تقارير

الهجرة غير الشرعية.. أعباء اقتصادية ومخاطر أمنية وتحركات حكومية لمواجهاتها

 

سبتمبر نت: تقرير / توفيق محمد

تتصاعد تحديات الهجرة غير المشروعة وتداعياتها المتشابكة على المستويات الأمنية والإنسانية، وفي ظل هذا الواقع تكثّف الحكومة اليمنية تحركاتها لاحتواء هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أبرز ملفات التهديد للاستقرار الوطني والإقليمي.
وفي هذا السياق، يكتسب الاجتماع الأخير الذي عقدته الحكومة في العاصمة المؤقتة عدن مع وفد المنظمة الدولية للهجرة أهمية خاصة، كونه يعكس توجهاً عملياً نحو الانتقال من مرحلة التشخيص إلى وضع معالجات تنفيذية مدعومة برؤية استراتيجية، ولا يقتصر هذا الحراك الرسمي على الإجراءات الميدانية، بل يتقاطع مع ما طرحته الدراسات المتخصصة التي تناولت الظاهرة بوصفها قضية مركّبة تتجاوز بعدها الإنساني إلى أبعاد أمنية وسياسية عميقة، وهو ما يبرز بوضوح في الأدبيات الحديثة التي تسعى إلى تفكيك الظاهرة واقتراح مسارات مواجهتها.

خطة مواجهة

ففي عدن، عقدت الحكومة اليمنية اجتماعاً رفيع المستوى برئاسة وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والشرطة اللواء الركن محمد مساعد قاسم الأمير، وبمشاركة رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية اللواء الدكتور طارق عمير النسي، لبحث تداعيات الهجرة غير النظامية ووضع خارطة طريق للحد من تدفقاتها، وناقش الجانبان، بحضور وفد المنظمة الدولية للهجرة، التحديات المتزايدة المرتبطة بهذا الملف، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد اليمني وتداخل الأبعاد الأمنية والإنسانية.
وخرج الاجتماع بحزمة من الإجراءات العملية، في مقدمتها إنشاء مراكز استقبال رئيسية للمهاجرين في عدن، إلى جانب مركز متخصص في منطقة خور عميرة بمحافظة لحج، بهدف تنظيم عمليات الاستقبال والتسجيل وتقديم الخدمات وفق المعايير الدولية، كما تم التوافق على تفعيل نقاط ميدانية لتسجيل المهاجرين فور وصولهم إلى السواحل، تشمل عدداً من المواقع الحيوية في محافظات لحج وأبين وشبوة، بما يسهم في ضبط حركة التدفقات والحد من العشوائية.

انظمة حديثة

وفي إطار تعزيز البنية المؤسسية، ناقش الاجتماع تحديث الأنظمة المعلوماتية وإنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة للمهاجرين، مع تزويد الجهات المختصة بالتقنيات الحديثة اللازمة لرفع كفاءة التوثيق والتنسيق، كما شدد المشاركون على أهمية دعم الشركاء الدوليين لقدرات خفر السواحل اليمنية، خصوصاً في مجالات البحث والإنقاذ، إلى جانب دعم الأجهزة الأمنية في مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، كشفت الحكومة عن توجه لعقد مؤتمر إقليمي مرتقب لمناقشة جذور الظاهرة وتعزيز التعاون مع دول الجوار، في خطوة تعكس إدراكاً متنامياً بأن معالجة الهجرة غير المشروعة تتطلب مقاربة جماعية تتقاسم فيها الأطراف المختلفة الأعباء والمسؤوليات.

دراسات وتوصيات

التوجه الرسمي يتطابق مع ما خلصت إليه دراسة بعنوان: «الهجرة غير الشرعية من القرن الأفريقي إلى اليمن: التداعيات الأمنية.. الاستغلال الحوثي.. مسارات المواجهة» لرئيس مركز البحر الأحمر محمد الولص بحيبح، والكتاب مرفوع على محرك البحث جوجل درايف، وقدم قراءة تحليلية معمقة للظاهرة بوصفها تحدياً استراتيجياً متعدد الأبعاد.
ينطلق الكتاب(الدراسة) من فرضية مركزية مفادها أن الهجرة غير الشرعية في اليمن لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل تحولت إلى ملف أمني سيادي، مستفيداً من هشاشة الدولة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.
ويستعرض في فصله الأول الأبعاد المفاهيمية والسببية للظاهرة، موضحاً أنها نتاج تفاعل معقد بين عوامل الدفع في دول القرن الأفريقي، وعوامل الجذب في اليمن، إضافة إلى الدور المحوري لشبكات التهريب المنظمة.
كما يرصد الكتاب التداعيات الواسعة للهجرة غير النظامية، بدءاً من الضغوط الاقتصادية واستنزاف الموارد، مروراً بالمخاطر الصحية والاجتماعية، وصولاً إلى الاختلالات الديموغرافية والتأثيرات الإقليمية، ليخلص إلى أن الظاهرة أصبحت عاملاً رئيسياً في تعميق هشاشة الدولة اليمنية.

أبعاد أمنية

وفي فصله الثاني، يركز الكتاب على البعد الأمني، كاشفاً عن تحولات خطيرة في طبيعة الظاهرة، أبرزها استغلال تنظيم جماعة الحوثي الإرهابي للمهاجرين في أنشطة عسكرية ولوجستية، ما يحول الهجرة إلى أداة من أدوات الصراع. كما يناقش التحديات التي تواجه الحكومة، وفي مقدمتها ضعف الإمكانيات وطول السواحل وتعقيد المشهد السياسي، مقابل قوة شبكات التهريب العابرة للحدود.
ويطرح الكتاب في ختامه مجموعة من التوصيات تؤكد على ضرورة تعزيز الرقابة البحرية، ودعم مؤسسات الدولة، وتكثيف التنسيق الدولي، ومعالجة جذور الظاهرة في دول المصدر، باعتبارها خطوات أساسية للحد من تداعياتها.
وبذلك، تكشف المقارنة بين التحرك الحكومي والدراسة التحليلية عن تطابق في تشخيص المشكلة ومسارات معالجتها، ما يعزز من فرص بناء مقاربة متكاملة للتعامل مع الهجرة غير المشروعة.
فالقضية، كما يتضح، لم تعد شأناً إنسانياً عابراً، بل تحولت إلى تحدٍ استراتيجي يتطلب استجابة شاملة تتكامل فيها الأبعاد الأمنية والتنموية والسياسية، بما يضمن حماية السيادة الوطنية ويحد من تحوّل اليمن إلى بؤرة مفتوحة لتدفقات الهجرة غير المنظمة.

أرقام مرتفعة

وكانت المنظمة الدولية للهجرة كشفت في تقرير لها عن وصول أكثر من 17 ألف مهاجر إفريقي إلى اليمن خلال شهر مارس 2026، رغم التحديات الأمنية والإنسانية.

وبحسب التقرير فقد رصدت فرق المنظمة دخول 17,027 مهاجرًا خلال الشهر الماضي، معظمهم من الجنسية الإثيوبية، وهو عدد سجل انخفاضًا بنسبة 12% مقارنة بشهر فبراير، الذي بلغ فيه عدد المهاجرين 19,337 شخصًا، في تراجع طفيف يعكس استمرار التدفق بوتيرة مرتفعة.

وكانت المنظمة قد أفادت في تقرير سابق أن شهر فبراير شهد بدوره انخفاضًا بنسبة 9% مقارنة بشهر يناير، الذي سجل 21,050 مهاجرًا.

وتوضح البيانات أن جيبوتي تمثل نقطة الانطلاق الرئيسية لغالبية المهاجرين، بنسبة 71%، تليها الصومال بنسبة 28%، فيما سجلت نسبة محدودة من القادمين عبر سلطنة عُمان.

زر الذهاب إلى الأعلى