توصيات إحاطة مجلس الأمن بشأن اليمن بين التنظير والتطبيق

سبتمبر نت/ مقال – توفيق الحاج
يمثل تقرير فريق الخبراء المعني باليمن، المقدم إلى لجنة مجلس الأمن بموجب القرار 2140 (2014)، وثيقة محورية في تقييم مسار الحرب والصراع اليمني وتحديد سبل انهائها، وتأتي التوصيات الواردة في هذا التقرير، وتحديداً في الوثيقة S/2025/650، لترسم خارطة طريق دولية للتعامل مع التحديات المتفاقمة، وعلى رأسها تصاعد قدرات مليشيا الحوثي الإرهابية وتهديدها للأمن الإقليمي والدولي.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل هذه التوصيات مجدية وقابلة للتنفيذ، وهل تمتلك القوة الكافية لردع مليشيا الحوثي وإنهاء خطرها؟
بالنظر في محتوى توصيات تقرير فريق الخبراء، نجد أنها تركز على محاور أساسية تهدف إلى تضييق الخناق على مصادر قوة مليشيا الحوثي وتعزيز قدرات الحكومة الشرعية والمجتمع الدولي على الاستجابة، وفي هذا الإطار، يوصي الفريق بتوسيع نطاق أحكام القرار 2216 (2015) ليشمل عمليات تفتيش الشحنات التي تتم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية الشرعة وفي أعالي البحار، مع التأكيد على ضرورة تعزيز تنفيذ الحظر على الأسلحة والعقوبات الدولية المفروضة على الأفراد والكيانات الداعمة للحوثيين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يدعو التقرير إلى دعم جهود الحكومة اليمنية لاستئناف تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية، وهو ما من شأنه أن يولد الإيرادات الحكومية اللازمة لدفع عجلة التعافي الاقتصادي، كما يولي التقرير أهمية خاصة لمواجهة التهديدات البحرية، حيث يوصي بعقد مشاورات مع المنظمات الإقليمية والدولية بشأن آليات منع ومواجهة المخاطر الناجمة عن الهجمات على السفن في البحر الأحمر، بهدف تعزيز الرصد والجاهزية، بالإضافة إلى ذلك، يحث التقرير الحكومة على تعزيز التحلي باليقظة وبناء القدرات في جميع منافذ الدخول البحرية والبرية والجوية، وإرساء آليات لتبادل المعلومات لضمان التنفيذ الفعال لحظر الأسلحة.
أما فيما يتعلق بالجانب الإنساني، فتدعو التوصيات الدول الأعضاء إلى تكثيف المساعدة التقنية وأعمال الرصد المتعلقة بالإجراءات المتصلة بالألغام، وتحث على التصدي لسياسة التلقين العقائدي الممنهج للأطفال.
إن هذه التوصيات في جوهرها توصيات مجدية لإنهاء الحرب من الناحية النظرية، لأنها تستهدف جذور المشكلة المتمثلة في التمويل، والقدرات العسكرية، والانتهاكات الإنسانية، فتعزيز الرقابة على تهريب السلاح يحد من قدرة مليشيا الحوثي الإرهابية على التوسع، ودعم الاقتصاد اليمني يقلل من اعتماد السكان على المليشيا التي تبتزهم بأكثر من طريقة، ومواجهة التهديدات البحرية يعالج الخطر المباشر على الملاحة الدولية.
ومع ذلك، فإن الإجابة على سؤال هل سيتم تنفيذ هذه التوصيات؟ تكمن في واقع الحرب في اليمن وحيثيات الصراع المعقد، فالتنفيذ الفعال يواجه عقبات جمة، أبرزها غياب الإرادة الدولية الموحدة، إذ يتطلب تنفيذها إجماعاً دولياً قوياً غالباً ما يتعثر بسبب تضارب مصالح الدول الكبرى والدول الإقليمية الفاعلة في الملف اليمني، كما أن ضعف آليات التنفيذ يمثل تحدياً كبيراً، حيث تشير تقارير سابقة إلى أن العقوبات وحظر الأسلحة المفروضة بموجب القرار 2216 لم تُنفذ بصرامة كافية، مما سمح باستمرار تدفق الأسلحة والتمويل لمليشيا الحوثي الإرهابية، وتوصية الفريق بتعزيز التنفيذ هي اعتراف ضمني بهذا الضعف..، يضاف إلى ذلك، أن سيطرة مليشيا الحوثي على منافذ رئيسة مثل ميناء الحديدة ومطار صنعاء يجعل من الصعب تطبيق حظر شامل وفعال دون مواجهة عسكرية مباشرة أو ضغط دولي غير مسبوق.
أما بخصوص التساؤل حول ما إذا كانت هذه التوصيات ستحد من قدرات مليشيا الحوثي الإرهابية، فالإجابة هي أنها ستحد بلا شك من قدرات المليشيا في حال تنفيذها بصرامة، فدعم استئناف تصدير النفط من قبل الحكومة الشرعية يهدف إلى حرمان الحوثيين من إيرادات النفط والغاز التي يسيطرون عليها بشكل غير مباشر، مما يضرب مصدر تمويل رئيسي لهم، كما أن تشديد الرقابة على تهريب السلاح وتفعيل العقوبات على شبكات التهريب سيعيق بشكل كبير قدرة الحوثيين على تجديد ترسانتهم العسكرية، خاصة الصواريخ والطائرات المسيرة التي تهدد الملاحة، علاوة على ذلك، تهدف التوصيات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان وتجنيد الأطفال والتلقين العقائدي إلى تجريد مليشيا الحوثي الإرهابية من أي غطاء سياسي أو شرعي، وتصنيف ممارساتها كجرائم دولية تستوجب المحاسبة.
إن العمل بالتوصيات الحالية التي اقترحها خبراء مجلس الأمن خطوة ضرورية وليست كافية لإنهاء خطر مليشيا الحوثي الإرهابية بشكل كامل.
ويمكن القول إنها توصيات علاجية تركز على الحد من الأعراض (التهريب، التمويل، الانتهاكات)، لكنها لا تتضمن علاجاً جذرياً لإنهاء الخطر، إذ إن أنهاء خطر مليشيا الحوثي يتطلب تجاوز التوصيات الحالية إلى آليات تنفيذ قسرية واضحة، إما عبر تفويض دولي أو إقليمي بفرض الحظر البحري والجوي بشكل صارم، أو حتى فرض عقوبات ثانوية على الجهات والدول التي تسهل للمليشيا تسليحها وتمويلها وبقاءها.
والأهم من ذلك، لا يمكن لأي توصيات أمنية واقتصادية أن تنهي الحرب في اليمن دون مسار سياسي شامل يضمن انتقالاً سلمياً للسلطة وتوزيعاً عادلاً للثروات.
وفيما يتعلق بمدى تجاوب الدول والمنظمات والجهات مع هذه التوصيات، فمن المتوقع أن يكون التجاوب متبايناً ومحدوداً في الغالب، فالدول الداعمة للحكومة الشرعية ستتجاوب بشكل إيجابي مع التوصيات التي تعزز قدرات الحكومة وتشدد الخناق على مليشيا الحوثي، مثل دعم استئناف تصدير النفط وتعزيز الرقابة على المنافذ، في المقابل، ستعمل الدول التي لها مصالح مع مليشيا الحوثي على إفراغ التوصيات من محتواها أو عرقلة تنفيذها، خاصة تلك المتعلقة بتشديد العقوبات وحظر السلاح.
أما المنظمات الدولية والإنسانية، فمن المتوقع أن تتجاوب مع التوصيات المتعلقة بحماية المدنيين ومكافحة الألغام، لكنها قد تواجه صعوبات في التنفيذ بسبب القيود التي تفرضها مليشيا الحوثي على وصول المساعدات.
يمكن القول: إن توصيات فريق الخبراء المعني باليمن هي بمثابة تشخيص دقيق للوضع، وتوفر إطاراً دولياً للعمل عليها ، وهي توصيات مجدية في حال تحولت من مجرد توصيات إلى إجراءات ملزمة مدعومة بإرادة دولية حقيقية.
إن تنفيذ هذه التوصيات بصرامة سيقلل من قدرات مليشيا الحوثي بشكل كبير، لكن إنهاء خطرها بشكل كامل يتطلب تجاوز حاجز التردد الدولي وتوفير آليات تنفيذ قسرية، إلى جانب مسار سياسي شامل ينهي الحرب والصراع من جذوره.
وفي ظل غياب هذه الإرادة، ستبقى هذه التوصيات مجرد حبر على ورق، ولن تنجح في تأديب المليشيا أو إنهاء تهديدها.