أحدث الاخبارالافتتاحية

الاستثمار في الفناء

افتتاحية 26سبتمبر

تطل علينا من قلب العاصمة المختطفة صنعاء شواهد جديدة لا تعكس – فحسب – حجم المأساة التي يعيشها اليمن بل تجسد بوضوح صارخ العقيدة الحقيقية التي تقتات عليها مليشيا الحوثي الإرهابية وهي (عقيدة الموت) التي لا ترى في الإنسان اليمني سوى وقود لمشروعها السلالي حتى إذا ما قضى في سبيل أوهامها تحول جسده إلى أداة لممارسة تمييز طبقي مقيت يمتد من قصور الأحياء إلى أضرحة الموتى.

​إن الصور المتداولة لتلك المقابر الفاخرة المشيدة بالرخام والتصاميم الحديثة المخصصة حصراً لقيادات المليشيا، ليست مجرد لمسات معمارية بل هي إدانة أخلاقية وسياسية مكتملة الأركان.

فهذه المليشيا التي أفقرت الشعب وصادرت المرتبات وعطلت سبل العيش وأغرقت الملايين في أتون المجاعة تجد اليوم فائضاً من الأموال والموارد لتشييد مدن للموتى بترف باذخ في تناقض صارخ يصفع وجه المواطن الذي يكافح يوميا لتوفير لقمة العيش أو تأمين قيمة كفن لفقيده.

إنها رسالة حوثية واضحة للداخل والخارج فحواها : “نحن نهتم بموتانا القادة بقدر ما نهمل أحياءكم المطحونين”.

​هذا البذخ على القبور يكشف الستار عن جوهر المشروع الحوثي الذي يقدس الرموز المرتبطة بالحرب والصراع ويجعل من المقبرة أيقونة حضارية بديلة عن المدرسة والمستشفى والمصنع. فبينما تتهاوى البنية التحتية للخدمات في مناطق سيطرتهم وتنتشر الأوبئة وتتوسع رقعة الفقر تنمو اقتصاديات المقابر وتزدهر تجارة الموت، مما يؤكد أننا أمام جماعة لا تملك مشروعا للحياة ولا تحمل في حقيبتها السياسية سوى أدوات الدمار ولا تنظر لليمنيين إلا من خلال فوهة البندقية أو عبر ثقوب القبور.

​لقد تجاوزت هذه المليشيا بممارساتها كل الخطوط الحمراء ، فكرست الفرز السلالي حتى في القبور وأثبتت أن فجوتها مع الشعب ليست فجوة سياسية فحسب بل هي فجوة وجودية وأخلاقية.

إن هذا التمادي في استعراض ثقافة الموت يتطلب تحركا رسميا وجماهيريا يتجاوز حدود التنديد ، فاليمن اليوم بحاجة إلى هبة وطنية شاملة تقتلع هذه الثقافة من جذورها، وتستعيد الدولة التي تحمي حياة المواطن وتصون كرامته ، بدلا من تلك التي تتفنن في تزويق موته.

وإن خلاص البلاد والعباد من هذا الشر المستطير بات ضرورة وجودية ، فلا بقاء لوطن تشيد فيه القصور للموتى بينما يئن الأحياء تحت وطأة الجوع والقهر والموعد الحتمي هو لدفن هذه العقيدة المظلمة ليعود اليمن سعيدا بكرامة أحيائه لا برخام مقابر طغاته.

زر الذهاب إلى الأعلى