دروس من سبتمبر 1962م

سبتمبر نت/ مقال – عميد ركن/ نجيب سعد الناصر
مضت 63 عامًا منذ أن هبّ اليمنيون من قمم الجبال ووديان السهول وسواحل وصحاري اليمن الكبير، ليعلنوا في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، ميلاد الحرية، وانتصار الكرامة، وسقوط عهد الإمامة المظلم. وكان ذلك اليوم المجيد صفحةً خالدةً كتبها الأجداد بدمائهم الزكية، وزيّنها الشهداء بتضحياتهم العظيمة، لتبقى منارةً للأجيال ودروسًا لا تنطفئ.
لقد وضعت ثورة الـ26 من سبتمبر ستة أهداف كبرى، كانت عهدًا ووعدًا، وطريقًا ومصيرًا، حيث شكّل كل هدف منها درسًا خالدًا للأمة يلخّص معنى الكرامة ويجسد غاية النهوض لليمن واليمنيين. وتمثل هذه الدروس منهجًا وميثاق شرف يجتمع اليمنيون عليه للخلاص من الإماميين الجدد. كما أنها مبادئ لا بد من غرسها في نفوس الأجيال.
وتتجسد تلك الدروس فيما يلي:
* الدرس الأول: التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما
أكد هذا الدرس أن الحرية شرطٌ أساسي لبناء وطنٍ قوي، وأن الاستبداد يقود إلى التخلف بينما يفتح التحرر أبواب النهضة. وهو يعلّمنا أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بدماء الأحرار وصمود الأبطال، وأنها ميراث نتوارثه جيلًا بعد جيل، وصوت يهتف في أعماقنا: لا عودة للقيود ولا رجعة للظلام.
* الدرس الثاني: بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها
بيّن هذا الدرس أن الأمن القومي لا يتحقق إلا بجيش عقيدته الولاء للوطن، يحمي مكتسبات الشعب ويصون استقلاله. ومن خلاله نتعلم أن الوطن بلا جيشٍ وطني راسخ يظل عرضةً للانكسار، وأن الجيش هو السند والدرع والرمز.
* الدرس الثالث: رفع مستوى الشعب ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا
دلّ هذا الدرس على أن العلم ومحو الأمية والعدالة الاجتماعية أساس النهوض الاقتصادي، وأن المجتمعات لا تتطور إلا باستثمار الإنسان أولًا. وهو يعلّمنا أن الأمة التي تقرأ لا تُستعبد، وأن بناء المدارس لا يقل شرفًا عن خوض المعارك.
* الدرس الرابع: إقامة نظام جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات
أكد هذا الدرس أن العدالة الاجتماعية والمساواة هما أساس الاستقرار السياسي، وأن غيابهما يولّد الصراع والاضطرابات. وقد علّمنا سبتمبر أن الفقر ليس قدرًا، وأن العدالة ركيزة الاستقرار، فكان هذا الهدف دعوةً للعمل والإنتاج وإطلاق طاقات الإنسان لبناء وطن مزدهر.
* الدرس الخامس: الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية، والتمسك بالحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل من أجل السلام العالمي
جسّد هذا الدرس انفتاح اليمن على العالم ومشاركته في تعزيز الأمن والسلام الدوليين، فالدولة الحديثة بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تحمي سيادتها وتبني علاقات قائمة على التعاون لا التبعية. وهو يعلّمنا أن الحرية لا تكتمل إلا بالديمقراطية، وأن العدالة هي أساس العمران.
* الدرس السادس: العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة
أوضح هذا الدرس أن جمع شمل اليمنيين تحت راية واحدة يمثل خطوة نحو وحدة عربية أكبر، وأن الوحدة قوة بينما التشرذم يفتح أبواب التدخلات الخارجية ويضعف التنمية الوطنية. وقد آمنت الثورة بأن اليمن لا يعيش في عزلة، وأن وحدته الداخلية ورابطته العربية هما سر قوته. وهكذا جاء الدرس الأخير ليؤكد أن مصير الأمة واحد، وأن الأوطان تنهض متحدة وتنهزم متفرقة.
ختامًا..
إن هذه الأهداف الستة هي وصايا الشهداء وعهد الأجيال، فقد قدّم الأجداد أرواحهم كي نحيا أحرارًا، فهل نكون على العهد؟ وهل نصون الدماء التي روت تراب الوطن؟. إن يوم الـ26 من سبتمبر 1962م ليس مجرد تاريخ، بل هو روحٌ تتجدد في وجدان كل يمني، وصرخة أبدية ضد الاستبداد، ونورٌ لا يخبو مهما تعاقبت العواصف.