مقالات

“عبود” فدائي أرعب الإنجليز

 

سبتمبر نت/ مقال – القباطي أمين

 

سطور من تاريخ الكفاح الوطني يروي بطولات الأبطال الذين أخلصوا بتضحياتهم وتجاوزوا حدود الاستحالة، عزموا السير في درب الكفاح لينال الوطن الحرية والاستقلال, ومن أولئك الأفذاذ صاحب السيرة الخالدة البطل الملقب “عبود”.

البطل فتى قدم من إحدى قرى الضواحي القريبة من مدينة تعز، اسمه الحقيقي مهيوب علي غالب الشرعبي، ولقب بـ(عبود)، ولد في قرية الجبانة عزلة الدعيسة في شرعب الرونة محافظة تعز عام 1945م، وقد ترعرع يتيماً، إذ توفي والده وهو في الثالثة من عمره.

والتحق في صغره بالمعلامة “الكتاب” وأتم حفظ القران وبعض المعارف الأخرى، وهو في العاشرة من عمره، ثم انتقل إلى عدن ودرس هناك في مدرسة الأهلية في مديرية التواهي، لكن اضطر إلى تركها لأسباب معيشية.

وفي عام 1961م التحق (عبود) بنادي الأعروق في المعلا وانهمك هناك بدراسة قواعد اللغة العربية، وتعرف على أهداف حركة القوميين العرب، وعند اندلاع ثورة 14 أكتوبر سافر عبود مع مجموعة من الفدائيين والمناضلين إلى تعز للالتحاق بدورة تدريب عسكرية..

وبعد ذلك عاد إلى عدن، لتشهد بعد عودته العديد من العمليات الفدائية الكبرى ضد قوات الاحتلال البريطاني الذي جثم على جنوب اليمن ما يقارب 129عاماً، وفي نهاية 1964م كان عبود قد شغل عدة مناصب قيادية في القطاعات الفدائية، الجبهة القومية في مستعمرة عدن.

وفي يناير من العام 1965م كان عبود عند السادسة فجرا خارجا من منزل رفيقه احمد قاسم سعيد، وكان حشد من قوات بريطانية قد طوق المكان بعد معلومات من الجواسيس والعملاء الذين شاهدوه يدخل المنزل، وليتم اعتقاله وإيداعه في سجن المنصورة لمدة 6 شهور، عانى خلالها ما لا يطاق من التعذيب الجسدي والنفسي وصل إلى حد تقطيع بعض أصابعه، ليتم بعدها نفيه إلى مدينة  تعز.

ولما كانت قيادة الجبهة القومية المتواجدة في تعز قد عرفت عبود وصدق نضاله ضد الاستعمار البريطاني، قامت بابتعاثه إلى الخارج لتلقي بعض الدورات والعمل الفدائي وأساليب طرق قيادة حرب العصابات، وبعد إتمامه تلك الدورات عاد عبود يحمل عاملا جديدا يدفعه بإصرار على التعامل مع الاحتلال البريطاني..

وكان قد حصل على العديد من لطائف عسكريين مكنته من تنفيذ عمليات فدائية في أخطر وأهم الموقع البريطانية في عدن.

لقد خاض عبود الكفاح في مواجهة الاستعمار وهو يعلم أن اخوته في شمال الوطن يقارعون فلول الأئمة، فكان ممن شكلوا في عدن فرقاً لجمع التبرعات المالية وإرسال المتطوعين للدفاع عن الجمهورية الوليدة هناك، إضافة إلى تعقب وملاحقة فلول الملكيين الذين كانوا يحاربون الجمهورية من عدن وبيحان، وهناك معلومات ولكنها غير مؤكدة أنه شارك فعليا في صف الثورة بمحافظه حجة.

عبود كان يتمتع بحس أمني قوي بدليل أنه استطاع أن يحبط عملية إرهابية عن طريق تمكنه من اكتشاف عملية كبيرة كان يخطط لها الملكيون، وبإشراف وتكوين من الاستخبارات البريطانية، كانت تخطط لتنفيذ عملية إرهابية عبر نسف القيادة المصرية في تعز بسيارة (لاند روفر) مفخخة، لكن استطاع عبود أن يقنع الشخص الذي وقع عليه الاختيار لتنفيذ العملية أن يستلم السيارة المفخخة ومبلغ المكافأة المرصودة، ومن ثم يقوم بتسليم نفسه مع السيارة إلى القيادة المصرية في تعز، وذلك ما حصل بالفعل.

وفي يوم السبت 11 فبراير من العام 1967م كان عبود قد استقل سيارته المعبأة بالألغام، وكان قد سبق رفيقه الشهيد (الدوح)، وآخرون إلى مدينة الاتحاد، وقاموا بتفخيخ الساحة التي كانت تتهيأ لاحتفال وزراء حكومة الاتحاد الفيدرالي والقادة والمسؤولون البريطانيون، ولكن الحظ كان سيئا هذه المرة..

فعند حضور المندوب السامي البريطاني وقائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط على متن طائرة مروحية اكتشفوا أن الساحة مزروعة بالألغام والمتفجرات، فلم تهبط الطائرة، وولى السلاطين والعملاء والضباط البريطانيون هاربين من تلك الساحة.

وكان عبود ورفاقه قد أعدوا الخطة (ب) فأمطروهم بوابل من قذائف المدفعية، فسقط الكثير منهم بين قتيل وجريح، واستشهد في هذه العملية الشهيد (الدوح).

وبعدها توجه عبود من مدينة الاتحاد إلى مدينة الشيخ عثمان، وقاد بنفسه هنالك المعارك التي اندلعت في نفس اليوم بين فدائيي الجبهة القومية والقوات البريطانية.

لكن عبود استطاع ان ينفذ عملية فدائية حينها باعتلائه سطح إحدى ناقلات الجنود البريطانية، وقام بإلقاء قنبلة يدوية انفجرت مخلفة العديد من القتلى والجرحى، ثم لاذ بالفرار عبر سوق البلدية في الشيخ عثمان، ولكن جنديا بريطانيا كان متمركزا على سطح عمارة البنك القريب من مسجد النور رصده وأطلق باتجاهه عدة رصاصات سقط على إثرها شهيداً.

وعند استشهاده أعلنت هيئة الاذاعة البريطانية “لقد قتل عبود”، وهذا الإعلان دليل على أن عبود كان رمزا وطنيا مخلصا، سجل تاريخه النضالي بطولات أرعبت جنود الاستعمار، ويعتبرونه أخطر الفدائيين في عدن.

زر الذهاب إلى الأعلى