
سبتمبر نت/ مقال – عميد ركن/ نجيب سعد الناصر
الجميع يدرك أنه لا يمكن أن نتخيل حياة تنمو وتستقر بلا أمن يحميها ويصون مقوماتها، ولعل أوضح تعبير عن هذه الحقيقة ما ورد في كتاب الله تعالى حين قال سبحانه ﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ فقد جعل الأمن في المرتبة التالية مباشرة بعد الطعام ليؤكد أن بقاء الإنسان لا يستقيم إلا بوجودهما معا.
وعندما رتب ماسلو الحاجات الإنسانية جعل حاجات الأمن في المرتبة الثانية بعد الحاجات الأساسية كالطعام والشراب بما يعكس أن الشعور بالأمان ليس مطلبا اجتماعيا فحسب بل ضرورة حياتية ونفسية لا تستقر الحياة دونها، وهنا ندرك جميعا أن القانون لا يُحترم من دون الشرطة كما أن الشرطة هي الملاذ الأول لكل خائف والضامن لإنفاذ القانون وحماية المجتمع ولهذا مُنحت الشرطة القوة الشرعية لتكون حامية للنظام وراعية للاستقرار وفقا للقانون وتحت رقابته.
وتمارس الشرطة ثلاث وظائف أساسية هي الوظيفة الإدارية والوظيفة القضائية والوظيفة الاجتماعية وتهدف جميعها إلى تحقيق الأمن والاستقرار المستدام في حياة الناس.
الوظيفة الإدارية
حين نتحدث عن الوظيفة الإدارية للشرطة فإننا نتحدث عن الوظيفة الأولى والأوسع انتشارا وتهدف إلى منع الجريمة قبل وقوعها من خلال إجراءات الضبط الإداري، وهي إجراءات وقائية تقوم بها أجهزة الشرطة والأمن المختلفة لحفظ النظام العام وتحقيقه عبر أدوات متعددة مثل إصدار اللوائح والقرارات والتعليمات وتنفيذ أعمال الدوريات والحراسات والانتشار الأمني، إضافة إلى التحليل التنبؤي والإحصائي الجنائي والتخطيط بالسيناريوهات المختلفة وقد أصبحت التكنولوجيا الذكية شريكا رئيسا في هذه الوظيفة حيث تسهم أنظمة المراقبة الحديثة وكاميرات الجسم في رفع كفاءة المتابعة والسيطرة الأمنية.
الوظيفة القضائية
الوظيفة القضائية للشرطة هي الامتداد الطبيعي للوظيفة الإدارية غير أنها تنقلنا من الميدان الوقائي إلى التدخل العلاجي، إذ تهدف إلى كشف الجريمة وضبط مرتكبيها من خلال إجراءات الضبط القضائي وقد عرّفت المادة (91) من قانون الإجراءات الجزائية ذلك بأنه استقصاء الجرائم وتعقب مرتكبيها وفحص البلاغات والشكاوى وجمع الاستدلالات والمعلومات المتعلقة بها وإثباتها في محاضر رسمية وإرسالها إلى النيابة العامة.
وتباشر الشرطة إجراءات الضبط القضائي بشأن وقائع ينطبق عليها وصف الجريمة فتضطلع بمهام جمع الاستدلالات بعد وقوع الجريمة وتوظف تقنيات التحقيق الجنائي والرقمي بما يشمل جمع الأدلة الإلكترونية وتحليلها، وبالنظر إلى الجرائم المستحدثة التي تجاوزت الواقع المادي فقد أُنشئت وحدات متخصصة للتصدي لجرائم الابتزاز والنصب الإلكتروني وغسيل الأموال ومكافحة جريمة المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتمثل هذه الوظيفة حلقة وصل حيوية بين الشرطة من جهة والنيابة العامة والقضاء من جهة أخرى حيث تترجم الجهود الأمنية إلى إجراءات قانونية تكفل العدالة وتحفظ الحقوق.
الوظيفة الاجتماعية
يبرز الدور الاجتماعي للشرطة باعتباره الوجه الأكثر إنسانية في الفكر الشرطي الحديث ويتجسد ذلك في الشرطة المجتمعية التي تسهم في غرس الوعي الأمني منذ الصغر ليكبر الجيل على ثقافة الوقاية والمسؤولية من خلال حماية الأسرة والطفل والوقاية من العنف الأسري ومواجهة الظواهر السلبية كالتسول وأطفال الشوارع، إضافة إلى ترسيخ القيم والعادات الحميدة في المجتمع اليمني ومكافحة العادات والتقاليد الدخيلة والسلبية إلى جانب الحفاظ على البيئة والأمن الغذائي والصحي باعتبارها ركائز للأمن الشامل
إن الوظيفة الاجتماعية في جوهرها هي بناء الثقة بين رجل الأمن والمواطن فهي التي تجعل الناس يدركون أن الأمن مسؤولية مشتركة وأن الاستقرار لا يتحقق إلا بتعاونهم في الإبلاغ والمشاركة في التوعية والانخراط في المبادرات المجتمعية وبهذا يتحول الأمن من مجرد شعور بالطمأنينة إلى ممارسة جماعية واعية تضمن حياة آمنة ومستقبلا أكثر استقرارا.
وختاماً: أُكد أن العلاقة بين الأمن والحياة علاقة وجودية متجذرة في كيان الإنسان والمجتمع فالحياة بلا أمن صورة جامدة بلا روح ومن هنا فإن تحقيق الأمن والاستقرار واستدامته مسؤولية مشتركة تقع في المقام الأول على الجهاز الأمني ويشاركه في ذلك المجتمع بكل مكوناته الأمر الذي يقتضي توعية المجتمع بأدواره المختلفة لتحقيق الوقاية والحماية ولهذا فإن البرامج التوعوية تسعى إلى بناء جسور الثقة بين الشرطة والمجتمع وغرس ثقافة الأمن الوقائي باعتباره مسؤولية مشتركة.
إن تعزيز الثقة بين المواطن والشرطة ونشر الوعي الأمني في جميع مناحي الحياة هو السبيل لترسيخ الاستقرار وتحقيق التنمية ولهذا يظل الأمن هو الحياة والحياة لا تزدهر إلا بوجود أمن راسخ يحميها ويصون استدامتها.