مقالات

26 سبتمبر.. ثورة الكرامة ومنارة الحرية

سبتمبر نت: عميد/ علي محمود يامن

الحديث عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة عام 1962م، هو حديث عن الحدث الأهم في تاريخ اليمن الحديث، بعد بعثة النبي محمد ﷺ، إذ أن الإسلام طهّر الجزيرة العربية من أدران الشرك، وسطوة الجاهلية، وبغي رموز الكفر.

وثورة سبتمبر، على ذات النهج، أعادت للإسلام نقاءه، وللحرية معناها، وللمساواة سبيلها، وطهّرت اليمن من الاستغلال الطبقي، والاستبداد السلالي، والكهنوت المتسلط، وسلطة الجبايات، وتجار الحروب من سدنة الإمامة.

إن الإمامة نقيضٌ موضوعيٌ لكل نظام سياسي يُبنى على شرعية شعبية، أو يحوز الحد الأدنى من مقومات الدولة، فهي نظام كهنوتي استبدادي سلالي، قائم على الجبايات التي تُفقِر الشعب، متحرر من أي التزام أو واجب تجاه المواطن، الذي لا يُعدّ فيه سوى عبدٍ مسخّرٍ لطاعة السلالة وخدمتها.

لذلك، لا يمكن تصنيف الإمامة كنظام سياسي، ولا حتى كمستوى اجتماعي، بل هي مزيج قبيح من أسوأ ما عرفت البشرية من أشكال الحكم والعصابات والمافيات، عبر مختلف العصور.

لقد مارست السلالة الإمامية، عبر تاريخها الطويل، كل صنوف الظلم والإفقار، وزرعت الموت المستمر في سلسلة لا تنتهي من الحروب، دمّرت التراث الحضاري لليمن، وأزهقت أرواح الملايين، وأسّست المقابر الكبرى على وجه الأرض، فقط من أجل البقاء في الحكم، عبر إذكاء الفتن والنزاعات بين القبائل والمكوّنات الاجتماعية.

إن اليمن، بحق، من أكثر شعوب الأرض عددًا في الشهداء، الذين قضوا في معركة وطنية شريفة ضد الاستبداد الإمامي، منذ أن أطلت الإمامة بقرونها الكهنوتية على اليمن، منذ الرسي وحتى سبتمبر المجيد.

تشكلت الحركة الوطنية كتيار نضالي، قدم تضحيات جسيمة في سبيل الخلاص.

كانت مسيرة كفاح طويلة، متواصلة، مقدسة، حتى بزغ فجر السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م، تتويجًا مهيبًا لنضالات اليمنيين، وميلادًا لجمهوريتهم الوطنية، التي استندت إلى وجدان الشعب وتطلعاته الكريمة.

لقد كان من أهم عوامل نجاح الثورة وجود قيادة شابة، ناضجة، فدائية، من الضباط الأحرار، الذين لم تتجاوز أعمارهم مقتبل الشباب، ولم تكن رتبهم العسكرية عالية، لكنهم كانوا ممتلئين بحب الوطن، مؤمنين بقدسية القضية، حاملين رؤوسهم على أكفهم، منغمسين في ساحات النضال والتضحية، وقادوا معارك الكرامة الوطنية بشجاعة واقتدار.

وجاء الموقف العروبي النبيل من مصر، بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر وثورة يوليو، ليشكل سندًا عظيمًا للثوار، ودعمًا قويًا للنظام الجمهوري، حيث امتزج الدم العربي المصري باليمني، وتجلّت فيه أسمى معاني الوحدة القومية، وترابط المصير، ووحدة الانتماء .

ثورة السادس والعشرين من سبتمبر لم تكن مجرّد ثورة على نظام مستبد، بل كانت ثورة فكرية، سياسية، وأخلاقية. أعادت للإسلام نقاءه، وللشريعة مقاصدها في العدالة والحرية والمساواة، ورسمت من جديد القيم الإنسانية النبيلة في عقول اليمنيين وقلوبهم.
نقلت اليمن من ظلمات القرون الوسطى إلى فضاءات النور، وأشعة المدنية، وآفاق القرن العشرين.

لكن، ومع الردة الوطنية الخبيثة في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2014م، لم يكن ذلك اليوم عابرًا بالنسبة لمواطن مثلي، عاش أجمل عصور الجمهورية، وتملّكه الفخر والاعتزاز في كل وقوف على وقع “انتبه” ليردد مع جموع الزملاء النشيد الوطني مع ما يصاحبه من الزهو وكل معاني الفخار في ساحات المدارس، وميادين الكلية الحربية، مصنع الأبطال، ومهد البطولة، ومهد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة.

لقد عشت ليلة نكبة 21 سبتمبر مرارةً بالغة، وغصةً عظيمة، وشعورًا قاسيًا بالقهر، لم أذق مثله طيلة حياتي.

كانت الإمامة، في مخيلتي، عهدًا مظلمًا قاسيًا، لم يخطر ببالي أو ببال أحد من جيلي أنها ستعود مجددًا، بهذا الوجه الكالح، المجبول بالدم، المدمر للأحلام، القاتل للمدن، العابث بمنجزات اليمنيين التي قدموا لأجلها أرواحهم.

إنها لحظة الانكسار الأشد قسوة في حياة اليمنيين المعاصرة، والتي تستوجب أن يهبّ أبناء هذا الوطن، من كل ركن، ومن كل فئة، لاستعادة جمهوريتهم، وكرامتهم، وسيادتهم، من قبضة عصابات البغي، وسلالة الدجل.

حفظ الله اليمن، وشعبه، وجمهوريته

زر الذهاب إلى الأعلى