الأخبار الرئيسيةتقارير

المناضل علي عنتر.. الثائر الشجاع والإنسان المتواضع

 

سبتمبر نت/ تقرير

 

في  قرية صغيرة من أرياف محافظة الضالع اسمها “الخريبة” ولد  “علي” ، وذلك في ربيع عام 1937م ليصبح بعدها اسمًا بطوليًّا لا تذكر ثورة ١٤ أكتوبر المجيدة  إلّا وكان حاضرا بقوة في مختلف محطات الكفاح المسلح ضد المحتل البريطاني وما تبعه من محطات سياسية تقلد فيها المناضل ” علي عنتر ” عدد من المناصب ولمع اسمه من خلال مواقفه الوطنية والقيادية وبساطته في تعامله مع المواطنين.

تلقى “علي عنتر” مبادئ القراءة والكتابة في كُتّاب قريته، ثم رحل إلى الكويت طلبًا للرزق..  فعمل فيها، وانضم إلى حركة القوميين العرب، وفي سنة 1960م، عاد إلى بلده؛ وشارك في تأسيس حركة القوميين العرب في محافظة (الضالع)، وأصبح المسؤول الأول عنها.

عند اندلاع ثورة الـ26 من سبتمبر عام 1962م في شمال الوطن واشتداد الهجمات المضادة في محاولة يائسةٍ لوأد الثورة الوليدة في مهدها برزت الضرورة الملحة للإسهام في الدفاع عن الثورة أمام عنتر ورفاقه باعتبارها أهم وأنبل مهمة نضالية تقع على عاتق المناضلين الشرفاء، وإزاء هذه المستجدات الجديدة، وبرئاسة عنتر عقد أبرز قادة حركة القوميين العرب في (الضالع) اجتماعهم في منزل الشهيد المناضل (علي شائع هادي) حيث تم في الاجتماع تدارس خطة للإسهام المباشر في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر بكل الإمكانيات المتاحة وبمختلف الطرق، كما أنه ناقش إمكانية قيام الثورة في الجنوب بعد أن توفر لها أهم ظرف موضوعي لذلك وهو القضاء على الحكم الامامي الكهنوتي السلالي في شمال الوطن والذي يعد عقبة كؤدة أمام مساهمة ثوار الشمال الى جانب اخوانهم في الجنوب، وتعاون الإمامة مع المحتل البريطاني في وأد أية حركة ثورية تنقل اليمن من واقعها المتخلف الى واقع مزدهر ومتطور .

وعقب ذلك الاجتماع تحرك عدد كبير من الفدائيين مع إخوانهم من الجنوب للدفاع عن الجمهورية الفتية.

وكان المناضل علي عنتر أصغر فرد في المجاميع المقاتلة، ولكنه كان أكثرهم حماسًا وشجاعة وذكاء، ولقد كان لانتفاضة 56 أثرها البالغ في تفتق الحسّ الوطني لديه  الذي لم يتمكن حينها من المشاركة فيها بحكم صغر سنه وعدم توفر السلاح، الأمر الذي دفع به إلى حمل عصا غليظة اتجه بها صوب ساحة المعركة التي دارت في قرية (الجليلة) وقرية (نعيمة)، وتحت إلحاحِه وعنادِه حصل على بندقية قديمة نوع (صابة) وهي التي منحته حق المشاركة مع مجموعة فدائية مسلحة وضعت كمينًا لدورية بريطانية في منطقة (الضالع) وقد استمرت الاشتباكات لمدة أربعة أيام متتالية انسحب بعدها المقاومون بحكم عدم التكافؤ إلا أن عنتر  بقي في مكانه، وعندما أفرغ آخر طلقة وتمكن من اللحاق برفاقه، انتقدوه بشدة، فقال مدافعًا عن نفسه: “كيف انسحب وانا ما اشفيت غليلي، وهذه أول مرة يتحقق فيها أملي الذي تمنيته من زمان في أن تكون لي بندقية أقاتل بها الاستعمار” .

وبعد هذه المعركة اضطر رجال الانتفاضة للمغادرة إلى مدينة (قعطبة) التي جعلوا منها محطة انطلاق لعملياتهم العسكرية ضد المستعمرين وعملائهم، وذات مرة قام علي عنتر على رأس فرقة فدائية بمهاجمة موقع الضابط السياسي البريطاني في منطقة (الصفراء) وأظهر خلالها شجاعة نادرة، حيث أصر على إطلاق النيران على الموقع من قرب وتمكن مع رفاقه إصابة عدد من المستعمرين ثم انسحبوا بنجاح.

وبعد استكمال المجاميع الفدائية تدريباتها في (تعز) بدأ الاستعداد للعودة لتفجير جبهة (الضالع) ومع بداية الدقائق الأولى من الساعة الثانية بعد منتصف الليل وصبيحة 24 يونيو 1964م كانت الطلقات الأولى لأول هجوم على معسكر الإنجليز ومقر الضابط السياسي في الضالع، ونسف محطة تموين القوات البريطانية بالمياه، وبهذا تم الإعلان عن فتح ثاني جبهة بعد جبهة (ردفان) دشن بها مرحلة جديدة من حرب العصابات المنظمة، التي لاتعرف التوقف أو التهدئة أو الرحمة ولا تعرف حدودًا للزمان والمكان ولا حصرًا للطرق والأساليب.

حضور النصر العظيم

وفي صبيحة 22 يونيو 1967م شهدت (الضالع) أكبر وأعنف مسيرة جماهيرية، ومن على متن إحدى الدبابات البريطانية كان عنتر يخاطب الجماهير: (أيها الرفاق.. تحقق النصر.. وتحررت منطقة الضالع من المستعمرين وهو الانتصار الذي صنعته هذه الجماهير الفقيرة بفضل تضحياتها الكبيرة من أجل الحرية والاستقلال).

وفي سبتمبر بدأت مسيرة التحرك نحو (عدن) عبر عدة جبهات حيث وصل إلى (البريقة) في نوفمبر ليحتفل مع الشعب كله بعيد الاستقلال  في 30 نوفمبر 1967م.

كان علي عنتر ضمن من لقوا حتفهم في الصراع الدامي في أحداث 13 يناير 1986.

“عنتر” وواحدية النضال

المناضل علي عنتر وقبل 3 سنوات من استشهاده في أحداث يناير 1986م…  تحدث أمام طلاب كلية التربية والتكنولوجيا بجامعة عدن محاضرا الطلبة بأدبيات وعناوين مضيئة عن واحدية الثورة اليمنية “26سبتمبر” و”14 أكتوبر” حيث تناولت العديد من القضايا الوطنية، مبرزا اهمية الوحدة اليمنية ومؤكدا ان قدومها لامحالة منه وكأنه يقرأ المستقبل بعقل وطني متفتح ومنتصر لقضايا اليمن الموحد .

وقد أوصى الحزب “الاشتراكي” الحفاظ عليها مهما كان الثمن، واستشهد بتجربته السياسية والنضالية ليؤكد على واحدية الثورة اليمنية ولحمة المصير والهدف .

نموت دفاعاً عن مبادئ الثورة

آنذاك توقع المناضل علي أحمد ناصر عنتر، أبرز مؤسسي الحزب “الاشتراكي اليمني”، وأحد رموز النضال الوطني وحرب التحرير أن يأتي في المستقبل من يتساءل عما فعله الرموز الأوائل من أجل وطنهم، ولذلك فقد طالب من سيطرحون هذا التساؤل أو يشككون في واحدية الثورة اليمنية “سبتمبر وأكتوبر” بأن يحسنوا قراءة التاريخ جيداً لكي يعرفوا أن من صنع ثورة 26 سبتمبر و14 أكتوبر وحقق الاستقلال في الـ 30 من نوفمبر عام 1967 هم مناضلون من كل مناطق اليمن شمالاً وجنوباً.

وقال عنتر: “لقد قمنا بالثورة ونتمنى أن نموت ونحن نناضل من أجل تحقيق أهدافها السامية، مؤكداً أن الفضل الأول يعود لأولئك الرواد الذين فجروا ثورة 26 سبتمبر التي مهدت الطريق أمام قيام ثورة الـ 14 من أكتوبر، بحيث كان حتمياً أننا وبعد أن قضينا على الإمامة أن يناضل أبناء اليمن شمالاً وجنوباً لتحرير الجزء المحتل من وطنهم من قبضة الاستعمار”.

من صنعاء انطلق المارد

ويضيف علي عنتر في محاضرته تلك “لقد انطلق المارد الجبار من صنعاء الثورة محققاً أهم انتصار للحركة الوطنية اليمنية” .

ولأن الذين يخاطبهم هم من فئة الشباب فقد وجد نفسه ملزماً بأن يكشف لهم جزءاً من صور المعاناة التي واجهها أبناء اليمن قبل قيام ثورتي “سبتمبر وأكتوبر ويوصيهم خيراً بوطنهم”.

معاناة وتضحيات

قال مخاطباً أولئك الشباب “لقد عانى آباؤكم من المآسي والويلات ما لم تعانوه، ولحق بنا في الشمال والجنوب ظلم الإمامة والاستعمار، فقد فرض علينا التشطير والجهل والتخلف، فلا تعليم إلا لأبناء الميسورين فيما كنا نخزن حب القمح والذرة لمدة سبع سنوات ليس لوفرته، إنما خوفاً من أن يأتي اليوم الذي لا نجد فيه ما نسد به الرمق”.

وأضاف: “لا بد أن تعي الأجيال التي ستأتي بعدنا أن آباءهم وأجدادهم قد جسدوا الوحدة الوطنية بأسمى معانيها، ولم يزدهم ظلم الإمامة واستعباد الاستعمار إلا إصراراً وتمسكاً بتلاحمهم.. فكنا حينما تنتهي علينا حبوب الطعام أو نجوع في الضالع نذهب لنأتي بالذرة والقمح من إب وليس من استراليا، لإيماننا وقناعتنا بأن اليمن واحد ومعاناته واحدة وتاريخه واحد”.

واستطرد مؤكداً “كنا نعطف على بعضنا البعض في الأزمات والشدائد، خاصة وأن إمكانيات البلاد قبل الثورة كانت تحتكرها الإمامة والاستعمار لنفسها، حيث كان الطبيب الذي نلجأ إليه سواء في الشمال أو الجنوب هو ذلك الأخصائي الذي يجيد عملية الكي”.

أرادوا تشطيرنا إلى قرى متناثرة

وتساءل علي عنتر في محاضرته قائلاً: من أنقذ هذا الوطن؟.. أليست الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر؟! ومن حرر هذا الشعب من الاستبداد والاستعباد الإمامي والاستعماري، أليست أيضاً الثورة؟!، ومن سيخرج هذا الشعب من دائرة التشطير والتجزئة وموروثاتها؟!.. إنها الثورة أيضاً، خاصة أن من أحكموا علينا تلك القبضة لم يكتفوا بتشطير اليمن إلى جزأين، بل أنهم شطرونا أيضاً داخل كل جزء، فكان صاحب المسيمير غريباً في بلاد الحواشب، وصاحب العوالق عندما يذهب إلى منطقة أخرى يشعر وكأنه في غير وطنه، بل أنهم أرادوا تمزيقنا قرية قرية، ولو لم نتحرك باتجاه تغيير تلك الوضعية لأصبحت حياتنا هدراً.

التسلح بالوعي

ويضيف المناضل الراحل: وعلى إثر توافر الشروط فقد تم تشكيل الجبهة القومية التي كان نواة لها تنظيم حركة القوميين العرب، حيث جاء هذا التشكيل للعمل السياسي مستوعباً كل أبناء اليمن في الشمال والجنوب، سواء أكانوا من أبناء صنعاء أو عدن أو شبوة أو الحديدة أو تعز أو غيرها، ومع ذلك فقد ظلت الثورة اليمنية عرضة للكثير من المؤامرات والمخططات، إلا أن ذلك لم يثنها عن مواجهة تلك المحاولات والتي كان يقودها عادة مجموعات من (المتمصلحين والمرتزقة والمندسين)، وقد دخلنا في صراعات مع تلك الجماعات، واستطعنا أن نسلح أبناء شعبنا في الشمال والجنوب بالوعي ليصبحوا هم صمام الأمان للثورة.

وأردف الراحل علي ناصر عنتر: لقد ناضلنا في حرض وفي صرواح وفي المحابشة وفي كل جبل من جبال المحافظات الشمالية في مواجهة فلول الإمامة وتثبيت ثورة 26 سبتمبر، وناضل إخواننا ورفاقنا من أبناء المحافظات الشمالية نضالاً مستميتاً في شوارع عدن وفي جبال الضالع وردفان، بل وفي كل جبل من جبال الشطر الجنوبي، الأمر الذي يؤكد على أن الثورة اليمنية قد شكلت الإطار القوي لوحدتنا الحقيقية..

على الاشتراكي الحفاظ على الوحدة

واضاف: “وأقول إن الوحدة آتية، فهي الحقيقة التي ناضل من أجلها أبناء الشعب اليمني، ومن تغضبه هذه الحقيقة فعليه أن يضرب رأسه عرض الحائط.. لقد سالت الكثير من دماء اليمنيين فداء لهذا الهدف الذي يمثل أغلى شيء في حياتهم، ولذلك فقد أكدنا على الحزب الاشتراكي “اليمني” وليس “العدني” أن يضع تحقيق الوحدة اليمنية نصب عينيه وهو الحال الذي ينطبق على إخواننا في شمال الوطن”.

لا تنخدعوا بالشعارات

وأضاف: لا بد أن يتحلى الجميع بنفس الرجولة والشجاعة التي كانت لدى أولئك الذين صنعوا الثورة والذين قدموا رؤوسهم قرباناً للحرية على طول وعرض اليمن، كما أن علينا أن نحافظ على إنجازات الثورة وأن نصونها وأن لا نساوم حولها بدافع خلل ما أو مجاملة أو محاباة لبعض من تضررت مصالحهم، وليس من حق أحد أن يمن على اليمن بنضاله، فقد ناضلنا كلنا وكل واحد منا كان مكملاً للثاني، ولكي نضمن استمرارية هذه الانتصارات في المستقبل فلا بد أن نجعل مصلحة الوطن فوق مصالحنا الذاتية، وأقول للشباب ومن خلالكم إلى الأجيال القادمة، راقبوا الممارسات وليس الشعارات، ولا تدعوا أحداً يغالطكم أو يسعى إلى استغفالكم من خلال بعض المفاهيم الخاطئة، فاليمن قد انتصرت ورسمت ملامح طريق المستقبل، وعليكم أن تحافظوا على هذه النجاحات، ولا تكونوا كمن يزرع الثوم ويتطلع لجني البصل”.

زر الذهاب إلى الأعلى