الضالع وردفان إرادة نضالية قهرت الاستعمار البريطاني

سبتمبر نت/ مقال – عميد م/ محسن فضل الصوملي
جبهتا الضالع وردفان الحصن الجنوبي الذي أخفق مشروع الاستعمار البريطاني في اختراقه، واذا كانت جبال ردفان قد أشعلت شرارة الثورة، فإن مرتفعات الضالع وسهول الحبيلين كانتا بمثابة الحصن الاستراتيجي الذي احتضن اللهيب ومنعه من الانطفاء، في هذه المنطقة التي شكلت قلب الجنوب اليمني النابض، تشابكت الجغرافيا مع الإرادة البشرية لكتابة فصل آخر من فصول المقاومة، لم يكن أقل ضراوة أو تأثيراً في حساباته المستعمر البريطاني.
المفتاح الذي حاول البريطانيون السيطرة عليه، والذي كان يعتبر الموقع الاستراتيجي، تمتعت منطقتا الضالع وردفان بأهمية استراتيجية فائقة في حسابات الاستعمار البريطاني، وذلك لعدة أسباب؛ لأنها البوابة الشمالية.
شكلت الضالع بوابة الجنوب الشمالية ومدخلاً حيوياً يربط عدن بمحميات الشمال، كانت السيطرة عليها تعني السيطرة على خطوط الإمداد والتموين للمقاومة القادمة من الشمال.
نظر البريطانيون إلى هذه المنطقة على أنها حزام دفاعي طبيعي يجب تأمينه لحماية مستعمرة عدن ومصالحهم فيها من تمدد المد الثوري القادم من الشمال.
مع انطلاق شرارة ثورة 14 أكتوبر من ردفان، لم تكن الضالع وردفان بمعزل عن الحراك، فسرعان ما انتقلت روح المقاومة إلى أبناء هذه المناطق، لتنشأ “جبهة الضالع” و”جبهة ردفان” كتعبير عن رفض الاستعمار، لم يكن نشوء الجبهتين مجرد تقليد، بل كان استجابة طبيعية لسياسات القمع وضرورة تنظيم العمل المسلح في مسرح عمليات جديد.
خاض أبناء الجبهتين معاركهم باستراتيجيات متنوعة، مستفيدين من طبيعتهم المتنوعة بين الجبال والسهول، حرب الإرادات على الأرض، وقام الأحرار بشن هجمات متكررة وناجحة على القواعد والمخافر البريطانية، مستغلين عنصر المفاجأة ومعرفتهم التضاريس، كانت غارات سريعة تتبعها عملية انسحاب فوري إلى معاقلهم في الجبال، وقطع طرق الإمداد للمحتل، وركزت المقاومة على تعطيل خطوط المواصلات والقوافل العسكرية البريطانية، مما سبب خسائر مادية ومعنوية جسيمة للجيش المحتل، وعزله في العديد من المناطق.
مثلما حدث في ردفان، كانت الجبهتان جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، فقد قدّم الأهالي الدعم الكامل، من توفير الملاذ الآمن والمؤن، إلى العمل كشبكة استخبارات ميدانية ضد تحركات القوات البريطانية.
الرد البريطاني، كان ممثلا بحملات التطهير والفشل الذريع، أدركت القيادة البريطانية الخطر الذي تشكله هذه الجبهات، فشنّت سلسلة من الحملات العسكرية الواسعة والمكثفة، اشتملت على استخدام مكثف للطيران، واعتمد البريطانيون بشكل كبير على القصف الجوي للمناطق المشتبه بوجود مقاومين فيها، مما أدى إلى سقوط شهداء مدنيين وتدمير للممتلكات.
قامت القوات البريطانية بعمليات تمشيط واسعة في القرى والجبال، مدعومة بالمدرعات والمدفعية، في محاولة يائسة لتطهير المنطقة من المقاومين.
الإرث والتأثير، إسهام لا يمحى في تحقيق الاستقلال، فلا يمكن فهم تحقيق الاستقلال الوطني عام 1967م دون الاعتراف بالدور المحوري الذي لعبته جبهتا الضالع وردفان.
أجبرت المقاومة المستمرة في هذه الجبهات بريطانيا على نشر قوات كبيرة وتحمل خسائر متتالية، مما زاد من التكلفة البشرية والمادية للحرب على الحكومة في لندن، وشكلت هذه الجبهات حلقة وصل حيوية بين رجال المقاومة في ردفان والمناطق الأخرى، مما منع البريطانيين من عزل المقاومة واحتوائها في منطقة واحدة.
أثبتت تجربة الجبهتين أن المقاومة، رغم تعدد أسمائها الجغرافية، كانت حركة وطنية موحدة الهدف، تجمعها استراتيجية واحدة هي طرد المحتل واستقلال الوطن.
بين منحدرات الضالع وردفان وسهول الحبيلين، لم تدق طبول الحرب فحسب، بل دقت ساعة الحساب لإمبراطورية كانت تظن نفسها أقوى من أن تهزم، لقد كانت جبهتا الضالع وردفان التجسيد الحي لمقولة: إن الأرض لا تدافع عن نفسها، بل يدافع عنها أبناؤها عندما تتحول الإرادة إلى سلاح، والكرامة إلى هدف، إنهما ليستا صفحة منسية في التاريخ، بل هما درس مستمر في أن حصون الجبال لا تقارن بمنعة قلوب الأحرار.
ونحن نحتفل بعيد الاستقلال الثلاثين من نوفمبر الـ58 نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات للقيادة السياسية والعسكرية بهذه المناسبة العظيمة، راجين من الله أن يجعل يمننا مستقراً وآمناً.