقة تقف عندها حركة التاريخ طويلا لتعيد ترتيب أولويات الحاضر ورسم ملامح المستقبل.
وليس في تاريخ اليمن الحديث والقديم حدث يضاهي في جلاله وعمق أثره يوم الثاني والعشرين من مايو عام 1990، ذلك اليوم المشهود الذي لم يكن مجرد حدث سياسي عابر أو نتاج تفاهمات مرحلية بين شطري البلاد بل كان زلزالا جغرافيا وتاريخيا أعاد صياغة الهوية الإنسانية والسياسية للإنسان اليمني وصحح وضعا شاذّا فرضته صراعات العقود الماضية وتقلبات الإرادة الدولية.
إن عبقرية الثاني والعشرين من مايو تكمن في أنه لم يغير الخرائط السياسية على الورق فحسب بل أعاد كتابة الجغرافيا من خلال إلغاء خطوط وهمية ومصطنعة كانت تفصل بين الجسد الواحد، معيدا لليمن امتداده الطبيعي واستقراره الجيوسياسي على ضفاف البحر الأحمر وبحر العرب.
وبالموازاة مع هذه الثورة الجغرافية كان الإنسان اليمني هو المحور والغاية، حيث حرره هذا التاريخ من أعباء التشظي ونقله من ثقافة التوجس والصراع الشطري إلى فضاء المواطنة الواسعة والديمقراطية والتعددية السياسية التي رافقت إعلان قيام الجمهورية اليمنية.
لقد أثبتت لغة الحقائق والأرقام منذ فجر ذلك اليوم أن وحدة الأرض والإنسان كانت الصخرة التي تحطمت عليها مؤامرات العزل والتقسيم والركيزة الأساسية التي منحت اليمن ثقلا إقليميا ودوليا وجعلت من حماية هذا المنجز صمام أمان لاستقرار المنطقة بأسرها.
واليوم .. وإذ تمر البلاد بمنعطفات حاسمة وتحديات جسيمة تكالب فيها الداخل والخارج يبرز يوم الثاني والعشرين من مايو ليس فقط كذكرى للاحتفاء العاطفي بل كضرورة وجودية ومرجعية وطنية لا غنى عنها.
إن القراءة الواعية لواقع اليمن المعاصر تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قوة اليمنيين في تلاحمهم وأن أي محاولة للارتداد عن هذا المنجز التاريخي أو النكوص إلى مربعات التشطير ما هي إلا دعوة صريحة للضعف والارتهان.
إنها دعوة يطلقها هذا اليوم المجيد من عمق التاريخ اليمني لتذكير جيل الحاضر بأن الجغرافيا التي توحدت بدماء وتضحيات الأحرار والتاريخ الذي كتب بإرادة شعبية صلبة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخضعا لمنطق التجزئة والمشاريع الصغيرة.
سيبقى الثاني والعشرين من مايو البوصلة التي تهدي اليمنيين نحو بر الأمان والشاهد الحي على أن وحدة اليمن هي الثابت الإنساني والجغرافي الذي لا يقبل القسمة على أوهام العابرين.
إن الحقيقة التي لا يمكن حجبها، والتي يعمدها يوم الثاني والعشرين من مايو في كل عام هي أن الوحدة اليمنية ليست خيارا سياسيا قابلا للمساومة بل هي قدر جغرافي وتاريخي وضرورة حياة لشعب لا يرى في التشظي إلا ضياعا للمكتسبات وبابا للتدخلات.
إن التحديات الراهنة مهما بلغت قسوتها يجب ألا تكون ذريعة للكفر بالمنجز بل دافعا لتصحيح المسار وتحقيق العدالة والشراكة الوطنية تحت سقف الوطن الواحد والسيادة المطلقة.
سيبقى هذا اليوم التاريخي شاهدا على أن إرادة الشعوب عصية على الانكسار وأن جغرافيا اليمن التي تلاحمت بأيدي أبنائها ستظل عصية على التمزق ليبقى اليمن واحدا، قويا، ومستقرا، ينشد المستقبل بثقة وإصرار.